في مشهد إقليمي متسارع، بعد فشل "إسرائيل" عسكرياً في تحقيق أهدافها في لبنان وغزة، بدأت تتبلور تحركات دولية وإقليمية لإعادة ترتيب المنطقة، ليس عبر الحسم العسكري، بل عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية، مستهدفة سوريا ولبنان والعراق، في محاولة لفرض معادلات جديدة تخدم المشروع الأميركي – الإسرائيلي، وتحقق لـ"إسرائيل" ما عجزت عنه في الميدان.
كيف يبدو المشهد الإقليمي الراهن؟ وما هو موقف دمشق؟ وكيف يمكن وصف دور العراق الجديد تحت قيادة رئيس وزرائه علي الزيدي، وتوجهاته التي تبدو متزايدة نحو الجانب الأميركي؟ وماذا عن زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن للقاء ترامب؟ وكيف تعمل هذه التحركات على إعادة رسم لخريطة النفوذ في المنطقة؟
تركيا في قلب اللعبة الأميركية: شريك مؤقت أم لاعب إقليمي بذاته؟
نبدأ من تركيا، ففي خضم إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، تبرز تركيا كعنصر محوري لا يمكن تجاوزه. فوفق تحليلات استراتيجية، تعتبر تركيا "المفصل" الذي يربط بين ثلاثة مسارح حاسمة: شرق المتوسط، والقوقاز، والمشرق العربي . لذلك، فإن تحويل مسار السياسة التركية يعني إحداث تأثير مضاعف في سوريا ولبنان والعراق والقوقاز، وحتى في مسارات الطاقة والعبور. ولهذا السبب، لم تكن عروض طائرات F-35 مجرد صفقة أسلحة، بل ثمناً لإعادة دمج تركيا في البنية الأمنية التي تفضلها واشنطن .
الرؤية الأميركية تعتبر أن تركيا يمكنها، ضمن هذا المخطط، أن تؤثر على الحكومة اللبنانية، وتغير موازين القوى في شمال سوريا، وتضغط بشكل غير مباشر على التطورات في العراق، وتخلق ضغوطاً جيوسياسية في جنوب القوقاز، وتعزز مسارات الطاقة والعبور البديلة . وهذا يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية: من المواجهة المباشرة لإيران إلى إعادة تصميم محيطها، حيث تستهلك طهران جزءاً كبيراً من قوتها للحفاظ على عمقها الاستراتيجي وإدارة أزمات متزامنة .
لكن المشكلة التي تواجه هذا المخطط، هي أن تركيا نفسها ليست حليفاً تقليدياً يمكن استيعابه بسهولة. فأنقرة لا تسعى إلى دور تابع، بل تريد أن تكون قوة إقليمية بذاتها . والرئيس أردوغان يدرك تماماً أن القيمة الاستراتيجية لتركيا تنبع من موقعها كـ"وسيط وموازن"، مما يعني أن اندماجها الكامل في اللعبة الأميركية سيجعلها تفقد جزءاً كبيراً من أوراق قوتها تجاه روسيا وإيران والصين والدول العربية .
وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تعاون تكتيكي تركي دون تحالف استراتيجي، بأن تعمل أنقرة مع واشنطن في ملفات معينة، لكنها تبتعد عن المواجهة الشاملة مع إيران أو محور المقاومة ، وهذا النهج هو نفسه الذي تتبعه أنقرة مع روسيا في السنوات الأخيرة.
"إسرائيل" هي التهديد الحقيقي
وبينما كانت التحركات تتسارع، خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتصريحات أشعلت الجبهة الدبلوماسية، قال فيها: "ادّعت إيران منذ فترة طويلة أنها تتبع سياسة أمنية استباقية من خلال وجود وكلاء في هذه الدول، تماماً كما يحتّل الإسرائيليون بقية المنطقة كجزء من أمنهم" . لم تكن هذه الكلمات محايدة، كانت إعلاناً عن تحول في السياسة التركية، وانحيازاً غير مباشر إلى الرواية الأميركية، على الرغم من أن فيدان اعترف في الوقت نفسه بـ"إجرامية الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران" .
إيران ردت سريعاً وبوضوح، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي: "من الغريب جداً أن يقوم شخص مثل السيد فيدان بهذه المقارنة غير الصحيحة. هو نفسه يعلم أن الكيان الصهيوني توسعي بطبيعته، ويسعى للإضرار بالمنطقة بأكملها، بما فيها تركيا. إيران ليس لها أي وكيل في المنطقة. الوكيل الوحيد هو الكيان الصهيوني" .
كان الرد إيرانياً بامتياز: حاد، واضح، لا يترك مجالاً للتأويل. وكأنه يقول لأنقرة: "لا تراهن على أنك ستخرج من هذه اللعبة سالماً، لأن المنطقة لا تتحمل مزيداً من الانقسامات، والعدو الحقيقي ليس إيران، بل الكيان الصهيوني الذي يتربص بكل من يقف في طريقه". ودعا بقائي المسؤولين الأتراك إلى "تعديل تحليلاتهم لتتماشى مع الحقائق على الأرض، وعدم تكرار تحليلات يمكن أن يستغلها الكيان الصهيوني في سياسته التوسعية والإجرامية" .
الزيدي في واشنطن: العراق يكتب شراكة جديدة مع أميركا
أما في العراق وجديد التطورات على الساحة العراقية، فمنذ تولي علي فالح الزيدي رئاسة الحكومة العراقية في 14 مايو/أيار 2026، برزت تساؤلات حول توجهاته التي باتت واضحة بعد ميله الواضح نحو بناء شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، تتجاوز الإطار الأمني إلى آفاق اقتصادية واستثمارية أوسع، وقد لخص هذه الرؤية في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست عشية زيارته الأولى للبيت الأبيض، قائلاً: "أريد أن أنتقل بالعلاقة من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، لا سيما التي تترك أثراً اقتصادياً ملموساً".
ومع هذه الزيارة وإصراره عليها، كتب الزيدي فصلاً جديداً في العلاقات العراقية – الأميركية، مؤكداً أن بغداد تميل نحو الانحياز للجانب الأميركي، حتى لو كلفها ذلك توتراً مع طهران.
لقاء البيت الأبيض.. رسائل أميركية واضحة
في 14 يوليو/تموز الجاري، التقى الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في زيارة وصفت بأنها الأولى خارجياً للزيدي منذ توليه منصبه . وقد حملت هذه الزيارة رسائل أميركية واضحة، تجلت في تصريحات ترامب نفسه:
- دعم أميركي مفتوح للزيدي: " قال ترامب إنه كان مهتماً بفوز الزيدي برئاسة الحكومة العراقية، وإن منافسه كان يتبنى مواقف "سيئة" تجاه واشنطن . هذا يؤكد أن الزيدي لم يأتِ إلى السلطة صدفة، بل بدعم أميركي مفتوح. وأشاد ترامب بالزيدي ووصفه بأنه "بطل رائع وبطل جديد"، وأضاف أنه "سيكون قائداً عظيماً في الشرق الأوسط، ليس فقط في العراق، بل سيمتد نفوذه إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط" .
- مستقبل القوات الأمريكية: أعرب ترامب عن اعتقاده بعدم وجود حاجة لإستمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق، مشيراً إلى أن الأمور تسير بصورة جيدة فيما يتعلق بنزع سلاح الفصائل المسلحة العراقية .
- شراكة نفطية قوية: أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة والعراق يتجهان إلى إقامة شراكة قوية في قطاع النفط، على أن يُعلن عنها قريباً، مؤكداً أن شركات النفط ستدخل العراق بمستويات "غير مسبوقة.
-وصف إيران بأنها "المتنمر على دول الشرق الأوسط".
كما قدم الزيدي نفسه كرجل أعمال يسعى إلى إعادة تعريف موقع العراق في المنطقة، وتحويله من ساحة تتقاطع فيها الصراعات إلى دولة تجذب الاستثمارات وتستثمر ثرواتها الطبيعية. وقد حدد في تصريحاته عدة محاور أساسية اهمها حصر السلاح بيد الدولة، وهو الملف الأكثر حساسية، فقد شدد الزيدي على أن لديه قراراً بحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أنه بعد 30 سبتمبر/أيلول 2026 لن تكون هناك حاجة إلى وجود "فصائل مسلحة" في العراق، ولن يُسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية . وقد أطلقت بغداد في 3 يونيو/حزيران 2026 لجنة مختصة لحصر السلاح بيد الدولة، مكلفة بوضع آليات دمج "التشكيلات المسلحة"، وهو الملف الأكثر خدمة واهمية لواشنطن.
وعلق مسؤول أمريكي على المشهد الذي جمع الزيدي بترامب، قائلاً: "إن استعداد الزيدي للجلوس بجوار الرئيس ترامب أثناء حديثه عن إيران كان بمثابة صورة قوية، تُظهر جدية نيته في التحالف مع الولايات المتحدة رغم معارضة إيران" .
والسؤال الأبرز: هل ستوافق فصائل المقاومة العراقية على نزع السلاح مع وجود الخطر الداعشي الذي يحيط بالعراق؟
لبنان.. في قلب اللعبة الأميركية الجديدة
وفي الوقت الذي كان فيه الزيدي يخطو خطوته نحو واشنطن، كان لبنان يتحضر لإستقبال زيارة جديدة للمبعوث الأميركي توم باراك، السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا. فهذا الرجل الذي يمثّل رأس حربة السياسة الأميركية في المنطقة، لا يعود إلى لبنان في فراغ سياسي، بل في لحظة دقيقة يُعاد فيها رسم معالم الدور الأميركي لبنانياً، ضمن سياق متحوّل من الصراع الإقليمي بين إيران والكيان الإسرائيلي.
وتؤكد المصادر الديبلوماسية الغربية، أن الملف الأساسي الذي سيحمله باراك في جولته الجديدة، هو ملف "المضيّ في تحجيم حزب الله: بدءاً من سلاحه، مروراً بتمويله، ووصولاً إلى شبكاته اللوجستية". لكن واشنطن تدرك أن هذه الملفات ليست تقنية أو أمنية فقط، بل هي سياسية بامتياز، وتتطلّب توافقات محلية وإقليمية لم تنضج بعد.
زيارة عون لواشنطن.. اختبار للدولة اللبنانية
هذا وقد غادر اليوم الرئيس اللبناني جوزاف عون الى واشنطن في لقاءه المرتقب مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي . فالرجل الذي يقود دولة تعيش أزمة وجودية، يجد نفسه أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يوفق بين متطلبات الدولة اللبنانية ومتطلبات الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وبين الضغوط الأميركية التي تطالب بتحجيم حزب الله وحماية جمهور المقاومة؟
وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول، في 10 تموز/يوليو، حيث تم بحث الملف اللبناني في سياق التحركات الإقليمية لفرض معادلة جديدة في المنطقة.
المنطقة تتهادى بين الذاكرة والهوى
لكن الأغرب في كل هذه التحركات، أنها تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وتكرر سيناريوهات فشلت مراراً. فمنذ طوفان الأقصى، والعدوان على غزة ولبنان، مروراً بالتصعيد ضد إيران، ثم التغير في سوريا، كان الكيان الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من كل انقسام، ومن كل صفقة، ومن كل تحالف مؤقت.
وها هو اليوم، وبعد فشله العسكري، يحاول تعويض خسائره سياسياً، ويراهن على تواطؤ بعض الأنظمة الإقليمية لتعويض ما فاته في الميدان.
لكن ما لا تدركه هذه الأنظمة، أن المنطقة ليست ساحة للبيع والشراء، وأن لبنان ليس قطعة شطرنج، وأن حزب الله ليس مجرد فصيل يمكن استهدافه بحملة ضغوط أو بوساطة سياسية. حزب الله هو جزء من التركيبة الوطنية اللبنانية، وهو جزء من معادلة إقليمية أوسع، ترتبط بإيران، وبالمقاومة، وبالدم الذي روي به الجنوب، وبالكرامة التي لم تنكسر رغم كل الحروب.
والأغرب أن بعض هذه الأنظمة التي تسارع اليوم إلى الانحياز للمشروع الأميركي، هي نفسها التي كانت بالأمس جزءاً من محور المقاومة، أو على الأقل، كانت تحافظ على موقف متوازن. أما اليوم، فهي تسابق الزمن لتقديم أوراق اعتمادها لواشنطن، وكأنها تريد أن تثبت أنها أكثر ولاءً من غيرها، وأنها قادرة على تقديم خدمات لا تستطيع أنظمة أخرى تقديمها.
هذا المشهد الذي نراه اليوم، هو نفسه الذي رأيناه بالأمس، وسنراه غداً، طالما أن المنطقة لا تزال تراوح بين محاولات الهيمنة وإرادة الصمود، وبين مشاريع التفكيك وعقيدة التحرير.
ويبقى السؤال الأكبر هو: لبنان إلى أين؟ ومن سيخطف لبنان؟
لبنان وطن، وحزب الله جزء من هذا الوطن، والمقاومة ليست رهناً بتحركات الدول، بل هي معادلة لا تُشطب، وخط أحمر لا يُمس.
وأما من يظن أن بإمكانه إعادة ترتيب المنطقة بالضغوط والصفقات، فعليه أن يتذكر أن كل من حاول ذلك قبل ترامب، انتهى به الأمر إلى جدران لم يستطع تخطيها، وإلى مقاومة لم يستطع كسرها، وإلى تاريخ لم يكتبه باسمه.
لن يتغير شيء، لأن الأمور لم تتبدل. لأن محور المقاومة لا يزال صامداً، لأن إيران لا تزال قوية، لأن حزب الله لا يزال حاضراً، لأن فلسطين لا تزال قضية، لأن الدماء التي سُفكت ستثمر انتصاراً، لأن النصر قادم، لا محالة، مهما طال الزمن، ومهما تكاثرت المؤامرات.
المصدر: وكالة تسنيم

