2026-07-18 12:39 ص

الإنتخابات التشريعية: إئتلاف جديد يربك المشهد الفتحاوي

2026-07-17

بقلم: نبهان خريشة

منذ أن أعلن الرئيس محمود عباس تحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، لم يعد الاهتمام الفلسطيني منصباً على موعد الاقتراع بقدر ما بات موجهاً إلى شكل الاصطفافات السياسية التي ستسبق الانتخابات، وإلى طبيعة التحالفات التي يمكن أن تعيد رسم الخريطة الداخلية، وخصوصاً داخل حركة فتح التي تبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى. فما يجري خلف الأبواب المغلقة لا يقل أهمية عما سيجري أمام صناديق الاقتراع، بل ربما يكون العامل الحاسم في تحديد نتائجها.

في هذا السياق، تتردد معلومات متقاطعة عن مشاورات تجري بين شخصيات فتحاوية تعرضت خلال السنوات الماضية للإقصاء أو التهميش، وعدد منها محسوب على تيار الأسير مروان البرغوثي، بالتنسيق مع شخصيات وطنية مستقلة وأخرى من اليسار الفلسطيني، بهدف بلورة قائمة انتخابية مشتركة تخوض الانتخابات التشريعية المقبلة. وإذا نجحت هذه المشاورات في الوصول إلى صيغة توافقية، فإنها قد تشكل أول تحدٍ سياسي حقيقي للقائمة الرسمية التي ستشكلها القيادة الحالية لحركة فتح.

ولا تبدو الفكرة مجرد محاولة لتجميع أصوات احتجاجية، بل تقوم، بحسب ما يتسرب على رؤية تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة باتجاه تشكيل "ائتلاف وطني" يقدم نفسه باعتباره إطاراً سياسياً جامعاً، يرفع شعار توحيد الجهد الوطني في مواجهة الاحتلال، ويؤكد في الوقت نفسه دعمه لترشح مروان البرغوثي في أي انتخابات رئاسية قد تُجرى لاحقاً. وهذا البعد السياسي يمنح المشروع، إن اكتمل، أهمية تتجاوز الانتخابات التشريعية نفسها، لأنه يربطها مباشرة بالاستحقاق الرئاسي المتوقع خلال الأشهر التالية.

ولا أعتقد أن اختيار البرغوثي ليكون محور هذا الائتلاف جاء من فراغ. فالرجل، رغم وجوده في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، لا يزال يتمتع برصيد شعبي وسياسي يصعب تجاهله. بل ربما زادت سنوات الاعتقال من رمزيته الوطنية، خصوصاً في ظل الظروف القاسية التي يعيشها داخل السجن، والتي تشير تقارير حقوقية إلى أنها بلغت مستويات غير مسبوقة من القمع والعزل والتجويع وسوء المعاملة، حتى إن بعض هذه التقارير وصفت ما يتعرض له بأنه "إعدام بالتقسيط". وهذه الظروف، بدلاً من إضعاف حضوره، تعزز صورته لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بوصفه رمزاً للصمود، وهو ما يمنحه قوة معنوية قد تتحول إلى قوة انتخابية إذا ما فُتحت صناديق الاقتراع.

وفي تقديري، فإن أهمية هذا الحراك لا تكمن فقط في احتمال تشكيل قائمة منافسة، بل في كونه يكشف حجم التصدعات التي تعيشها حركة فتح. فالحركة التي كانت تاريخياً قادرة على استيعاب خلافاتها داخل مؤسساتها، باتت اليوم تشهد حالة متزايدة من الإقصاء السياسي، دفعت شخصيات تاريخية وكوادر مؤثرة إلى الابتعاد عن مراكز القرار، أو إخراجها منها. ومع غياب الحوار الداخلي الحقيقي، يصبح تشكيل قوائم منافسة خياراً يكاد يكون طبيعياً بالنسبة إلى كثيرين يشعرون بأنهم لم يعودوا شركاء في صناعة القرار.

ويزداد المشهد تعقيداً مع استمرار التوتر بين الرئيس محمود عباس وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب. صحيح أن الخلافات بين الرجلين ليست جديدة، لكنها تبدو مرشحة لأن تنعكس بصورة مباشرة على إدارة العملية الانتخابية. فالرجوب يمتلك ثقلاً تنظيمياً وسياسياً لا يمكن تجاهله، كما أن له حضوراً داخل أطر الحركة. وإذا شعر بأن إدارة الانتخابات تتم بطريقة أحادية أو تستهدف إقصاء أدواره، فمن المرجح أن يعارض النهج الذي تُدار به العملية الانتخابية، حتى لو لم يذهب إلى حد تشكيل قائمة مستقلة، او دعم قائمة تنافس القائمة الرسمية..

ولا يخفى على أحد أن دائرة صناعة القرار المتعلقة بالانتخابات داخل مؤسسة الرئاسة باتت ضيقة للغاية. فبحسب ما يتردد في الأوساط السياسية، تقتصر دائرة التشاور الأساسية على حسين الشيخ، وماجد فرج، ومجدي الخالدي، إضافة إلى ياسر عباس. وهذه الدائرة المحدودة، أياً كانت كفاءتها، لا تستطيع أن تعكس التنوع الموجود داخل حركة فتح أو داخل النظام السياسي الفلسطيني. بل إن حصر القرار في نطاق ضيق قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان، ويعزز شعور قطاعات واسعة بأنها مستبعدة من رسم مستقبل الحركة والسلطة.

ومن هنا، فإن أي قائمة منافسة لن تستمد قوتها فقط من برنامجها السياسي، وإنما أيضاً من حالة الاعتراض المتنامية على أسلوب إدارة المؤسسات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. فالكثير من الفتحاويين لا يعترضون على الأشخاص بقدر اعتراضهم على آلية اتخاذ القرار، وعلى تراجع دور المؤسسات التنظيمية لمصلحة القرار الفردي أو الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس.

لكن ما يجعل هذه الانتخابات أكثر حساسية هو أنها قد تكون مجرد محطة تمهيدية لمعركة أكبر، تتمثل في الانتخابات الرئاسية، إذا جرت خلال الربع الأول من العام المقبل كما جاء في بعض التقديرات. عندها سيصبح اسم مروان البرغوثي، مرة أخرى، المرشح الأبرز القادر على استقطاب قطاعات واسعة من الفلسطينيين، ليس فقط داخل فتح، وإنما أيضاً بين المستقلين وعدد من القوى السياسية.

ولا أعتقد أن هذا الاحتمال يغيب عن حسابات التيار المهيمن داخل السلطة. ولذلك ليس مستغرباً أن يجري، في المجالس المغلقة، تداول سيناريوهات مختلفة للتعامل مع احتمال ترشح البرغوثي. بعضها قد يرتبط بتفسيرات قانونية لقانون الانتخابات، وبعضها قد يعتمد على ترتيبات سياسية داخلية، وبعضها الآخر قد يراهن على استمرار اعتقاله لإلغاء وجوده. لكن المشكلة الأساسية أن أي محاولة للالتفاف على ترشح شخصية تحظى بتأييد شعبي واسع قد تُفسر فلسطينياً على أنها التفاف على الإرادة الشعبية نفسها، وهو ما قد ينعكس سلباً على شرعية أي عملية انتخابية.
وفي المقابل، يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً بقوة. فإسرائيل لا تنظر إلى البرغوثي باعتباره مجرد أسير، وإنما باعتباره شخصية يمكن أن تغير معادلات السياسة الفلسطينية إذا خرج من السجن أو إذا تمكن من قيادة المشهد السياسي حتى وهو خلف القضبان. ولذلك فإن استمرار السياسات العقابية بحقه لا يمكن فصله عن هذا الإدراك الإسرائيلي لمكانته السياسية والشعبية.

لكن، في نهاية المطاف، لا ينبغي اختزال الانتخابات المقبلة في الصراع بين عباس والبرغوثي، أو بين القائمة الرسمية وأي قائمة منافسة. فالقضية الأهم هي ما إذا كانت هذه الانتخابات ستفتح فعلاً الباب أمام تجديد النظام السياسي الفلسطيني، أم أنها ستكون مجرد إعادة إنتاج لموازين القوى القائمة. فالتجديد الحقيقي لا يتحقق بإجراء الانتخابات فقط، بل بوجود منافسة عادلة، وتكافؤ في الفرص، واحترام لإرادة الناخبين، وقبول بنتائج الصندوق.
ومن المؤكد أن الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت. فالتحالفات لم تستقر بعد، والخلافات داخل فتح لم تصل إلى نهاياتها، والسيناريوهات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. لكن ما يبدو واضحاً منذ الآن أن قرار تحديد موعد الانتخابات لم يطلق فقط سباقاً نحو المجلس التشريعي، بل فتح أيضاً مبكراً معركة خلافة الرئيس محمود عباس، وهي معركة قد تكون الأكثر تأثيراً في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني منذ سنوات طويلة.
وإذا نجح تيار البرغوثي، بالتعاون مع الشخصيات المستقلة واليسارية، في بلورة ائتلاف وطني متماسك، فإن الانتخابات المقبلة قد تتحول من مجرد استحقاق تشريعي إلى استفتاء سياسي على شكل القيادة الفلسطينية المقبلة. أما إذا أخفقت هذه الجهود، واستمرت حالة التشرذم والانقسام، فإن المستفيد الأول سيكون التيار الرسمي الذي سيواصل إدارة المشهد بالأدوات نفسها التي حكمت الحياة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، لتبقى أزمة الشرعية مؤجلة.