2026-07-14 12:46 ص

انهم يطلقون الرصاص على مروان البرغوثي

2026-07-13

بقلم: د. لينا الطبال
نعم، بلا مجازات وبلا رتوش، جندي مدجج بالدروع والأسلحة، يمثل جيشاً “لا يقهر”، يقف مرتعباً داخل زنزانة ضيقة… يختصر في رعبِهِ دولة الكيان…
انظروا اليهم… يملؤون سمائنا بضجيج الـ إف-35، ويكدسون القنابل النووية، ولديهم عباقرة يحصون انفاس النمل بالذكاء الاصطناعي… كل هذه الألعاب، كل هذه العضلات البلاستيكية المنفوخة بالوهم، تقف هناك… ترتعد!
نعم، ترتعد مثل فئران مذعورة! أمام ماذا؟
أمام رجل أعزل، في السادسة والستين من عمره… يقبع في زنزانة ضيقة منذ عقود… يخافون منه!
يخافون من خياله! رجل اسمه مروان البرغوثي…
دولة كاملة، بأجهزتها الاستخباراتية، وتقاريرها السرية، تحرض علناً على أسير!
 “احذروا، البرغوثي يتنفس!
البرغوثي ما زال يبتسم!
البرغوثي يشكل خطراً استراتيجياً وهو يرتدي بدلة السجن البنية!”.
لأنهم خائفون، خائفون حتى الموت من ظلهم، ماذا يفعلون؟ يمارسون بطولة الجبناء التي تتطلب الكثير من الإبداع السادي!
قبل شهرين، ألقوا على مروان البرغوتي قنبلة صوتية…
نعم، قنبلة صوتية داخل زنزانة مغلقة! لعلك تسأل نفسك: هل كانوا يحاولون إيقاظه من النوم مثلاً؟
احرقوا يده… عذبوه مرارا وكسروا اضلاعه…  جنود مدججون بالدروع والأسلحة، يهاجمون رجل أعزل!
ولأن عقل السجان مسطح كلوح خشب، يعتقد أن ثقب اللحم بالرصاص سيمحو الكاريزما اندفع جندي مهووس بخرافة “أرض إسرائيل الكبرى” ليطلق رصاصة مطاطية على قدم مروان البرغوثي من “مسافة صفر”… لا بد أن إدارة السجن تستعد الآن لمنحه وسام “البسالة المفرطة في مواجهة الأطراف الثابتة!”… يا لها من مسخرة.
يظنون، بغبائهم المتأصل وعماهم الأيديولوجي أن ثقب جسد مروان البرغوثي بالرصاص قد يعطل حتمية التاريخ أو يوقف نضال شعب كامل نحو الحرية. كم تبدو هذه الوحشية عاجزة ومثيرة للسخرية! ما تفعله هذه المنظومة المذعورة هي محاولة بائسة لعلاج “عقدة الهيبة” المفقودة بأدوات قمعية عتيقة… كالرصاص المطاطي.
هنا، تستيقظ فجأة “جامعة الدول العربية”! نعم، كائن خرافي آخر يخرج من سباته العميق ليصدر “بياناً”!
الجامعة العربية تنتفض بطريقتها المعهودة: “نطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية عاجلة!”، “نطالب بزيارة طبية مستقلة!”
كم هذا مؤثر!
يا سادة، البرغوثي ورفاقه الأسرى لا يحتاجون إلى دموع التماسيح، ولا إلى لجان تحقيق دولية تُولد ميتة. شجاعتهم تخطت حدود زنازينهم، وأصبحت هي المقياس الوحيد للكرامة في هذا العالم.
إن أكثر ما يرعب إسرائيل اليوم، ويقض مضاجع جنرالاتها، هي تلك الفكرة المرعبة: أن هذا القائد، ورغم جدران عزله، ما زال يمتلك القدرة الخارقة على قيادة وتوجيه مشاعر الشعوب… بنظرة عين واحدة فقط!
تأملوا معي هذا المسلخ البشري العظيم… تباينٌ يدعو للقرف!
تلك القبور الأسمنتية المسماة زنازين… يكدسون فيها آلاف الأجساد… آلاف الأعمار تبتلعها العتمة والصدأ خلف أبواب حديدية ضخمة! في غزّة، في الضفّة في فلسطين المحتلة… كل مكان تحوّل إلى معسكر اعتقال كبير، إلى مختبر سادي لمرضى البارانويا!
يريدون سحق ارواح الاسرى… نعم! هذه هي الخطة! الفلسطيني، واللبناني، والسوري هناك، تتوحد أجسادهم تحت سياط التنكيل ذاته، لحمٌ مرصوص في غرف ضيقة، يرمون بها الأسرى في زنزانة ضيقة كالتابوت… عزل انفرادي لشهور، لسنوات… لا صوت، لا ضوء، لا بشر… فقط الجدران العارية!
والإهمال الطبي؟ هو قتلٌ متقن… تقطيرٌ بطيء للموت في عروق الأسرى قطرة، قطرة!  … يتركون الجسد يتآكل، يذوب، حتى إذا فاض الدم من شدة الألم، يعطون حبة مسكن!
حبة رخيصة واحدة ليبقى الأسير على قيد العذاب… ويتسلى السجان السادي بآهاته!!
يمنعون الأكل،
يمنعون الكتب،
يمنعون حتى رؤية وجوه الأبناء والزوجات…
يداهمون المنامات بالغاز والضرب في منتصف الليل… كل هذا ليقولوا: “نحن الأسياد”!
لكن انظروا… انظروا جيداً إلى هذه المفارقة التي ستضحكون منها ملء فمكم! ابطالنا في الاسر… هؤلاء الرجال العراة، المحشورون في زوايا العتمة… يحولون زنازين الاحتلال إلى قلاع!
يصنعون منها فكراً،
ووعياً،
وكبرياءً يمتد طوفاناً إلى الخارج،
الى كافة شوارع العالم التي تصرخ الآن بأسمائهم…
من واجهات المحلات،
الى أشرعة سفن الصمود،
الى المدن والبلدات الممتدة على خريطة الأرض… كلها صارت تحمل أسمائهم…
أبو القسام هناك… يقف شامخاً في زنزانته وبنظرة عين واحدة… نظرة واحدة منه تقود مشاعر ملايين البشر حول العالم، والجلاد الأبله، بجانبه، يموت رعباً من فكرة أن الجدران لا تحبس الأرواح…
 في يوم ليس ببعيد،
سيقف السجّان الأخير، ببدلته العسكرية التي باتت فضفاضة على جسده الذابل، يرتجف وهو يدور بالمفتاح الصدئ في القفل الأخير. “طَق طق طق”… صوت الحديد يتردد صداه في الممرات الطويلة المهجورة، نفس الممرات التي كانت يوماً تعج بصراخ التعذيب وضجيج الأوامر الفاشية.
 سيفتح الباب ببطء، وعيناه المحمومتان بالخوف تتوقعان رؤية أبو القسام أو أيٍّ من رفاقه، ممدداً، نازفاً، أو على الأقل متعباً.
لكنه لن يجد أحداً.
سينظر إلى الأرض… لن يجد أثراً للرصاص المطاطي، ولا ببقايا القنابل الصوتية. كل ما سيجده هو “الفكرة” وهواء نقي يملأ المكان.
سيصاب السجّان بالهستيريا اكثر واكثر، سيلتفت خلفه مرعوباً، ليرى أن الممرات التي جاء منها قد اختفت، وأن أبواب السجن الخارجية قد أغلقت إلى الأبد. سيحاول الصراخ، سيستنجد بأجهزة مخابراته، بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بجيشه الذي “لا يقهر”.
سيدرك السجّان الأخير، وهو يجثو على ركبتيه في تلك الزنازين الفارغة، المفارقة الكبرى: الأسرى خرجوا إلى الحرية، بينما هو، بمفاتيحه وبندقيته وبذلته المحشوة بالدروع، بات السجين الوحيد والأبدي في سجن واسع اسمه “إسرائيل”… يا لها من نهاية!
 

اكاديمية و باحثة – بيروت