2026-07-18 09:36 م

الانتخابات الفلسطينية: جدل يتجاوز صناديق الاقتراع

2026-07-18

بقلم: فضل سليمان

ياما حكوا عباب هالدكان ، حكوا انه (قدورة فارس يعكف على تشكيل قائمة لخوض الانتخابات المقبلة) وبدأ متابعوا السوشيال ميديا بالإدلاء بآرائهم .

في كل مرة يُعاد فيها طرح ملف الانتخابات الفلسطينية، يتجدد نقاش واسع يتجاوز مسألة اختيار رئيس أو مجلس تشريعي جديد، ليصل إلى قضايا أكثر عمقًا تتعلق بشرعية النظام السياسي، ومستقبل المشروع الوطني، والعلاقة مع الاحتلال، واتفاق أوسلو، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والانقسام الداخلي. ولهذا نجد أن الفلسطينيين، رغم اتفاقهم على عدالة القضية الوطنية، يختلفون جذريًا في مواقفهم من الانتخابات.
يرى فريق واسع أن الانتخابات تمثل استحقاقًا ديمقراطيًا لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، خاصة بعد مرور ما يقارب عقدين على انتهاء ولاية المؤسسات المنتخبة. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الانتخابات، رغم القيود التي يفرضها الاحتلال، تبقى أفضل من استمرار الجمود السياسي، لأنها تجدد الشرعية، وتعزز المساءلة، وتتيح المجال أمام ظهور قيادات جديدة.
في المقابل، لا يرفض تيار آخر الانتخابات من حيث المبدأ، لكنه يشكك في إمكانية إجرائها أو في نزاهتها، مستندًا إلى تجربة تأجيل انتخابات عام 2021. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن قرار إجراء الانتخابات سياسي أكثر منه قانوني، وأنها قد لا تُعقد إلا إذا كانت نتائجها مضمونة أو قابلة للإدارة، مع وجود مخاوف من التأثير في القوائم أو المرشحين أو مجريات العملية الانتخابية.
أما تيار ثالث، فيرفض انتخابات السلطة الفلسطينية من الأساس، باعتبارها جزءًا من الإطار الذي أنشأه اتفاق أوسلو. ويرى أن المشكلة لا تكمن في الأشخاص، بل في طبيعة السلطة نفسها، وأن إجراء الانتخابات يعني تجديد شرعية إطار سياسي يعتبرونه قد استنفد دوره، ولذلك يدعون إلى تجاوز السلطة بدلًا من إصلاحها.
ويذهب آخرون إلى اعتبار الدعوات لإجراء الانتخابات جزءًا من رؤية دولية، خصوصًا أمريكية وأوروبية، تهدف إلى إعادة إنتاج سلطة مستقرة تدير شؤون الفلسطينيين دون إحداث تغيير حقيقي في الواقع السياسي. ومن ثم، فإن الأولوية من وجهة نظرهم يجب أن تكون لمواجهة الاحتلال وإنهاء الانقسام، لا لإعادة ترتيب مؤسسات السلطة. غير أن هذا الموقف يواجه سؤالًا جوهريًا: إذا رُفضت الانتخابات، فما البديل العملي؟
في المقابل، يطرح تيار أكثر براغماتية رؤية تعتبر أن الانتخابات ليست حلًا سحريًا، لكنها تمثل أداة متاحة لفتح باب التغيير وتجديد الشرعية، وأن غيابها يعني استمرار المؤسسات والقيادات الحالية دون مساءلة شعبية.
بعيدًا عن الجدل حول السلطة، يركز عدد من الأكاديميين والمثقفين على أولوية إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. ويرى هؤلاء أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني بما يضمن تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات، ثم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة، لأن إصلاح المنظمة أكثر أهمية من إصلاح السلطة.
وفي المقابل، يذهب اتجاه أكثر راديكالية إلى أن منظمة التحرير نفسها فقدت شرعيتها نتيجة غياب التجديد المؤسسي لعقود، ويدعو إلى إنشاء إطار وطني جديد، رغم ما يطرحه ذلك من تحديات تتعلق بالحصول على توافق فلسطيني واعتراف سياسي واسع.
ويزداد هذا الجدل تعقيدًا بسبب واقع الاحتلال، إذ يطرح كثيرون سؤالًا أساسيًا: هل يمكن أصلًا إجراء انتخابات حرة في ظل الاحتلال؟ فإسرائيل تستطيع اعتقال المرشحين، ومنع الحملات الانتخابية، وإغلاق المقرات، وتقييد الحركة، والتأثير في العملية الانتخابية، خاصة في القدس، مما يجعل الانتخابات الفلسطينية مختلفة عن أي انتخابات تُجرى في دولة مستقلة.
في النهاية، يبدو أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول الانتخابات نفسها، بل حول سؤال أعمق: ما هو المشروع الوطني الفلسطيني اليوم؟ فالموقف من الانتخابات يرتبط بالإجابة عن سؤالين أساسيين: ما الجهة التي يجب أن تُمنح الشرعية، السلطة أم منظمة التحرير أم إطار وطني جديد؟ وما البديل العملي إذا لم تُجرَ الانتخابات؟
لذلك، فإن فهم المواقف المختلفة يتطلب التمييز بين المواقف المبدئية، كرفض أوسلو أو الدفاع عن الديمقراطية، وبين التقديرات العملية المتعلقة بإمكانية إجراء الانتخابات أو نزاهتها. ومن دون هذا التمييز، سيظل النقاش الفلسطيني يدور في حلقة مفرغة، بينما يبقى جوهر الخلاف مرتبطًا بمستقبل النظام السياسي والمشروع الوطني الفلسطيني، أكثر من ارتباطه بصناديق الاقتراع وحدها.
رايي المتواضع ..أؤمن بأن تجديد الشرعية عبر الانتخابات مبدأ ديمقراطي مهم، وأن استمرار أي مؤسسة أو قيادة لعقود دون تفويض شعبي يضعف الثقة بالنظام السياسي. وفي الوقت نفسه، فإن الانتخابات وحدها لا تكفي إذا لم تكن جزءًا من رؤية أشمل تشمل إنهاء الانقسام، وإصلاح منظمة التحرير، وضمان مشاركة الفلسطينيين قدر الإمكان، ومعالجة القيود التي يفرضها الاحتلال. لذلك أرى أن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، ولا ينبغي رفضها من حيث المبدأ، لكنها أيضًا ليست الحل السحري لكل أزمات النظام السياسي الفلسطيني.