2026-07-11 01:51 ص

الإنتخابات، وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري

2026-07-09

بقلم: د. مروان اميل طوباسي

 مع صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل ، تدخل الحياة السياسية الفلسطينية مرحلة جديدة طال انتظارها . غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا تكمن في موعده أو إجراءاته بقدر ما تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ، وهو ما العلاقة بين هذا الاستحقاق الديمقراطي وبين مهمة إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني؟ وهل يمكن أن تصبح الانتخابات جزءً من هذه العملية ، أم أنها ستبقى مجرد استحقاق دستوري يعيد إنتاج الأزمة في ظروف أكثر تعقيدا ؟

لا خلاف على أن الانتخابات حق ديمقراطي أصيل ، وأن تجديد الشرعيات ضرورة وطنية لا يجوز أن تبقى رهينة التأجيل أو الحسابات السياسية . فلا يمكن بناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات ، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسساته ، من دون العودة إلى إرادة الشعب واحترام حقه في اختيار ممثليه باعتباره مصدر السلطات وصاحب الشرعيات .

لكن التجربة الفلسطينية أكدت أن الانتخابات ، مهما بلغت نزاهتها ، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة سياسية ووطنية بهذا الحجم ، إذا غاب الاتفاق على طبيعة المرحلة ، وأولوياتها ، وقواعد الشراكة الوطنية ، واحترام التعددية السياسية ، والالتزام بنتائج العملية الديمقراطية .

فالانتخابات ليست مشروعا وطنيا بحد ذاتها ، وإنما إحدى أدوات العمل السياسي . أما قيمتها الحقيقية فتقاس بقدرتها على الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي ، وتعزيز وحدة المؤسسات الوطنية ، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسساته ، ووضع المشروع الوطني التحرري مجددا في مركز الفعل السياسي .

وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من محاولات لإعادة تشكيل واقعها السياسي والجغرافي . فاستمرار حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة وتشكيل الإدارات البديلة فيها ، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية بل والتهجير بحق مخيماتنا ، لا يستهدفان الأرض والإنسان فحسب ، بل يهدفان إلى فرض واقع سياسي جديد ، يُختزل فيه الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية تُدار تحت الاحتلال ، بدل الاعتراف به شعبا صاحب حق في الحرية وتقرير المصير والاستقلال الوطني .

وفي المقابل ، يشهد النظام الدولي والإقليم تحولات عميقة ، كشفتها الحرب على غزة وما رافقها من اتساع غير مسبوق في التضامن الشعبي العالمي ، وتزايد الاعترافات بدولة فلسطين رغم رمزية بعضها دون تبعات ، واتساع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية ، إلى جانب التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية . ورغم أن هذه المتغيرات لم تتحول بعد إلى سياسات دولية حاسمة ، فإنها تفتح أمامنا نحن الفلسطينيين فرصا جديدة ، بقدر ما تفرض علينا تحديات جديدة أيضا .

غير أن الرهان لا ينبغي أن يكون على هذه التحولات وحدها ، ولا على انتظار ما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية والدولية ، وإنما على امتلاك رؤية وإرادة وطنية مستقلة ، قادرة على استثمار الفرص ومواجهة المخاطر . فالمتغيرات الخارجية قد تتيح هوامش جديدة للحركة ، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب ضرورات اعادة بناء المشروع الوطني التحرري ، ولا استمرار الانقسام ، ولا ضعف المؤسسات .

ولعل الخطأ الأكبر هو اختزال الانتخابات في كونها وسيلة لتجديد السلطة ، بينما التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ، وتجديد أدواته وآليات عمله وأشكال نضاله ، بما ينسجم مع التحولات التي فرضتها الحرب ، ويعيد الاعتبار لقضيتنا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يسعى إلى الحرية والاستقلال ، لا قضية إدارة سكان تحت الاحتلال .

فالمطلوب اليوم ليس فقط إعادة بناء النظام السياسي ، بل إعادة تعريف العلاقة بين مؤسساته وأهدافه ، بحيث تعود السلطة الوطنية أداة في خدمة المشروع الوطني التحرري ، لا أن يتحول المشروع الوطني إلى أداة في خدمة السلطة .

ومن هذا المنطلق ، فإن التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات ، سواء ما يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو نسبة الحسم أو غيرها ، تستحق نقاشا وطنيا هادئا ومسؤولا واسعا ، ليس من زاوية التأييد أو الرفض المسبق ، وإنما من زاوية أثرها في الحياة السياسية . فالتحدي لا يكمن فقط في توسيع التمثيل ، بل أيضا في الحفاظ على التنافس البرامجي ، وتعزيز دور القوى السياسية والمجتمعية ، والحد من التشظي ، ومن تغليب الاعتبارات المحلية أو الشخصية أو العشائرية أو تأثير المال السياسي على الخيارات الوطنية .

ومن هنا ، فإن الانتخابات ينبغي أن تُدرج ضمن عملية سياسية ووطنية أشمل ، تبدأ بحوار وطني مسؤول ، لا يقوم على المحاصصة أو تقاسم المواقع ، بل على الاتفاق حول طبيعة المرحلة وأولوياتها ، وبرنامج الحد الأدنى الوطني ، وأسس الشراكة الوطنية ، واحترام نتائج الانتخابات ، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا ، والعمل على تطويرها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية كجبهة وطنية عريضة ، بما يضمن مشاركة جميع مكونات شعبنا في الوطن والشتات .

إن الشرعية التي يحتاجها شعبنا اليوم ليست شرعية انتخابية فحسب ، بل شرعية وطنية أيضا ، تُقاس بقدرة المؤسسات المنتخبة على حماية المشروع الوطني التحرري ، وصون وحدة الشعب والأرض والقضية ، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف ، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة .

لقد أصبح الاستحقاق الانتخابي واقعا سياسيا اليوم ، لكن نجاحه لن يتوقف على يوم الاقتراع وحده ، بل على ما يسبقه من قدرة القوى الوطنية والمجتمع المدني والمستقلين الوطنين على استعادة ثقة الناس ، وبناء خطاب سياسي جامع ، وحماية الإرادة الوطنية من المال السياسي ومراكز النفوذ ومن كل أشكال التأثير الخارجي ، وتعزيز الشراكة الوطنية في مواجهة أخطر مشروع يستهدف قضيتنا .

فالانتخابات وان كان يتوجب ان تشمل موقع الرئاسة في ذات الوقت دون تأجيل الى وقت اخر من العام القادم  ، وتضمن مشاركة شعبنا في كل محافظات الوطن بما فيها غزة والقدس ، فهي ليست معركة على السلطة ، بل ينبغي أن تكون جزءً من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ، وتجديد مؤسساتها ، واستعادة المبادرة السياسية ، وتوحيد طاقات شعبنا في مواجهة الاحتلال ومخططاته .

فإذا أحسنا نحن الفلسطينيون توظيف هذا الاستحقاق ، فقد يصبح خطوة مهمة في مسار إعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس الشراكة والديمقراطية والاستقلالية . أما إذا اختُزل في منافسة على السلطة أو في إعادة إنتاج الانقسام ، فسيبقى مجرد محطة أخرى في إدارة الأزمة ، بينما المطلوب هو تجاوزها ، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها المشروع الوطني التحرري ، بكل أبعاده السياسية والديمقراطية والكفاحية ، هو البوصلة التي تهدي العمل الوطني الفلسطيني .
* عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح .