2026-07-09 11:41 م

حين يصبح وجع غزة وقوداً لمعاركنا الصغيرة

2026-07-09

بقلم: ريما كتانا نزال

 حاولت أن أنأى بنفسي عن النقاش الدائر حول المقابلة الأخيرة للدكتور مصطفى البرغوثي، ليس لأنني أرى أن الشخصيات العامة فوق النقد، ولا لأن تصريحاتها لا تستحق النقاش، وإنما لأنني شعرت منذ اللحظة الأولى أن النقاش خرج سريعا من دائرة الموضوعية إلى دائرة أخرى، حيث لم يَعُد الهدف فهم ما قيل أو مناقشته، بل توظيفه في معركة سياسية لا علاقة لغزة بها.

في البيئات المنهكة، يصبح الناس أكثر قابلية للاستقطاب، وتصبح الجراح المفتوحة مادة سهلة للتحريض، وتتحول الكلمات إلى أدوات تعبئة، لا بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن مكاسب سياسية آنية. وهذا ما يقلقني أكثر من العبارة نفسها.
غزة التي دفعت وما تزال تدفع أثماناً لا يحتملها بشر، لا يجوز أن تتحول إلى منصة لتبادل الاتهامات، ولا إلى خزان دائم لاستدعاء المشاعر وتوظيفها في ميادين المنافسة السياسية. فدماء الأطفال الشهداء أكبر من أن تكون مادة في سجال داخلي، وأوجاع الأمهات أقدس من أن تُستخدم لتسجيل النقاط بين المتنافسين، وكأننا نهرِّب القاتل الحقيقي من المشهد.
لقد سمعت هذا المنطق من قبل لا في السجالات الفلسطينية، بل من أصوات كانت تبرر قتل أطفالنا. في أحد المؤتمرات الخارجية قالت لي امرأة إسرائيلية: أنتم تتركون أطفالكم في الشوارع حتى يُقتلوا". فأجبتها يومها: "أطفالنا في شوارعهم وفي مدارسهم وفي أحيائهم، من الذي جاء من آلاف الكيلومترات ليقتلهم؟" لذلك أشعر بالمرارة كلما وجدت خطاباً بقصد أو غير قصد، يبتعد عن السؤال الجوهري: من يقتل الأطفال؟ لأن هذا السؤال الذي يجب ألا يغيب أبداً.

قد نختلف مع الدكتور مصطفى البرغوثي في توصيف أو تعبير أو تقدير- رغم قراءتي المتأنية لما قاله في مقابلته ولم أجد فيها ما يتم تداوله، ومن المؤكد أن من حق أي إنسان أن ينتقده أو يطالبه بالتوضيح، لكن من الظلم أن يُحمَّل كلامه ما لم يقصده، ومن الأخطر أن يُعاد إنتاجه خارج سياقه لتغذية حالة من الكراهية والاستقطاب، وكأن المطلوب ليس تصويب فكرة، وإنما إسقاط شخص.
ما يثير قلقي أكثر أنني أرى في هذه الحملات المبكرة ملامح الاصطفافات التي تسبق أي استحقاق انتخابي. فبدل أن نتنافس على البرامج والرؤى والحلول، نلجأ إلى تعبئة العواطف، واستثمار الألم الجمعي، وتحويل الضحية نفسها إلى طرف في معركة ليست معركتها، فقد دفعت غزة من دم أبنائها ما يكفي. فلا تضيفوا إلى أعبائها عبء الانقسام، ولا تجعلوا شهداءها وقودا لمعارك سياسية داخلية. فالخلاف السياسي حق، أما المتاجرة بالوجع فليست حقًا لأحد.
أخشى أن نكون قد اعتدنا تحويل كل حدث إلى فرصة للانقسام، بدل أن يكون مناسبة للمراجعة. وأن نصبح أسرى ردود الأفعال، لا أسرى الحقيقة. فالمجتمعات التي تعجز عن إيجاد الحلول التوافقية لاختلافاتها، تستهلك نفسها وتستنزفها في المعارك الجانبية، حتى وهي تواجه أخطر أعدائها.
ربما نحتاج اليوم إلى قدر أكبر من المسؤولية، وقدر أقل من الاستثمار في الغضب. لأن الحقيقة لا يصنعها الصراخ، ولأن فلسطين، وغزة في قلبها، تستحق من الجميع خطابا يداوي جراحها، لا خطابا يضيف إليها جراحا جديدة.
وأخيرا، لا أحد يملك حق الحديث باسم أطفال غزة إلا دفاعا عن حقهم في الحياة، ولا أحد يملك حق استدعاء دمائهم إلا لمساءلة من أراقها، أما تحويلهم إلى مادة في خصوماتنا الداخلية، فهو ظلم جديد يلحق بهم بعد استشهادهم.