2026-07-09 11:49 م

هبل واللات والعزى... ما زالوا هنا

2026-07-09

بقلم: يونس العموري

 في آخر الليل، حين تهدأ المدن ويغدو للتاريخ صوت لا يسمعه إلا الذين يجيدون الإنصات، انفرجت طبقات الزمن عن وجوه لم تغادر المشهد قط .. كان كسرى يتكئ على تاج أطفأ الزمن بريقه، وكان قيصر يقلب خرائط إمبراطوريات ظنت يوما أن حدودها آخر الأرض، فيما كانت هبل واللات والعزى تنهض من رمال البيداء، لا كأحجار أعادتها الذاكرة، بل كرموز لم تغادر الحياة أصلا، اكتفت بتبديل أسمائها وهيئاتها كلما تبدل العصر...  فالأصنام لا يخلدها الحجر، وإنما يخلدها الخوف. والإمبراطوريات لا تبقى لأن جيوشها لا تقهر، وإنما لأنها تجد دائما من يؤمن بأنها لا تسقط. وهكذا ظل كسرى وقيصر، وهبل واللات والعزى، يتنقلون بين الأزمنة، مرة في هيئة عرش، ومرة في هيئة راية، ومرة في هيئة فكرة تستوطن العقول حتى تغدو أقوى من السيف...

كان المشهد يعيد نفسه في دورة لا تمل التكرار. القصور تبدلت، والسيوف استبدلت بما هو أمضى منها، والخيول غادرت الميادين، لكن منطق الغلبة لم يتغير. فما زال هناك من يرى أن التاريخ يبدأ من عرشه وينتهي عند حدود سلطانه، وما زال هناك من ينسى أن كل تاج يخفي في أعماقه أول شقوق السقوط...
وعلى امتداد البيداء العربية، لم ترحل هبل واللات والعزى كما زعمت كتب الرواة. خرجت من المعابد لتسكن القصور، وغادرت ساحات الوثن لتتربع في صدر المجالس. تبدلت الطقوس، لكن العبادة بقيت. لم يعد الناس يطوفون حول حجر، بل حول القوة، ويقدمون قرابينهم للخوف، ويستبدلون الكرامة بالمصلحة، حتى غدا الصمت نوعا من الطاعة، وغدت المساومة ضربا من الحكمة...
ولم تكن المناذرة والغساسنة مجرد ذكرى عابرة في بطون الكتب، بل كانت بداية عادة سياسية امتد ظلها عبر القرون. تبدلت أسماء الممالك، وتغيرت العواصم، غير أن الفكرة بقيت كما هي، فريق يفتش عن خلاصه عند كسرى، وفريق يمد بصره إلى قيصر، وبينهما تضيع الأرض والبلاد  ويضيع معها صاحب البلد.. وما أشبه الليلة بالأمس، فما زالت البيداء تنجب المناذرة والغساسنة بأسماء جديدة، وما زالت القبائل تتنازع رضا العروش البعيدة أكثر مما تتنازع كرامتها...  وكأن الجاهلية لم تكن حقبة انتهت، بل حالة تتوارثها الأزمنة. تغيرت الأزياء واللغات وأشكال المدن، لكن العصبية بقيت، والانقسام بقي، والارتهان بقي، وهبل واللات والعزى ما زالوا يتوسطون القصور، يراقبون موائد الساسة، ويبتسمون كلما ارتفع خلاف صغير حتى صار جدارا يفصل الأخ عن أخيه، والمدينة عن المدينة، والمصير عن المصير...
وفي قلب هذا التيه، نهضت على خاصرة المشرق قلعة صغيرة على الارض السمراء في قلب المتوسط ،  لا تستمد هيبتها من اتساعها، بل من اتساع شهوتها. كانت ترى أن حدودها تنتهي حيث يبدأ ضعف الآخرين، وأن الخرائط ليست سوى أوراق مؤقتة، يعاد رسمها كلما تراجعت الإرادات. ولم تكن بحاجة إلى زحف الجيوش، فقد أدركت أن المدن التي تتآكل من داخلها لا تحتاج إلا إلى من ينتظر لحظة انهيارها، وأن الأسوار التي تهدمها الخصومات لا يعجز عن عبورها أحد...
وهكذا أخذت القلعة تمد ظلها على الجهات الأربع، لا لأنها كانت تملك من القوة ما لم يملكه غيرها، بل لأنها أدركت أن الهزائم الكبرى لا تبدأ عند الأسوار، وإنما في العقول. فالأرض التي يختلف أهلها على الطريق، يسهل على الغريب أن يرسم لها طريقه، والمدينة التي تنشغل بعد أبوابها، لا تلتفت إلى اليد التي تعيد رسم حدودها. .. لم تكن تلك القلعة ترفع رايات الفاتحين كما فعلت الإمبراطوريات القديمة، ولم تكن في حاجة إلى مواكب المنتصرين. كانت تكتفي بأن تجعل الآخرين يعتادون حضورها، حتى يصبح وجودها حقيقة لا تناقش، وتصبح مطالبها قوانين غير مكتوبة، ويغدو اعتراض الضعفاء نوعا من العبث. كانت تعرف أن الزمن لا يصنعه السيف وحده، بل تصنعه أيضا إرادة ترتب المشهد كما تشاء، وخصوم يختلفون على تفاصيل الخراب بينما يتسع الخراب نفسه...
وفي الضفة الأخرى، كانت أمة تقف أمام مرآة تتشظى كلما حاولت أن ترى وجهها. تحفظ تاريخها عن ظهر قلب، لكنها تعجز عن استدعاء روحه. تستعيد أسماء الانتصارات، ولا تستعيد أسبابها. تردد أمجاد الأسلاف، بينما تتنازعها أسئلة الحاضر، حتى بدا الماضي ملاذا للهاربين، لا منارة للسائرين...
ولم يكن التيه وليد هذه اللحظة. فمنذ أن وقفت المناذرة على أبواب كسرى، ووقف الغساسنة على أبواب قيصر، بدأت الحكاية تتشكل ببطء. لم تكن المأساة في اختلاف الولاءات وحده، بل في أن الأرض التي جمعتهم جميعا تحولت إلى ساحة ينتصر فيها الآخرون، بينما يكتفي أبناؤها بتبديل مواقعهم بين المعسكرات. تعاقبت القرون، وسقطت الإمبراطوريات، لكن الفكرة بقيت تتنقل من جيل إلى جيل، حتى صار الارتهان ثقافة، والانقسام ميراثا، والاختلاف على الراعي بديلا عن البحث عن الوطن.
وهناك، في صدر القصور، كانت هبل واللات والعزى أكثر طمأنينة من أي وقت مضى. لم يعد أحد ينحت لها تماثيل، فقد أصبحت التماثيل تمشي على قدمين. لم يعد أحد يشعل لها البخور، فقد تكفلت المصالح بإيقاد المباخر. ولم يعد أحد يعلن عبادتها، لأن العبادة الجديدة لا تحتاج إلى اعتراف. يكفي أن يصبح الخوف مرجعا، وأن تتحول القوة إلى معيار للحق، وأن يغدو الصمت فضيلة، حتى تستعيد الأصنام سلطانها، وإن اختفت أسماؤها من الألسنة.
وكسرى وقيصر، فلم يعودا اسمين في سجل التاريخ، بل صورتين تتكرران كلما ظنت قوة أن الأرض خُلقت لتكون امتدادا لظلها، وكلما أقنع الضعف نفسه بأن النجاة لا تكون إلا عند أبواب الأقوياء. ولذلك لم يكن التاريخ يعيد الأشخاص، بل كان يعيد القوانين نفسها، في وجوه جديدة، ولغات جديدة، وأعلام جديدة.
وحين بلغت الأمة هذا المنعطف، لم تعد الشاة تخشى السكين كما كانت من قبل. لقد ألفت لمعان النصل، واعتادت صوته، حتى صارت تفاوضه على عمق الجرح، لا على حقها في النجاة. وذلك هو أخطر ما تصنعه الهزائم المتراكمة، فهي لا تنتزع الأرض وحدها، بل تنتزع من النفوس قدرتها على تصور الانتصار، وتجعل القيد يبدو قدرا، والانحناء يبدو حكمة، والاعتياد يبدو سلاما.
ومع ذلك، ظل التاريخ، ذلك القاضي الذي لا ينام، يراقب المشهد بصبر القرون. كان قد رأى كسرى وهو يظن أن المدائن آخر حدود المجد، ثم رآه أثرا بعد عين. ورأى قيصر يملأ الدنيا صخبا، ثم لم يبق منه سوى صدى في كتب المؤرخين. ورأى هبل واللات والعزى يتساقطون من فوق منصاتهم كلما استيقظ وعي الإنسان، ثم يعودون في أثواب أخرى كلما عاد الخوف إلى احتلال القلوب. وكان يدرك أن ما يتكرر ليس أسماء الملوك، بل قابلية البشر لصناعة أوثانهم بأيديهم، ثم منحها سلطانا على مصائرهم.
ولم يكن الزمن، في كل ما مضى، سوى شاهد صامت على أمة أضاعت البوصلة وهي تظن أنها ما زالت تحفظ الطريق. كانت المدن تكبر، والقصور تعلو، والخطب تطول، غير أن المسافة بينها وبين ذاتها كانت تزداد اتساعا. وكلما اشتد الخلاف على حدود صغيرة، اتسعت في المقابل حدود القلعة التي لم تتوقف يوما عن إعادة رسم خرائطها، وكأنها لم تكن تنتصر بقوتها وحدها، بل بما يتساقط من حولها من إرادات.
ولم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل على الذاكرة أيضا. فالأرض التي تفقد ذاكرتها، يسهل على الغرباء أن يكتبوا لها تاريخا آخر، وأن يقنعوا أبناءها بأن ما كان حقا صار وهما، وأن ما كان وهما صار حقا. وهكذا أخذت الحكايات القديمة تعاد كتابتها، لا بالحبر، بل بموازين القوة، حتى غدا صاحب الدار مطالبا بأن يبرهن على أحقيته بداره، بينما يقف القادم من وراء الأسوار في هيئة القاضي، لا في هيئة الخصم.
والبيداء تراقب كل ذلك بصمتها القديم. فقد رأت قبل قرون قوافل المناذرة تعود من المدائن محملة برضا كسرى، ورأت الغساسنة يفاخرون بقربهم من قيصر، ثم رأت الجميع يرحلون، وتبقى الرمال وحدها تحفظ آثار الخطى. ولم يكن الفرق بين الأمس واليوم إلا أن الأسماء تبدلت، أما المشهد فبقي على حاله، الولاء يهاجر إلى الخارج، والخصومة تستقر في الداخل، والأرض تدفع وحدها ثمن الاثنين.
وفي صدر القصور، ما زالت هبل واللات والعزى تتربع في صمت الواثق. لم يعد أحد ينحت لها تماثيل، لأن الحاجة إلى الحجر انتهت منذ زمن. صار لها منابر تتحدث بلسانها، وأقلام تبرر أفعالها، ومجالس تتخذ باسمها قرارات لا يجرؤ أحد على تسميتها. وإذا كان الوثن القديم يطلب من الناس أن ينحنوا أمامه، فإن الوثن الجديد يكتفي بأن يجعلهم يعتادون الانحناء، حتى يغدو الوقوف فعلا غريبا، ويصبح رفع الرأس خروجا على المألوف...
وهكذا لم يعد كسرى محتاجا إلى المدائن، ولا قيصر إلى روما، ولا هبل إلى الكعبة، ولا اللات إلى الطائف، ولا العزى إلى وادي نخلة. لقد وجدت هذه الرموز أوطانا جديدة في العقول التي استسلمت، وفي النفوس التي ألفت الهزيمة، وفي السياسة التي استبدلت الكرامة بالحسابات، والحق بالموازين، والموقف بالانتظار.
ولذلك لم تكن الجاهلية زمنا انقضى، بل حالة تتجدد كلما غلبت العصبية على الحكمة، وكلما أصبح القريب خصما، والبعيد وليا، وكلما انشغل أهل الدار بتعداد خلافاتهم، تاركين مفاتيح الدار على الطاولة. فالجاهلية ليست اسما لعصر، وإنما اسم للحظة يفقد فيها الإنسان بوصلته، ويمنح غيره حق تحديد اتجاهه.
ومن بين كل الصور التي احتفظ بها التاريخ، بقيت صورة واحدة أكثر إيلاما من غيرها، شاة وقفت طويلا أمام السكين، حتى ألفت لمعانها. لم تعد تفكر في كسر النصل، ولا في الهرب من المذبح، بل أخذت تفاوض الجزار على موضع الذبح، وكأن أقصى ما يمكن أن تطمح إليه هو أن يكون الألم أقل قسوة. وما أقسى أن تبلغ الأمم هذه المنزلة، حين يصبح التفاوض على مقدار الخسارة بديلا عن الدفاع عن أصل الحق...
لكن التاريخ، على امتداد عصوره، لم يمنح الخلود لعرش، ولم يكتب الأبدية لإمبراطورية، ولم يحفظ اسما لأنه امتلك القوة. لقد مر كسرى من هنا، ثم مضى. وعبر قيصر هذه الأرض، ثم غاب. وسقطت هبل واللات والعزى يوم تبدل وعي الناس، قبل أن تعود في صور أخرى، ثم تنتظر مرة أخرى وعيا جديدا يطيح بها. فسنن التاريخ لا تتغير، وإنما يتغير الذين يقرأونها أو يغفلون عنها.

وتبقى البيداء، بكل ما اختزنته من هزائم وانتصارات، شاهدة على أن الأرض لا تخون أصحابها، وإنما يخونها أصحابها حين ينسون أن التاريخ لا يحرس الغافلين، ولا يرحم الذين يكررون أخطاءهم وهم يظنون أنهم يصنعون واقعا جديدا. فكل من وقف على هذه الرمال، من كسرى إلى قيصر، ومن المناذرة إلى الغساسنة، ومن هبل واللات والعزى إلى كل وثن جديد، ظن أن الحكاية انتهت عنده، ثم اكتشف، متأخرا، أنه لم يكن سوى سطر عابر في كتاب لا يكتب صفحته الأخيرة أحد...
ويبقى السؤال معلقا فوق هذه البيداء، كما ظل معلقا منذ أول قافلة عبرتها .. هل تتغير الأسماء وحدها، أم يأتي يوم تتغير فيه السنن أيضا ..؟ وهل تستعيد هذه الأرض ذاكرتها، فتغادر التيه الذي طال، أم تظل تدور في الحلقة نفسها، يتبدل فيها كسرى بقيصر، وقيصر بكسرى، ويتوارث هبل واللات والعزى القصور، بينما يكتفي أصحاب الأرض بعدّ الخسائر وانتظار فصل جديد من الحكاية ..؟
إنه السؤال الذي يتركه التاريخ مفتوحا، لأن الإجابة لم تكن يوما في دفاتر الملوك، ولا في خرائط الإمبراطوريات، بل في وعي الشعوب حين تقرر أن تكسر الدائرة التي ظلت تدور فيها قرونا طويلة...