2026-07-11 12:11 ص

العراق بين ضبط السّلاح والضَّغوط الأميركيَّة 

2026-07-09

يشهد العراق مرحلة حساسة مع تصاعد الضَّغوط الأميركيَّة لضبط السّلاح وحصره بيد الدَّولة، وسط مخاوف من تمدد نفوذ الفصائل المسلحة إقليميَّاً، وتحديات داخليَّة تشمل الصّراع السّياسي والأزمات الاقتصاديَّة، ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب لإعادة الاستقرار.

ويشهد العراق مرحلة سياسيَّة وأمنيَّة حساسة منذ تولّي رئيس الوزراء علي الزَّيدي رئاسة الحكومة، حيث وضعت الإدارة الجديدة ملف ضبط السّلاح وحصره بيد الدَّولة في مقدمة أولوياتها، في ظلّ ضغوط أميركيَّة متزايدة لدفع بغداد نحو إنهاء ظاهرة السّلاح المنفلت الّتي تشكّل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الدَّاخلي.

وتؤكد واشنطن أنَّ استمرار انتشار السّلاح خارج إطار الدَّولة يعرقل جهود بناء مؤسّسات أمنيَّة قادرة على مواجهة التَّحديات، خصوصاً أنَّ معظم الفصائل المسلحة في العراق تُعدُّ موالية لإيران، ما يجعل هذا الملف جزءاً من صراع النَّفوذ بين واشنطن وطهران داخل السَّاحة العراقيَّة.

وقد انعكس هذا الاهتمام الأميركي في تعيين توم باراك لمتابعة الجهود المتعلقة بتنظيم السّلاح، في خطوة تشير إلى رغبة واشنطن في مراقبة هذا الملف عن قرب.

هواجس أميركيَّة من امتداد النَّفوذ الإقليمي

لا يقتصر القلق الأميركي على الدَّاخل العراقي فحسب، بل يمتدُّ إلى السَّاحة الإقليميَّة، حيث تخشى واشنطن من أنْ يؤدي إسناد الملف اللّبناني إلى سوريا إلى فتح الباب أمام تحركات الفصائل العراقيَّة داخل الأراضي السُّوريَّة.

وترى الإدارة الأميركيَّة أنْ أيّ تحرك من هذا النَّوع قد يفتح جبهات جديدة تُضعف سوريا وتُربك التَّوازنات الإقليميَّة، بما ينعكس سلباً على مشاريعها السّياسية والأمنيَّة في المنطقة، وعلى أمن إسرائيل بشكل خاص.

وتعتقد واشنطن أنْ أي توسع للفصائل العراقيَّة في سوريا قد يخلق واقعاً أمنياً جديداً، يتيح لطهران تعزيز نفوذها عبر خطوط إمداد تمتدُّ من العراق إلى سوريا وصولاً إلى لبنان، وهو ما تعتبره الولايات المتّحدة تهديداً مباشراً لاستراتيجيّتها في الشَّرق الأوسط.

تحديات داخليَّة متشابكة

في المقابل، تواجه حكومة الزَّيدي تحديات داخليَّة معقدة، أبرزها الصّراع السّياسي بين القوى المتنافسة، والأزمات الاقتصاديَّة المتصاعدة، إضافة إلى حملة مكافحة الفساد الّتي فتحت ملفات حساسة داخل مؤسّسات الدَّولة.

ويأتي ملف ضبط السّلاح في قلب هذه التَّحديات، باعتباره اختباراً لقدرة الحكومة على فرض هيبة الدَّولة وإعادة بناء الثَّقة بين المواطن والمؤسّسات الأمنيَّة.

ويرى مراقبون أنَّ نجاح الحكومة في هذا الملف سيحدد شكل المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب انتهاء مهمّة التَّحالف الدَّولي لمحاربة تنظيم داعش، وما يترتب على ذلك من انتقال كامل المسؤوليَّات الأمنيَّة إلى القوات العراقيَّة.

فيما يرى محلّلون سياسيّون أنَّ العراق يقف أمام إعادة تشكيل واسعة في توازنات السُّلطة، حيث تحاول الحكومة الحالية استثمار الدَّعم الأميركي لإعادة بناء مؤسّسات الدَّولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة.

ويعتقد هؤلاء أنَّ واشنطن تسعى إلى خلق بيئة سياسيَّة جديدة تُضعف التَّأثير الإيراني، وتمنح بغداد هامشاً أكبر للتَّحرك المستقل، لكنَّهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أنَّ هذا المسار محفوف بتحديات داخليَّة قد تعرقل جهود الإصلاح إذا لم تُدار بحذر.

ويؤكّد المراقبون أنَّ ملف السّلاح ليس مجرد قضيَّة أمنيَّة، بل هو بوابة لإعادة رسم المشهد السّياسي العراقي، وأنَّ أيّ تقدُّم فيه سيؤثر مباشرة على شكل التَّحالفات الدَّاخليَّة ومستقبل الحكومة.

وينظر خبراء الأمن إلى الملف من زاوية أكثر حساسية، إذ يرون أنَّ ضبط السّلاح يمثل شرطاً أساسيَّاً لنجاح المرحلة المقبلة، خاصة مع انتهاء مهمة التَّحالف الدَّولي واقتراب انتقال المسؤوليَّات الأمنيَّة بالكامل إلى القوات العراقيَّة.

ويحذّر هؤلاء من أنَّ أيّ خلل في إدارة هذا الملف قد يفتح الباب أمام تصاعد نشاط داعش في المناطق الصَّحراويَّة، أو أمام صدامات داخليَّة بين الفصائل والقوات الحكوميَّة.

كما يبدي المراقبون الأمنيون قلقاً من البعد الإقليمي للملف، معتبرين أن أي تحرك للفصائل العراقية داخل سوريا قد يخلق فراغاً أمنياً داخل العراق نفسه، ويزيد من الضغط على القوات الحكومية في وقت تحتاج فيه إلى تثبيت الاستقرار الداخلي قبل مواجهة تحديات خارجية.

ويقف العراق اليوم أمام مفترق طرق، بين ضغوط أميركية لإعادة هيكلة المشهد الأمني، ورغبة حكومية في فرض سيادة الدولة، وبين نفوذ فصائل مسلحة ترتبط بإيران وتملك حضوراً واسعاً في الساحة السياسية والعسكرية.

وفي ظل هذا التعقيد، يبقى السؤال الأبرز.. هل يستطيع العراق إدارة هذه الملفات المتشابكة دون الانزلاق إلى صدامات داخلية أو توترات إقليمية جديدة؟