2026-09-13 11:05 م

تعيينات استباقية قبل الانتخابات التشريعية-هندسة المجلس الوطني الفلسطيني والاقصاء بدل الشراكة

2026-09-13

بينما تدور النقاشات حول التحالفات السياسية للفصائل لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي حُدِّد موعدها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تُهندس القيادة الفلسطينية المجلس الوطني الفلسطيني إما عبر تعيين غالبية أعضائه، أو بالتوافق مع بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على ما تبقّى من المجلس. ولعل المفارقة أن عدداً من فصائل منظمة التحرير التي لم تحسم خريطة تحالفاتها بعد حول انتخابات المجلس التشريعي أصدر بعضها بيانات تنتقد آلية التعيين في المجلس الوطني، رغم أنها تشارك في اللجان التحضيرية للمجلس الوطني.
وبدأت عملية اختيار أعضاء المجلس الوطني من لبنان في 28 أغسطس/آب الماضي، واستمرت في الكويت والبحرين وقطر، وحالياً في أوروبا وبقية العالم، في ظل إصرار القيادة الفلسطينية على إقصاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي من المشاركة.

وتؤكد مصادر متطابقة لـ"العربي الجديد" أن نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ كان قد أكد أكثر من مرة، في اجتماع مع الفصائل في رام الله، رفض القيادة مشاركة "حماس" تحديداً في المجلس الوطني في الشتات.
وكانت اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني قد أكدت، في اجتماعها الأول في 7 أغسطس 2025، "إبقاء باب الانضمام إلى اللجنة مفتوحاً لفصائل منظمة التحرير التي لم تنضم إليها حتى الآن".

وأصدر الرئيس محمود عباس، في 19 يوليو/تموز 2025، قراراً على أساس قرار اللجنة التنفيذية إجراء الانتخابات، تضمّن شروط العضوية، ومفاده "التزام العضو ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبالتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية"، حسب ما نشرت وكالة الأنباء الرسمية "وفا" في حينه. ونصّ القرار على تشكيل اللجنة التنفيذية للمنظمة لجنة تحضيرية تختص باتخاذ الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات، وتكون برئاسة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، ومشاركة مكتب رئاسة المجلس، وأعضاء من اللجنة التنفيذية، وممثلين عن الفصائل الوطنية الفلسطينية، وعدد من المنظمات الشعبية والمجتمع المدني، ومن الجاليات الفلسطينية في الخارج.

وعقدت اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، في 7 أغسطس 2025، اجتماعها الأول في مقر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة رام الله، برئاسة رئيس المجلس الوطني روحي فتوح ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، ولم تنشر من هم أعضاء هذه اللجنة.

تعيينات وليس انتخابات
ويقول منسق "المؤتمر الشعبي الفلسطيني 14 مليون" عمر عساف لـ"العربي الجديد": "ما يجري هو تعيينات وليس انتخابات كما تدعي القيادة الفلسطينية". ويؤكد عساف أن "هذه التعيينات لا تجري ضمن أي توافقات وطنية، ولا يحق حتى لإجمالي القوى الوطنية أن تقرر نيابة عن الشعب، وأن تصادر حقوق المواطنين". ويرى عساف أن "مسيرة منظمة التحرير عبر 62 عاماً من مصادرة حق الناس باختيار ممثليهم مستمرة، وبدل أن تتم العودة إلى الشعب لإرجاع حقه المصادر، هناك إصرار على المضي في مصادرة الحق عبر التعيين". ويضيف: "ما يجري هو استمرار محمود عباس وفريقه باغتصاب حق الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم ومنظمة التحرير والسلطة". ويتساءل: "ما الحق أو الصفة التمثيلية التي يملكها كل من أحمد عساف، المشرف على الإعلام الرسمي، وياسر عباس، ابن الرئيس وعضو مركزية فتح، بأن يتجولا في العالم ويقوما بتعيين أعضاء المجلس الوطني؟ أحمد عساف وياسر عباس لا علاقة لهما بمنظمة التحرير، ولم يكونا يوماً عضوين في المجلس الوطني، وبالتالي، كيف توكل لهما مهمة الإشراف على تعيين أعضاء المجلس الوطني؟".

ويقول عساف: "نحن على تواصل مع الجالية الفلسطينية في كل مكان، وعلمنا كيف تم طرد أحد أعضاء اللجنة التنفيذية من السويد قبل عشرة أيام، وقال له أفراد الجالية إن هناك إمكانية لعقد انتخابات في السويد، وبالتالي ما الحاجة إلى التعيين؟". ويتابع: "الأمر نفسه في أميركا اللاتينية، حيث أكد الفلسطينيون هناك أنهم قادرون على انتخاب ممثليهم"، مضيفاً: "إذاً، لماذا تصر القيادة على التعيين الذي يتعارض مع الإرادة الشعبية؟ هذا يعود لسبب واحد وهو أنهم يشعرون أن الشعب يلفظهم، وأنهم يمثلون أقل من 10% في استطلاعات الرأي العامة، لذلك التعيين ينقذهم، وهو الطريقة الوحيدة للاستمرار في اغتصاب السلطة، وللأسف، هذا يُفقد المنظمة ما تبقّى من شرعيتها المتآكلة".

ويكشف عساف أنه "يجرى الآن توقيع عريضة شعبية رفضاً لهذا التعيين من فصائل منظمة التحرير، وبعضهم متهمون بأنهم شركاء في هذه المجزرة، لأن جزءاً منهم موجود في رئاسة المجلس الوطني، وآخر يشارك في اللجان المعينة للإشراف على التعيين، وهم متهمون بأنهم منتفعون وشركاء في البحث عن الحصص في المجلس الوطني". ويضيف: "هناك عريضة شعبية ستطرح للتوقيع من فعاليات ومؤسسات في الداخل وفي الخارج ضد التعيين الذي جرى في قطر والكويت والبحرين، وضد محاولات تمريره في أماكن أخرى".

وأكد النظام الانتخابي للمجلس الوطني 2026، الذي صادق عليه عباس في يونيو/حزيران الماضي، عدم جواز المساس بعدد المقاعد المخصصة لتمثيل دوائر الشتات وهي 150 مقعداً، وفي الحالات التي يتعذّر فيها إجراء الانتخابات في أي من مناطق الشتات، يتم اختيار الأعضاء من خلال المجمّع الانتخابي أو التوافق الذي يضم مكونات الساحة الفلسطينية في تلك المنطقة، أو عبر التوافق والتعيين وفقاً لأحكام النظام.

وأعلنت سبعة فصائل فلسطينية، في بيان لها في 9 سبتمبر/أيلول الحالي، متابعتها بـ"قلق بالغ الإجراءات الجارية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وما رافقها من ممارسات تتناقض مع أسس الشراكة الوطنية والديمقراطية"، مشيرة إلى ما جرى "في عدد من الدول العربية من تعيين أعضاء في المجلس عبر مجمّعات انتخابية لا يعبّر عن عموم أبناء شعبنا الفلسطيني، ولا يضمن التمثيل الحقيقي للكل الفلسطيني". ووقّع على البيان كل من: حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، ولجان المقاومة في فلسطين.
وجددت الفصائل والقوى رفضها "الممارسات التي تكرّس التعيين بدل الانتخاب، والإقصاء بدل الشراكة، والتفرد بدل التوافق الوطني"، ورأت فيها "محاولة لتطويع المجلس الوطني الفلسطيني وتعليب تركيبته بما يتيح لفريق متنفذ في السلطة الفلسطينية التحكم في مخرجاته، وسلب أبناء الشعب الفلسطيني في الخارج حقهم الأصيل في اختيار ممثليهم بحرية ونزاهة وشفافية وديمقراطية".

ويقول الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري لـ"العربي الجديد": "ما يجري من تعيينات في المجلس الوطني يعكس خوف القيادة الفلسطينية من نتائج الانتخابات التشريعية إن جرت، لذلك تقوم بخطوات لهندسة المجلس الوطني". ويضيف: "البيانات الرافضة التعيينَ من الفصائل لا تشكل ضغطاً قوياً، وإذا لم تحدث ضجة كبيرة توقف ما يجري، فإن القيادة ستستمر في التعيين".

ويوضح المصري أن "تعيين أعضاء المجلس الوطني يهدف إلى تشكيل مجلس وطني جديد على مقاس القيادة وبلون واحد، مع بعض الاختلافات البسيطة لإعطائه صبغة توافقية، لأن هناك بعض الفصائل، مثل الجبهة الديمقراطية وفصائل أخرى صغيرة في المنظمة، شاركت في اللجان التحضيرية التي تقوم بهذه المسرحية". ويتابع: "لا أفهم كيف تشارك الجبهة الديمقراطية، على سبيل المثال، وغيرها، في اللجان التحضيرية التي تقوم بالتعيين، وفي الوقت نفسه تقوم بإصدار بيانات ضد التعيين، كيف يمكن أن يجمعوا بين الموقفين معاً؟".

يُذكر أن القيادي في الجبهة الديمقراطية رمزي رباح يوجد حالياً في ألمانيا، ويشارك في الاجتماعات الجارية حول عضوية المجلس الوطني. والأمر لا يتعلق بالجبهة الديمقراطية فقط، بل إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي وقّعت البيان أعلاه تشارك أيضاً في التجمّعات الانتخابية.

وتقول نائبة الأمين العام للجبهة الديمقراطية ماجدة المصري في حديث مع "العربي الجديد": "نحن ضد التعيين، وهذا موقف معلن من الجبهة، بما فيه في بيانات مشتركة مع عدد من الفصائل منها مع حركة حماس، ونحن موقفنا الأساس الدعوة إلى الحوار الوطني الشامل للتوافق على مجمل العملية الانتخابية وآلية إجرائها، سواء للمجلس التشريعي أو للمجلس الوطني، الذي تم التوافق سابقاً أن يجرى بالانتخاب حيثما أمكن، والتوافق حيث لا يمكن، لذلك نحن مع التوافق، ولسنا مع صيغة التعيين، وبالتأكيد هذا يتطلب حواراً وطنياً شاملاً". ورداً على سؤال حول لماذا لم توقّع الجبهة الديمقراطية على بيان التاسع من سبتمبر الحالي الذي أصدرته الفصائل السبع، تجيب المصري: "نحن مع مضمون البيان وبنوده جميعها، لكن الجبهة الديمقراطية ترفض أي صيغة أو إشارة من شأنها المساس بشرعية منظمة التحرير". وتضيف: "نحن ضد التعيين والصيغة التي جرت في الكويت والبحرين وقطر".

لكنّ مصدراً في اللجان التحضيرية من فصائل منظمة التحرير يقول في حديث مع "العربي الجديد" إن "الجبهة الديمقراطية ضد وجود أعضاء في المجلس الوطني في الكويت والبحرين وقطر وتركيا لأنها غير موجودة في هذه الدول، وهي مع المجلس الوطني في الدول التي يوجد فيها نشطاء للجبهة الديمقراطية مثل لبنان وسورية والسويد وألمانيا مثلاً".

موقف الفلسطينيين في أميركا اللاتينية
ويقول يعقوب سلوم، العضو السابق في "الكوبلاك"، لـ"العربي الجديد": "كنت عضواً في اتحاد الفيدراليات الفلسطينية في أميركا اللاتينية والكاريبي (الكوبلاك)، عن الفلسطينيين في نيكاراغوا، والكوبلاك يتبع منظمة التحرير، وأعضاؤه هم أعضاء في المجلس الوطني حسب منظمة التحرير، وكانت هناك انتخابات في 2017 ومدتها أربع سنوات، وكان يجب أن تكون هناك انتخابات عام 2021، لكنها لم تحصل، فقدمت استقالتي". ويتساءل سلوم: "بما أن الكوبلاك لم يعقد أي انتخابات منذ عام 2021، فهل سيكون أعضاء الكوبلاك المنتهية مدتهم هم أعضاء المجلس الوطني لعام 2026؟ أي من دون انتخابات أو توافق".

بدوره، يقول عضو المجلس الوطني من السلفادور سمعان خوري لـ"العربي الجديد": "أنا عضو المجلس الوطني الوحيد في السلفادور وأميركا الوسطى، وليست لدي أي فكرة عما يجري حالياً حول انتخابات مجلس وطني جديد، ولم يتواصل معي أحد من المجلس الوطني أو السفارة الفلسطينية في السلفادور". ويوضح: "أنا وأربعة زملاء آخرين عُرض علينا أن نكون أعضاء في المجلس الوطني منذ شهر إبريل/نيسان الماضي، ولكننا رفضنا الأمر من حيث المبدأ لأنه مرتّب مسبقاً، وثانياً بسبب الشروط السياسية التي وضعها الرئيس محمود عباس والتي تخالف الثوابت الوطنية".

ويقول خوري: "لدينا أسماء من جرى تعيينهم في أميركا اللاتينية بشكل مسبق من شهر إبريل الماضي، حتى قبل أن يحدث ذلك علناً وقبل أي اجتماعات رسمية"، مشيراً إلى أن "أي نتائج تفرزها هذه المهزلة والانتخابات غير الوطنية لا تمثلنا بصفتنا فلسطينيين في السلفادور، والذين يتجاوز عددنا 150 ألف فلسطيني". ويضيف: "كان يجب أن يكون هناك حد أدنى من احترام الإنسان الفلسطيني وترك الجاليات في أميركا اللاتينية تقوم بانتخابات حقيقية للمجلس الوطني من دون إملاءات وتعيينات مسبقة من رام الله".

ويعتبر خوري أن "القيادة الفلسطينية اخترعت مصطلحات غريبة مثل التجمّعات الانتخابية، وترفض الانتخابات كما حدث في السويد، حيث جرت المطالبة بانتخابات لأعضاء المجلس الوطني، لكن قيادة منظمة التحرير رفضت الانتخابات". ويتابع: "ما يُصرف من مال على هذه المهزلة حول تعيين أعضاء المجلس الوطني في الشتات يجب أن يُصرف على المعلمين أو العائلات المحاصرة والمتضررة من المستوطنين في القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، لأننا نعلم أن السلطة لن تقدّم المساعدات لأهالي قطاع غزة".

وطالب اتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا والاتحاد الفلسطيني في أميركا اللاتينية (أوبال)، في بيان مشترك صدر في 10 سبتمبر الحالي، "بوقف فوري لأي ترتيبات تقوم على التعيين في عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني"، مؤكدين أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشاملة هي الطريق الوحيد لتجديد شرعية المجلس وضمان مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات في اختيار ممثليهم. وحذر الاتحادان من اختزال تمثيل فلسطينيي الشتات في حصص أو تعيينات لا تستند إلى تفويض حقيقي من الجاليات والمؤسسات التي يُفترض تمثيلها.

العربي الجديد