بإصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مرسوماً رئاسياً يحدد فيه يوم 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية من دون الرئاسية، يكون قد هرب للأمام وتخلص مؤقتاً من الضغوط الدولية والعربية المطالبة بإجراء الانتخابات. رغم ذلك، وعد الرئيس الفلسطيني نفسه بأنه سيجري تحديد موعد الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق، وبإجرائها خلال الربع الأول من العام المقبل.
وأجريت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، تبعها تعطيل عمل المجلس بعد الانقسام الفلسطيني في عام 2007 وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، قبل أن يصدر عباس قراراً بحل المجلس التشريعي عام 2018. كذلك، أُلغيت انتخابات تشريعية ورئاسية كانت مقررة عام 2021 بقرار من عباس، الذي عزا ذلك حينها إلى عدم حصول موافقة إسرائيلية تضمن مشاركة الفلسطينيين في شرقي القدس المحتلة، فيما كانت آخر انتخابات رئاسية شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2005، أفضت لانتخاب عباس رئيساً.
ويرى سياسيون ومحللون، في أحاديث مع "العربي الجديد"، أن عباس الذي يتولى رئاسة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 2005، تخلص مؤقتاً بتحديد موعد الانتخابات التشريعية من الضغط الدولي والإقليمي الذي يمارس عليه لعقد الانتخابات الرئاسية، وتغيير القيادة الفلسطينية عبر الانتخابات. ويعد عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية أمراً بالغ التعقيد، سواء على الصعيد الفلسطيني بسبب غياب أي حوار أو توافق بين الفصائل الفلسطينية، أو على صعيد موافقة الاحتلال على عقدها في القدس كما جرى عام 2021، أو حتى بالنسبة لعقدها في قطاع غزة المدّمر، والذي بات تحت وصاية مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تريث قبل الانتخابات الرئاسية
وتفيد الحوارات في كواليس حركة فتح التي أعادت انتخاب عباس رئيساً لها في مؤتمرها الثاني خلال مايو/ أيار الماضي، أن الرئيس الفلسطيني سينتظر ليرى إن كانت الانتخابات التشريعية ستعقد أصلاً في ظل كل المعوقات السابقة أم لا. وتشير كذلك إلى أنه في حال عقدت الانتخابات التشريعية الفلسطينية سيكون لدى عباس وقت كافٍ ليهندس الانتخابات الرئاسية، والتي تواجه عقبات كبيرة، أهمها قرار القيادي في "فتح" الأسير مروان البرغوثي، بترشيح نفسه للرئاسة. يعني ذلك أن الحركة ستشهد مزيداً من الزلازل الداخلية، ولا سيما أن هناك أحاديث عن أن ياسر محمود عباس، ابن الرئيس الفلسطيني الذي فاز بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح في مؤتمرها الأخير، ربما لن يكتفي بمنصب في اللجنة، ولديه طموحات سياسية أكبر تصل للرئاسة، إذا ظلّت طريقه مفتوحة كما كانت في المؤتمر الثامن للحركة.
ونص المرسوم الرئاسي، أمس الخميس، على "دعوة الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للمشاركة في انتخابات تشريعية حرة ومباشرة لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني في التاريخ المحدد وفق المرسوم الرئاسي (28 نوفمبر 2026)"، وأضاف أنه "سيجري تحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في الربع الأول من العام المقبل وفقاً للقانون".
وعن سبب عدم تعيين عباس موعداً للانتخابات الرئاسية، قال الكاتب والمحلل هاني المصري، لـ"العربي الجديد": "أولاً لأنه مطلوب دولياً وعربياً ألّا يرشح محمود عباس نفسه، وثانياً أن القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي يريد أن يترشح للرئاسة". أما ثالثاً، وفق المصري، فإنه "لم يجرِ التوافق فتحاوياً على المرشح الرسمي لحركة فتح"، متسائلاً في الوقت نفسه بالقول إنه "في حال رشّحت الحركة البرغوثي هل ستوافق إسرائيل أم لا؟"، ولفت المصري إلى أن "هناك أيضاً شكا بأنه جرى تأجيل إعلان الانتخابات الرئاسية لفحص إمكانية ترشح ابن الرئيس (ياسر) للرئاسة"، معتبراً أن "هذا الأمر بحاجة لوقت لاستكمال التحضيرات".
وتساءل المصري أيضاً أنه "إذا جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية، هل ستسمح إسرائيل بانتخابات في قطاع غزة؟ خصوصاً أن هناك مجلس سلام هو صاحب الولاية في القطاع،"، وبالتالي رأى أن "عقد الانتخابات غير محسوم حتى الآن، رغم المرسوم الرئاسي". وفي رأيه، فإن "إسرائيل يمكن أن تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية إذا حققت هذه الانتخابات إعادة تشكيل الوضع الفلسطيني (شعباً ومنظومة سياسية) كما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل". وأكد أن "الانتخابات ليست الحل ولا المدخل إلى الحل، بل يمكن أن تصبح جزءاً منه إذا سبقتها عملية سياسية ووطنية أعمق". تبدأ هذه العملية، بحسب المصري، بـ"حوار وطني مختلف عن التجارب والحوارات السابقة، يركز على الاتفاق وعلى رؤية وطنية جامعة تحدد طبيعة المرحلة والأهداف الوطنية والمبادئ والقيم الحاكمة وأشكال النضال المناسبة وأسس الشراكة الوطنية بعيداً عن المحاصصة الفصائلية، والاتفاق على برنامج الحد الأدنى الوطني القابل للتحقيق، والذي لا يمس الهدف النهائي والحقوق الأساسية".
تساؤلات حول الانتخابات التشريعية الفلسطينية
بدوره، اعتبر الكاتب الفلسطيني والمحلل السياسي جهاد حرب، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "من الجيد الإعلان عن موعد الانتخابات، لكن لم نطلع على الآليات التي يمكن أن يجري من خلالها تجاوز العقبات أمام إجرائها". وأهم هذه العقبات وفق حرب، إمكانية عقد الانتخابات في مدينة القدس، وفي قطاع غزة، متسائلاً في الوقت نفسه: "هل هناك اتفاق مع حركة حماس؟"، وشدد على أن هناك أسئلة مهمة جداً في هذا الشأن، على سبيل المثال "من سيقوم بحماية الانتخابات وإجرائها في قطاع غزة؟". وقال إن "هذه تحديات متعددة، وهي تحديات سياسية بالإضافة إلى تحديات تقنية وإدارية في قطاع غزة، تحتاج إلى إجابات حتى لا نصل إلى يوم الانتخابات، ولا نستطيع القيام بها".
وفي سؤال حول سبب عدم تزامن الانتخابات الرئاسية مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية كما نص عليها الدستور، أوضح حرب أنه "عندما جرى تعديل القانون عام 2021، أتاح فرصة لإجراء انتخابات غير متزامنة"، وأضاف أن "هناك فرصة أمام الجمهور الفلسطيني لاختيار قيادته الجديدة من خلال المجلس التشريعي الذي يستطيع أن يؤثر بشكل كبير في النظام السياسي، وسيمتلكون شرعية في النظام السياسي لمناهضة أي قرارات أو إجراءات تتنافى مع أحكام سيادة القانون وأحكام القانون الأساسي". وبشأن التعديل الذي حصل عام 2021 بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية غير متزامنة على ضوء تفاهمات بين حركتي فتح وحماس، إذ تغير الوضع حالياً في ظل غياب أي حوار بين الحركتين، رأى حرب أن "ما يحدث الآن هو تثبيت للأمر الواقع، وتفاهم كانت حركة حماس قد وافقت عليه فعلياً، ولا تستطيع العودة للوراء الآن وتتراجع عنه".
من جهته، أوضح الأكاديمي الفلسطيني والخبير القانوني عصام عابدين، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "القانون رقم 1 لسنة 2007 وتعديلاته بما يشمل التعديل الأخير عام 2026، لم ينص على تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية"، مشيراً إلى أن "هذا الموضوع ليس له علاقة بتوافقات فصائلية وغيره"، وأكد أن "التزامن يجب أن يقع بقوة القانون الأساسي المعدّل، ويجب أن يقع بقوة الدستور، لأنّ المادة 36 من القانون الأساسي نصّت على أن مدة رئاسة السلطة أربع سنوات". وبالتالي اعتبر عابدين أنه "عندما تنتهي الولاية الدستورية للرئيس (عباس) منذ أكثر من 17 عاماً، فإن الدعوة للانتخابات التشريعية والرئاسية المتزامنة، يجب أن تقع بقوة الدستور لإنتهاء الولاية الدستورية وغياب التفويض الشعبي".
وأضاف عابدين أن الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية وتزامنها مع الانتخابات الرئاسية "مسألة لا تخضع للتوافقات الحزبية مهما كانت، وإنما تقع في صلب سيادة القانون كأساس للحكم"، وبيّن أنه "لما كانت ولاية الرئيس مدتها أربع سنوات فقط، ولما كان (الرئيس) قد تجاوز مدة ولايته الدستورية في المادة 36، فإن المرسوم يجب أن يكون لانتخابات رئاسية وتشريعية بقوة القانون الأساسي، وهذا ما لم يفعله عباس في مرسومه أمس".
وفي إطار الضغط الدولي، رأى عابدين أنّ المجتمع الدولي يدرك أن "عباس يتهرب من عقد الانتخابات الرئاسية حتى لو أعلن عنها في بداية الربع الأول من العام المقبل، لكن بالنسبة لهم (الدول الضاغطة)، فإن عقد الانتخابات التشريعية سيكون بداية جدية لا مهرب بعدها من عقد الانتخابات الرئاسية".
يُذكر أن التفاهم في ذلك الحين نص على أن يكون محمود عباس مرشح الإجماع، وعلى هذا الأساس جرى تعديل القانون لتصبح الانتخابات التشريعية والرئاسية غير متزامنة. وكانت ستة فصائل فلسطينية وهي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" و"المبادرة الوطنية الفلسطينية" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" و" القيادة العامة"، قد دعت في بيان مشترك يوم 28 يونيو/حزيران الماضي، عباس إلى الدعوة العاجلة لاجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية.
الهدف من هكذا اجتماع، وفق البيان، هو إطلاق حوار وطني شامل يؤسس لشراكة سياسية حقيقية، و"يضع استراتيجية وطنية وكفاحية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة ويبحث القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها التوافق على إجراء انتخابات فلسطينية شاملة". وحذرت الفصائل في البيان "من خطورة أي محاولات لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني استجابة لضغوط أو إملاءات خارجية"، مشددة على أن "أي عملية لإعادة بناء أو تفعيل المؤسسات الوطنية، بما في ذلك إجراء الانتخابات، يجب أن تقوم على شراكة وطنية حقيقية تضم مختلف القوى والمكونات الفلسطينية، وتحظى بإجماع وطني يعزز شرعيتها السياسية والوطنية اللازمة".
العربي الجديد

