كتب فضل سليمان
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يعود الحديث عن انتخابات فلسطينية عامة بموعد محدد، بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً بإجرائها في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل. وفي الظاهر، يبدو الأمر وكأنه انتصار لفكرة الديمقراطية وتجديد الشرعيات التي غابت عن الحياة السياسية الفلسطينية لما يقارب العقدين. لكن الفلسطينيين تعلموا، من تجاربهم المريرة، ألا يبالغوا في التفاؤل كلما صدر مرسوم رئاسي، لأن المراسيم في فلسطين كثيراً ما بقيت حبراً على ورق.
حتى هذه اللحظة، لا توجد ضمانة حقيقية بأن الانتخابات ستجري في موعدها. فالتجربة الأقرب ما زالت حاضرة في الأذهان؛ انتخابات 2021 التي استكملت كل مراحل التحضير، وسجلت فيها عشرات القوائم الانتخابية، قبل أن يتم إلغاؤها في اللحظة الأخيرة. واليوم، لا تبدو الظروف السياسية والأمنية أفضل مما كانت عليه آنذاك، بل ربما أكثر تعقيداً في ظل الحرب المدمرة على غزة، والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية، والانقسام الداخلي، والقيود الإسرائيلية التي تجعل أي عملية انتخابية رهينة لإرادة الاحتلال.
لذلك، يصعب التعامل مع الإعلان عن الانتخابات باعتباره حقيقة سياسية مكتملة. فالسيناريوهات ما زالت مفتوحة بين الإجراء والتأجيل والإلغاء، وكلها احتمالات واقعية.
لكن، وحتى لو افترضنا أن الانتخابات ستجري بالفعل، فإن السؤال الحقيقي ليس موعدها، بل غايتها. هل ستكون خطوة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم مجرد عملية تجميل لنظام فقد ثقة جزء كبير من شعبه؟ وهل الهدف إنتاج قيادة جديدة، أم إعادة تدوير النخبة نفسها التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا المأزق التاريخي؟
لا يمكن الحديث عن مستقبل فلسطين من دون الاعتراف بحقيقة باتت واضحة: المشروعان اللذان هيمنا على الحياة السياسية طوال العقدين الماضيين استنفدا قدرتهما على تقديم حلول.
لقد وصلت حركة فتح، التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، إلى مرحلة من الترهل التنظيمي والسياسي يصعب إنكارها. فالحركة التي كانت يوماً عنواناً للنضال الوطني، تحولت تدريجياً إلى حزب سلطة، غارق في البيروقراطية، والمحسوبيات، والصراعات الداخلية، وتوزيع المناصب، بينما تراجعت قدرتها على تجديد نفسها أو إنتاج قيادات تستمد شرعيتها من الشارع لا من مراكز النفوذ.
وليس من الظلم القول إن الفساد الإداري والسياسي أصبح أحد أبرز أسباب تآكل مكانة السلطة الفلسطينية وفتح معاً. فالمشكلة لم تعد في وجود حالات فساد فردية، بل في تحول الفساد إلى ثقافة حكم، وإلى نظام مصالح متشابك، جعل الحفاظ على النفوذ أولوية تتقدم على بناء المؤسسات أو خدمة المواطن.
في المقابل، لم يكن مشروع حماس أكثر نجاحاً. فالحركة التي قدمت نفسها بديلاً للمشروع السياسي القائم، ووعدت بالمقاومة والتحرير، وجدت نفسها بعد سنوات طويلة أمام واقع مختلف تماماً. غزة تعرضت لحروب متكررة، وبنية تحتية مدمرة، واقتصاد منهار، ومئات آلاف الأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، وعشرات الآلاف من الضحايا، فيما بقي المشروع السياسي للحركة عاجزاً عن تحقيق اختراق يغير ميزان القوى أو يقرب الفلسطينيين من إقامة دولتهم.
قد يختلف الفلسطينيون في تفسير الأسباب، وقد يتفقون أو يختلفون حول المسؤوليات، لكن النتيجة التي يصعب إنكارها هي أن المواطن الفلسطيني هو من دفع الثمن الأكبر، بينما بقيت القيادات السياسية، في الضفة وغزة، تدور داخل الحلقة نفسها من الشعارات والانقسامات.
الحقيقة القاسية أن فتح لم تحقق ما وعدت به عبر مسار المفاوضات، وحماس لم تحقق ما وعدت به عبر خيار السلاح. وبين المشروعين ضاعت سنوات طويلة، وخسر الفلسطينيون مؤسساتهم، ووحدتهم، وثقة العالم بقضيتهم، والأهم ثقة المواطن بقيادته.
ولذلك، فإن أسوأ ما يمكن أن تنتجه الانتخابات المقبلة هو إعادة إنتاج هذا المشهد ذاته، بأسماء مختلفة ووجوه مألوفة.
لا يحتاج الفلسطينيون إلى برلمان جديد يضم الأشخاص أنفسهم الذين تناوبوا على المناصب طوال عشرين عاماً. ولا يحتاجون إلى حكومة جديدة تحمل العقلية القديمة نفسها. ولا إلى سباق جديد بين فتح وحماس على السلطة، بينما يبقى المواطن خارج الحسابات.
المطلوب هذه المرة مختلف تماماً.
المطلوب أن تتحول الانتخابات إلى لحظة تأسيس لا إلى مناسبة لتبادل المقاعد. وأن يقتنع الفلسطينيون بأن الزمن السياسي الذي احتكرته فتح وحماس قد شارف على نهايته، وأن النظام السياسي لا يمكن أن يبقى رهينة تنظيمين يعتقد كل منهما أنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية الفلسطينية ليس الاحتلال وحده، بل غياب التداول الحقيقي للسلطة. فمنذ سنوات طويلة، تكاد الوجوه نفسها تدير المشهد، بينما جيل كامل من الشباب، الأكاديميين، والخبراء، ورجال الأعمال، والمهنيين، وقادة المجتمع المدني، بقي خارج دوائر القرار.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات، يتيح القانون الجديد فرصة حقيقية للقوائم المستقلة والشخصيات الشابة، مع خفض نسبة الحسم إلى واحد بالمئة، وهو ما قد يسمح بظهور قوى سياسية جديدة إذا أحسنت تنظيم نفسها، وقدمت برنامجاً واقعياً، بعيداً عن الشعارات الكبيرة التي استهلكها الفلسطينيون حتى الملل.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما تحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة.
تحتاج إلى قيادة لا تعيش على إرث الثورة، ولا على شرعية البندقية، بل على شرعية الإنجاز والكفاءة والنزاهة. قيادة تعتبر أن مكافحة الفساد ليست شعاراً انتخابياً، بل شرطاً لبقاء أي نظام سياسي محترم. قيادة تفهم أن العالم تغير، وأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى خطاب سياسي ذكي، قادر على مخاطبة المجتمع الدولي، وبناء التحالفات، واستثمار القانون الدولي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو اجترار الخطابات التقليدية.
كما تحتاج فلسطين إلى قيادة تدرك أن الوحدة الوطنية لا تعني اقتسام المناصب بين الفصائل، بل بناء دولة مؤسسات يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون الانتخابات وسيلة للمحاسبة لا مجرد طقس سياسي يتكرر كل عقدين.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على فوز فتح أو هزيمة حماس، ولا على انتصار هذا التيار أو ذاك، بل على كسر الاحتكار السياسي الذي خنق الحياة العامة طوال سنوات الانقسام.
لقد أثبتت التجربة أن احتكار السلطة يفسد، واحتكار المقاومة يفسد أيضاً، وأن أي مشروع سياسي لا يخضع للمساءلة الشعبية يتحول مع الوقت إلى عبء على المجتمع، مهما كانت شعاراته الأولى نبيلة.
إذا كانت الانتخابات المقبلة ستعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، فإنها لن تضيف شيئاً سوى منح شرعية جديدة لأزمة قديمة.
أما إذا نجح الفلسطينيون في إرسال رسالة واضحة عبر صناديق الاقتراع، مفادها أن زمن الاحتكار انتهى، وأن الكفاءة أهم من الولاء، وأن النزاهة أهم من التنظيم، وأن المستقبل يجب أن يصنعه جيل جديد لا يحمل إرث الانقسام ولا حسابات الماضي، فقد تكون هذه الانتخابات بداية الطريق لاستعادة النظام السياسي الفلسطيني، لا مجرد تجديد أوراقه.
قد تكون انتخابات نوفمبر آخر فرصة حقيقية لإنقاذ ما تبقى من الثقة بين الشعب وقيادته. أما إذا ضاعت هذه الفرصة، أو تحولت إلى عملية أخرى لإعادة تدوير الوجوه نفسها والسياسات نفسها، فإن الأزمة الفلسطينية لن تتوقف عند تعثر الديمقراطية، بل ستدخل مرحلة أخطر، يصبح فيها فقدان الثقة هو العنوان الأبرز للعلاقة بين الفلسطيني وقيادته.
وفي السياسة، حين يفقد الشعب ثقته بكل البدائل القائمة، لا يكون السؤال من سيفوز في الانتخابات، بل من سينجح في إعادة الأمل إلى وطن أنهكته الانقسامات، وأتعبه الفساد، واستنزفته الحروب، بينما ما زال ينتظر قيادة ترتقي إلى حجم تضحياته.
عن موقع (وطن)

