2026-07-10 01:53 ص

التوافق الوطني بوابة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

2026-07-09

بقلم: حازم قاسم
عانى النظام السياسي الفلسطيني منذ البداية إشكالاتٍ واضحةً في نشأته وتأسيسه، فمن جهة، كانت النشأة مرتبطةً باتفاق أوسلو بين منظمة التحرير وكيان الاحتلال، وجاءت تركيبة مؤسّساته الأساسية ضمن المحدّد الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، جاء هذا النظام امتداداً، في جزءٍ مهم منه، لمؤسّساتٍ قائمة بالفعل تابعة للمنظّمة التي كانت، منذ البداية، تحاول العمل ضمن سياق دولاني، بالرغم من أنها كانت في حالة ثورة واشتباك مع الاحتلال، وتنتقل من مكانٍ إلى آخر خارج الجغرافيا الفلسطينية.

ومع حرص قيادة السلطة الناشئة على تعزيز أشكال الدولة، والتزاماً باشتراطات اتفاقات أوسلو، أُجريت الانتخابات الأولى عام 1996، من دون أن يسبقها أي حوار وطني للتوافق على أشكال العمل الوطني، وكانت السلطة منتشية بالدعم الدولي حينها، ومستندة إلى الشرعية التاريخية للشهيد ياسر عرفات، ولم ترَ أي حاجةٍ إلى التوافق مع الفصائل الفلسطينية أو قوى المجتمع الأخرى، واستمرّ هذا الحال حتى اندلاع الانتفاضة الثانية، وبدء تبلور موقف أميركي، بطلب إسرائيلي، بضرورة إجراء إصلاحات في السلطة. وتحت الضغط الدولي، أُجبر عرفات حينها على استحداث منصب رئاسة الوزراء في النظام السياسي الفلسطيني، وتقسيم الصلاحيات بين الرئاسة ورئاسة الوزراء، حيث فُرض محمود عبّاس على عرفات حينها أول رئيس للوزراء، وتابع الجميع الخلاف بين الرجلين على الصلاحيات، الذي انتهى باستقالة عبّاس. وأوجد هذا التدخل الخارجي تشوّهاً في النظام السياسي تمثل في التنازع على الصلاحيات، لكن التمظهر الأساسي لهذا التشوه جاء بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية بأغلبية كاسحة عام 2006، حيث أعاد الرئيس محمود عبّاس الصلاحيات التي كانت قد طُلبت من الرئيس عرفات إلى الرئاسة مرّة أخرى، وكان الخلاف أيضاً، هذه المرّة، نتاج تدخل خارجي أميركي وإسرائيلي في الأساس، ولم يستطع هذا النظام المشوّه استيعاب الخلاف بين الأطراف، نتيجة أنه نتاج تدخّل خارجي، ورفض قيادة السلطة الدائم إجراء حوار حول الصيغة الأفضل لنظام سياسي وطني.

 تكرّر الأمر نفسه مع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزّة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبدء الحديث، من اليوم التالي، عن قطاع غزّة، وعاد الطلب الأميركي بضرورة إجراء السلطة إصلاحات تجعلها مؤهلة لإدارة غزّة، فغيّرت السلطة رئيس الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، ثم أجرت، مرّة أخرى، تحت الضغط الخارجي، استحداث منصب جديد في النظام السياسي، وهو نائب الرئيس، الذي عُيّن فيه حسين الشيخ، والذي شغل أيضاً منصب أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا لم يُشبع رغبة الإدارة الأميركية والاحتلال في التأثير على النظام السياسي الفلسطيني، وجاءت استجابة السلطة في أكثر من مسار، منها كتابة الدستور المؤقت وإعلان إجراء انتخابات عامة، إلا أنه لم يُحدّد موعد لانتخابات الرئاسة، بالرغم من مرور 21 عاماً على آخر انتخابات رئاسية.

مؤسفٌ أن قيادة السلطة في رام الله تحرم نفسها من القدرة على التحصّن بالموقف الوطني

ومرّة أخرى، تكرّر قيادة السلطة الخطأ نفسه، بالتحرّك فقط تحت الضغط الخارجي، وليس استجابةً لمصلحة وطنية أو مطالب من الداخل الفلسطيني، أو استجابةً للقوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وهي وصفة مجرّبة لإيجاد مزيد من التشوّهات في النظام السياسي، ولكنها هذه المرّة ستكون قاتلة، لأن ما يُراد أميركياً وإسرائيلياً تدمير النظام السياسي عبر حرمانه من القوى الحقيقية فيه، ومسخ هويته الوطنية، وإعادة تشكيله ليناسب توجّهات اليمين الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، امتداداً لحرب الإبادة على غزّة.

مؤسفٌ أن قيادة السلطة في رام الله ما زالت تحرم نفسها من القدرة على التحصّن بالموقف الوطني، وتشكيل إجماع حول قضايا النظام السياسي، عبر رفضها إجراء أي حوار وطني جاد وحقيقي يفرز استراتيجية مواجهة، بالرغم من الطلب المتكرّر من جميع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، عبر رسائل رسمية للرئيس محمود عبّاس، لعقد لقاء للأمناء العامين في أسرع وقت، وطلبهم المستمر عدم تكرار أخطاء السلطة السابقة بالذهاب إلى خطوات متعلقة بالنظام السياسي من دون حوار ولا توافق وطني، ولو بالحدّ الأدنى، وهو موقف يضعف، بالدرجة الأولى، السلطة نفسها، التي تتوهّم أنه يمكنها مسايرة ضغوط الدول العظمى، أو قدرتها على التحايل على الواقع الفلسطيني الذي وصل إلى درجةٍ من التعقيد لا يصلُح معها إلا التوافق الوطني والتخلي عن منطق التفرّد واختطاف المؤسّسات الفلسطينية. وتثبت كل الوقائع والدلائل أن ذهاب السلطة وحدها في أي مسار سينتج تشوّهاً جديداً لا يستجيب لمصالح شعبنا، ولن يوقف شهية الاحتلال عن استمرار الضغط حتى تحويل هذا النظام السياسي إلى كومةٍ من الهياكل لا تقوى على مواجهة أدنى التحدّيات التي تمرّ بها قضية فلسطين.