2026-07-09 11:18 م

من حقّ الغزّيين أن يغضبوا

2026-07-09

بقلم: زياد بركات

لم يخطئ الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي. ولكن من حق الغّزّيين، وهم أولياء الدم، أن يغضبوا لو فعل.

لا توضّح الفيديوهات التي تم تداولها للرجل، وهو يتحدّث عن إبادة غزّة، تاريخاً لكلمته أو مكانَ إلقائها، لكنّ الواضح أنها كانت في مؤتمر داعم لغزّة في دولة أوروبية، كما تُظهر الترجمة الدقيقة لكلمته أنه لم يخطئ أبداً في حقّ المرأة الغزّية، ما يعني أن ثمة ماكينة فبركات وأكاذيب كبرى وراء إعادة إنتاج كلمته بما يُظهرها مسيئة، سواء بإرفاقها بترجمةٍ غير دقيقة أو تلخيصها بما يشوّه مقصدها.

تحدّث البرغوثي عن قلقٍ انتابه وآخرين بشأن نحو 70 ألف امرأة غزّية حامل لم يكن بإمكانهن تلقّي أي مساعدة طبية، بسبب أهوال الإبادة، ما رتّب مسؤوليات باهظة الأكلاف على عاتقه وسواه للحفاظ على حيوات نحو 70 ألف جنين في أرحامهن، وهو ما قام به بتوظيف قابلات قانونيات للاضطلاع بهذه المهمّة الوطنية والإنسانية. يقول إن إسرائيل قتلت نحو 22 ألف طفل في غزّة، لكنّ نضالات منسية وعنيدة نجحت بمثابرة لا تلين (لم يقل ذلك حرفياً) بإنقاذ نحو 82 ألف طفل غزّي وُلدوا خلال تلك المقتلة غير المسبوقة في تاريخ الأمم قاطبة.

لم يقلّل البرغوثي من تضحيات الغزّيين ولا من فداحة فقدهم، ولم يقل إن الغزّية أنتجت أطفالاً يعوّضونها عن شهدائها، بل قال إنه تم إنقاذ عشرات آلاف الأجنّة في أرحام أمهاتهم. ووحده من قال أمراً شائناً كهذا بالمناسبة، رغم أنه لم يقصده على الأغلب، رئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية إبراهيم الأمين، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.

لم يخطئ مصطفى البرغوثي، ولكن من حق أهل غزّة أن يغضبوا اليوم وغداً، وأن يعرفوا أيضاً إلى من يُفترض أن يتّجه غضبهم، وهم الذين تعرّضوا لأسوأ إبادة في التاريخ المعاصر، على مرأى العالم كله، ومنه بل في مقدّمته السلطة الفلسطينية نفسها.

يوجّه محمود الهبّاش، وهو من مستشاري الرئيس الفلسطيني، رسالة إلى البرغوثي على "فيسبوك"، يقرّعه فيها، ويغمز من قناته، ويذكّره (كأنه لا يعلم) بأن أطفال غزّة الشهداء ليسوا "مجرد رقم تلوكه بعض الألسنة"، بل هم 22 ألف حياة أزهقتها آلة الحرب الإسرائيلية (...) بعد أن غامر بها بعض ممن كان يفترض أنهم حُماتها". لا يكتفي الهبّاش بالغمز من قناة البرغوثي، بل يضيف إليه "حماس"، بلغة ساخرة ليست معروفة عنه ولا عن إنشائه، قائلاً، وهنا نقتبس، إن "غزّة لم تنتج 82 ألف كتكوت في مزرعة فراخ، بل أنجبت 82 ألف حياة، فأطفالنا ليسوا بضاعة ننتجها ثم نقامر بها في لعبة حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل".

يخلُص الهبّاش بعد ذلك إلى الأسوأ، والذي على الغزّيين، أولياء الدم، أن يتنبّهوا إليه جيداً، فالبرغوثي ليس من غزّة وهي ليست منه، كما يقول، وعليه بالتالي ألا يتحدّث عنها بعد الآن، ما يعني أن الهبّاش ومن يمثّله، يسعون إلى احتكار غزّة بأسرها وليس الحديث عنها وحسب. لكنه ينسى ما يتذكره الغزّيون، فعندما كان البرغوثي وحسام زملط (وسواهما كثيرون وفي مقدمتهم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي) يخوضون أوسع وأشرس اشتباك إعلامي مع إسرائيل وداعميها، منتصرين لغزّة التي تُباد، ومحملّين إسرائيل المسؤولية كاملة، كان الهبّاش متفرّغاً لمهمّة غير مقدّسة على الإطلاق على فضائيات عربية، وهي تحميل المقاومة مسؤولية تدمير غزّة.

إذا عرفتَ هذا وتذكّرته، أرجو ألا تنسى عناوين من خذل وشمت وسعى إلى الاستثمار في الدم الذي سُفك وروى ترابكِ، يا غزّة، إلى يوم قيامة الناس، أولئك الذين كانوا يفركون أيديهم في انتظار انتهاء المذبحة ليرسلوا مندوباً سامياً من مقراتهم في رام الله ليعيد غزة إلى "حضن الشرعية"! ليفاوضوا باسمها وعلى جثتها وجثة شعبهم بأسره، ولا يزالون على سعيهم هذا، وما التحريض العلني، غير المسؤول واللاأخلاقي على البرغوثي وسواه سوى علامة على يأس هؤلاء من إعادة إنتاج أنفسهم ومن أنجبوا وباعوا واشتروا.

فعلوا هذا بينما كانت غزّة، طفلتنا التي حُرقت وقطّعت أطرافها، تُذبح وتُباد، وما من أبٍ يغمد سيفه في خاصرته لتخلّيها عنها.

يعرف الغزّيون هذا وأكثر، ومن حقهم أن يعتبوا، بل يغضبوا حتى لو أخطأوا العنوان أحياناً.