بقلم: خالد فحل
قد لا أتفق مع الدكتور مصطفى البرغوثي في كثير من مواقفه ورؤاه السياسية، وقد أختلف معه في العديد من القضايا، لكن الاختلاف لا يعني أن نبتعد عن الإنصاف، ولا أن نقبل حملات الإساءة أو التشويه التي تستهدف أي شخصية سياسية.
في الحياة السياسية، من حق الجميع أن ينتقد وأن يعبّر عن رأيه، لكن النقد الحقيقي يجب أن يكون موجّهًا إلى الأفكار والمواقف، لا إلى الأشخاص. فاختلافنا مع أي إنسان لا يمنحنا الحق في اقتطاع كلماته من سياقها أو تحميلها معاني لم يقصدها.
قد يكون ما قصده الدكتور مصطفى البرغوثي أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يُلغى بالموت أو بالإبادة، وأن فلسطين، رغم كل ما تتعرض له من قتل ودمار، ستبقى تنجب الأحرار جيلاً بعد جيل. وقد يكون حديثه تعبيرًا عن فكرة راسخة في الوعي الفلسطيني؛ أن الشعوب التي تمتلك قضية وذاكرة وهوية لا يمكن محوها بالقوة.
وكما كان الشهيد ياسر عرفات يقول: "المرأة الفلسطينية ولّادة، طفل لها وطفل للثورة"... في إشارة إلى أن الشعب الفلسطيني لا ينتهي، وأن فلسطين قادرة دائمًا على إنجاب أجيال تحمل راية الوطن والحرية، مهما بلغت التضحيات.
إننا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسام والتخوين، بل إلى مساحة أكبر للحوار واحترام الاختلاف. فالقضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص، وأكبر من الخلافات السياسية، ولا يمكن أن تُخدم عبر حملات التشهير أو تحويل كل اختلاف إلى خصومة.
قد نختلف مع مصطفى البرغوثي أو مع غيره من السياسيين، فهذا حق طبيعي في أي مجتمع، لكن من المهم أن نبقى منصفين، وأن نحاسب أي شخص على مواقفه وأفعاله، لا على ما يُشاع عنه أو يُراد إلصاقه به.
فلسطين لم تُهزم رغم عقود من المآسي، لأنها ليست مجرد أرض، بل شعب يحمل ذاكرة وهوية وإرادة حياة. وقد أثبت التاريخ أن محاولات اقتلاع الشعوب قد تؤلمها وتدفعها إلى أثمان باهظة، لكنها لا تستطيع إلغاء وجودها أو طمس حلمها.
فالاختلاف لا يلغي الانتماء، والنقد لا يعني العداء. وفي هذه المرحلة التي يمر بها شعبنا، نحن بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويمنح الأمل بدلًا من تعميق الجراح. ففلسطين كانت وستبقى أكبر من خلافات أبنائها، وأقوى من كل محاولات كسر إرادتها، لأنها تستمد قوتها من شعب يؤمن بحقه في الحياة والحرية والكرامة.

