2026-09-26 10:53 م

الاستخبارات الإعلانية... سلاح جديد في انتخابات إسرائيل

2026-09-26

قبل نحو شهر من انتخابات الكنيست، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تخوض الأحزاب الإسرائيلية سباقاً محموماً لجمع بيانات الناخبين وتحليلها. ولم يعد التنافس مقتصراً على استطلاعات الرأي والإعلانات التقليدية، بل امتد إلى استخدام أدوات استخبارية متطورة كانت مخصصة سابقاً لتعقب أهداف أمنية، من بينها علماء يعملون في البرنامج النووي الإيراني.

 

استخبارات تُجمع عبر الإعلانات

تُعرف هذه التقنية باسم الاستخبارات الإعلانية، أو ADINT، وتعتمد على البيانات التي تجمعها تطبيقات الهواتف المحمولة وتبيعها لشبكات الإعلان ووسطاء البيانات.

يحمل كل هاتف معرّفاً إعلانياً يُعرف اختصاراً بـMAID. وهو رقم عشوائي يُفترض أنه لا يكشف اسم المستخدم، لكنه يسمح بتتبع الجهاز عبر التطبيقات والمواقع. إلا أن شركات متخصصة طورت قدرات على نزع الصفة المجهولة عن هذه المعرّفات وربطها بأرقام هواتف أو هويات فعلية. إمكانات من هذا النوع استُخدمت سابقاً في عمليات استخبارية شملت تعقب علماء نوويين إيرانيين، قبل أن تصبح متاحة لعملاء تجاريين وحملات سياسية.

 

الهاتف يتحول إلى جهاز تعقب

المبدأ التقني الذي تقوم عليه ADINT موثق في أبحاث مستقلة. فقد أثبت باحثون في جامعة واشنطن أن شراء الإعلانات يمكن أن يُستخدم لمتابعة موقع هاتف معين ومعرفة التطبيقات التي يستعملها صاحبه، من دون أن يضغط المستخدم على الإعلان.

وبحسب الباحثين، يمكن تنفيذ بعض هذه العمليات بميزانية لا تتجاوز ألف دولار. وكلما زادت دقة خدمات الاستهداف التي توفرها شركات الإعلان، اتسعت إمكانية تحويلها من وسيلة تسويقية إلى أداة للمراقبة وجمع المعلومات.

 

بناء ملف سياسي لكل ناخب

تبدأ الأحزاب الإسرائيلية بسجل الناخبين الذي تحصل عليه رسمياً من وزارة الداخلية، ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي لربطه بقواعد بيانات تجارية تضم أرقام الهواتف والبريد الإلكتروني وأنماط النشاط الرقمي وغيرها من المعلومات.

والنتيجة هي ملف انتخابي مفصل قد يتضمن تقديراً لميول كل ناخب، ومدى تأييده لحزب معين، واحتمال مشاركته في التصويت، والقضايا الأكثر قدرة على التأثير فيه. ويسمح الذكاء الاصطناعي بمعالجة ملايين السجلات وتصنيف الناخبين بسرعة كانت تتجاوز سابقاً قدرات الحملات الانتخابية.

ويمكن لأدوات ADINTالمساعدة في تحديد أشخاص يتابعون حزباً على فيسبوك أو ينضمون إلى مجموعات مرتبطة به. كما تجري بعض الشركات استطلاعات تبدو مخصصة لقياس الرأي العام، بينما يكون أحد أهدافها الفعلية جمع بيانات الاتصال والتفضيلات السياسية للمشاركين.

 

الناخبون يجمعون المعلومات عن بعضهم

تؤدي تطبيقات إدارة الحملات دوراً أساسياً في هذه المنظومة. فتطبيق Elector، على سبيل المثال، يتيح للناشطين تحديد الميول السياسية لأشخاص مدرجين في قوائم اتصالهم، ما يحول العلاقات العائلية والاجتماعية إلى مصدر للمعلومات الحزبية.

وقد ظهرت مخاطر هذا النموذج بوضوح عام 2020، عندما أدى خلل في Elector، الذي استخدمه حزب الليكود، إلى كشف بيانات نحو 6.5 ملايين ناخب، إلى جانب معلومات سياسية جمعها الحزب عن مئات الآلاف.

الجديد في انتخابات 2026 هو شروع أحزاب في بناء أنظمتها الخاصة لإدارة بيانات الناخبين، بعدما كانت شركتان متخصصتان تهيمنان على السوق. وتستخدم الحملات نماذج ذكاء اصطناعي أخرى قادرة على كتابة البرمجيات وإنشاء أدوات مخصصة بسرعة وكلفة منخفضتين. وقد يمنح ذلك الأحزاب استقلالاً تقنياً أكبر، لكنه يوسع أيضاً عدد الجهات القادرة على إنشاء قواعد بيانات سياسية شديدة الحساسية، ويزيد احتمالات إساءة الاستخدام أو التسريب.

ولا تتوافر معلومات علنية كافية تحدد الأحزاب التي تستخدم أدوات الاستخبارات الإعلانية والشركات التي تزودها بها، ولا ما إذا كانت البيانات تُشترى مباشرة أم عبر متعهدين ومستشارين. كما تبقى أسئلة أساسية معلقة بشأن موافقة الناخبين، ومدة الاحتفاظ بملفاتهم، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، والقدرة على معرفة البيانات المسجلة عنهم أو الاعتراض على استخدامها.

 

الانتخابات تحت عين المراقبة

تكشف هذه الممارسات أن الخطر لا يكمن في إعلان انتخابي مضلل يراه الناخب، بل في منظومة خفية تراه هي أولاً، تتعقب حركته، وتجمع علاقاته، وتستنتج ميوله، ثم تختار الرسالة الأقدر على التأثير فيه. وعندما تندمج سجلات الدولة مع بيانات التطبيقات ووسطاء الإعلان وتحليلات الذكاء الاصطناعي، يتحول الناخب من فرد يتخذ قراره بحرية إلى هدف داخل عملية استخبارية مصغرة.

وهكذا، لا تعود القضية مجرد انتهاك محتمل للخصوصية، بل تصبح مسألة تمس نزاهة العملية الانتخابية نفسها. فالتنافس الانتخابي يفترض أن يدور حول إقناع المواطنين في فضاء علني، لا حول مراقبتهم سراً واستغلال نقاط ضعفهم بصورة فردية. وإذا كانت الأدوات التي طُورت لتعقب أهداف أمنية قد أصبحت جزءاً من الحملات السياسية، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد من سيفوز بالانتخابات، بل أي حرية اختيار ستبقى بعدما يعرف السياسيون عن الناخب أكثر مما يعرفه الناخب عنهم.