2026-09-21 04:08 م

فلسطين في قلب التحول الإقليمي

2026-09-21

بقلم: ميشيل شحادة
لم تعد فلسطين جزيرة سياسية يمكن فهم ما يجري فيها بمعزل عما يتحرك حولها. من غزة والضفة إلى لبنان واليمن وإيران، ومن هرمز إلى باب المندب، تتشابك الحرب والتفاوض والاقتصاد والانتخابات في مشهد إقليمي واحد؛ يتحرك الضغط في ساحة فيرتد صداه على الأخرى، وتدخل الممرات البحرية وأسواق الطاقة وصناديق الاقتراع في معادلة الصراع نفسها.
وفي قلب هذا المشهد تبقى غزة جرحا مفتوحا. الحصار والجوع والعطش والدمار تفرض نفسها على حياة الناس، ومئات الآلاف يعيشون بين الركام والمساكن المؤقتة، فيما بقيت العقدة السياسية بلا حل: ماذا يأتي أولاً، الانسحاب الصهيوني أم نزع سلاح المقاومة؟
المقاومة تتمسك بتنفيذ متبادل ومتسلسل للاتفاق، يبدأ باستكمال المرحلة الأولى وانسحاب الاحتلال. أما الكيان الصهيوني فيريد انتزاع سلاح المقاومة أولا، ثم يبقى حرا في التنصل من التزاماته، كما فعل في اتفاقات سابقة. وهنا جوهر الخطر: أن تقدم المقاومة خطوة لا رجعة فيها مقابل وعود يستطيع الاحتلال التراجع عنها. فالمسألة ليست إجرائية، بل محاولة لانتزاع سياسيا ما عجزت الحرب عن فرضه بالقوة.
لكن غزة، رغم فداحة مأساتها، لم تعد وحدها مركز الخطر. فالضفة الغربية تتقدم إلى واجهة المشهد، وربما إلى موقع المعركة الفلسطينية الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.
للضفة مكانة خاصة في المشروع الصهيوني، ليست جغرافية وأمنية فقط، بل عقائدية ودينية أيضا. اليمين الصهيوني، بشقيه القومي والديني، يعتبرها جزءا من تصوره التوراتي والتاريخي. ومن هنا يمكن فهم اندفاع حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير نحو فرض وقائع تجعل ضم أجزاء واسعة منها أمرا يصعب الرجوع عنه.
ومشروع E1 مثال صارخ. فهو لا يعني بناء آلاف الوحدات الاستيطانية فقط، بل وصل القدس بمعاليه أدوميم بكتلة استيطانية تقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتفصل القدس عن محيطها، وتعمق الفصل بين شمال الضفة وجنوبها. وحين يتحدث سموتريتش عن «دفن» فكرة الدولة الفلسطينية، فهو يعلن الهدف بلا مواربة.
ومن هنا يصبح من الخطأ النظر إلى هجمات المستوطنين على القرى باعتبارها انفلاتا عشوائيا. فهم يضغطون على الوجود الفلسطيني حيث يكون أكثر هشاشة: في القرى والمراعي والمناطق الزراعية ومصادر المياه والطرق. يهاجمون الرعاة والمزارعين، يحرقون المحاصيل، يقتلعون الأشجار ويغلقون الطرق، حتى يصبح البقاء نفسه معركة يومية.
والنتيجة واضحة: دفع الفلسطينيين بعيدا عن المناطق المفتوحة، وحشرهم تدريجيا في كانتونات أكثر كثافة، بينما تتمدد السيطرة الصهيونية حولهم. وليس ضروريا أن يكون كل مستوطن قد شارك في رسم الخطة؛ لكنه يتحول عمليا إلى أداة في مشروع ممنهج يعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا معا. فمن يمنع راعيا من مرعاه، أو يعتدي على مزارع، أو يحرق منزلا، أو يقتل، لا يعتدي على فرد فقط، بل يساهم في تحديد من يستطيع البقاء ومن يُدفع إلى الرحيل.
وهنا تتكشف واحدة من أخطر نقاط الضعف الفلسطينية: فالضفة تواجه هجمة وجودية متصاعدة من دون قيادة وطنية موحدة قادرة على تنظيم المجتمع وحشد طاقاته. وقد تعرضت المقاومة فيها لضربات قاسية، فيما ساهم استمرار التنسيق الأمني، وتمسك السلطة ببنية أوسلو وعدائها للمقاومة، في خنق الفعل المقاوم وتقييد حتى الحراك الشعبي السلمي. وهكذا تحولت السلطة عمليا إلى بنية وظيفية تعمل داخل منظومة الاحتلال، وتحافظ على استقرار النظام الاستعماري الاستيطاني القائم وتربط استمرارها باستمراره.
لكن المسؤولية لا تقع على السلطة وحدها. الفصائل والقوى والنخب الفلسطينية فشلت هي الأخرى في ملء الفراغ. لم تحول المزاج الشعبي المحتقن إلى تنظيم يحمي القرى، ويسند المزارعين، ويقيم شبكات إنذار وإغاثة، ويحرك الجامعات والنقابات والبلديات، ويطور اقتصادا مقاوما يثبت الناس في أرضهم. ونحن لا نتحدث بالضرورة عن العمل المسلح، بل عن لجان شعبية، وحماية موسم الزيتون، وصناديق دعم، وتعاونيات زراعية، وشبكات إسعاف، وفرق قانونية وإعلامية، وربط القرى ببعضها حتى لا تواجه المستوطنين منفردة.
وفي خضم ذلك كله، يتعامل السيد عباس وقيادة فتح مع الانتخابات كما لو أنها ستجري فعلا، متجاهلين أن القرار النهائي يبقى رهنا بإرادة الاحتلال وواشنطن، وأن المسار الانتخابي نفسه يمكن تعطيله أو الانقلاب على نتائجه متى تعارضت مع حساباتهما السياسية والأمنية، كما أظهرت تجربة انتخابات 2006. ورغم ذلك، تمضي التحضيرات للمجلس الوطني والانتخابات التشريعية، وكأن السؤال المركزي هو إعادة توزيع الحصص داخل مؤسسات منظمة التحرير المستنفدة سياسياً والفاقدة لدورها الوطني، لا منع اقتلاع الأرض من تحتها.
وليس الاعتراض على الانتخابات كمبدأ؛ فهي حق وضرورة في أي نظام وطني حي. لكن السؤال هو: أي انتخابات، ولأي وظيفة، وفي أي لحظة تاريخية؟ هل نعيد بناء منظمة التحرير على أساس وطني جامع يعيد الاعتبار لمشروع التحرر والمقاومة وميثاقها الوطني، أم نعيد إنتاج النظام نفسه، بالبرنامج والارتهان نفسيهما، ثم نغطيه بشرعية انتخابية جديدة؟ فصندوق الاقتراع لا يصنع مشروعا وطنيا ولا يمنح السيادة. الانتخابات هي التي تستمد مشروعيتها من إرادة وطنية حرة ومشروع تحرر قادر على حماية قرار الشعب. أما انتخابات تعيد إنتاج البنية ذاتها تحت الاحتلال والارتهان السياسي، فلا تؤسس لشرعية وطنية، بل تمنح شرعية شكلية لنظام فقد مبرر وجوده الوطني.
وتزداد المفارقة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. نتنياهو، المأزوم داخلياً، قد يحتاج إلى التصعيد لحشد اليمين، بينما يحتاج ترامب، تحت ضغط الكلفة الاقتصادية والمواجهة مع إيران، إلى خفض النار قبل الانتخابات النصفية. وهكذا تتصادم الحسابات الانتخابية للحليفين: أحدهما قد يحتاج إلى توسيع الحرب، والآخر إلى احتوائها. لكن واشنطن لم تعد تملك وحدها ضبط إيقاع الصراع، ولا أن تقرر متى تتسع النار ومتى تنطفئ.
أما إيران فصامدة ولم تنصع للشروط الأميركية. وبعض الملفات التي أدارتها واشنطن بمنطق الإملاء أصبحت جزءا من تفاوض إقليمي أوسع. ومضيق هرمز مثال واضح: حين تصبح الملاحة وفتح الممرات موضوعا للتفاوض مع إيران، فهذا يعني أن ميزان النقاش تغير. وهذا لا يعني انتصار إيران أو هزيمة الولايات المتحدة، بل أن سياسة الضغط لم تنتج الاستسلام، وأن التفوق العسكري الصهيوأمريكي لم يتحول إلى حسم سياسي.
ثم جاء اليمن ليضيف ثقلا جديدا. ما يمكن تسميته سياسيا «طوفان باب المندب» قلب الصورة التي حاول خصوم أنصار الله ترسيخها عن أنهم محاصرون وأن نهايتهم قريبة. وباب المندب ليس جبهة يمنية محلية، بل شريان من شرايين التجارة العالمية؛ ومن يملك القدرة على التأثير فيه يمتلك ورقة تتجاوز اليمن. الدلالة واضحة: ميزان المبادرة يتحرك باتجاه محور المقاومة، وإن لم يُحسم بعد.
لكن علينا ألا نقع في وهم الانتصار السهل. الكيان الصهيوني لا يزال يمتلك قوة عسكرية هائلة بدعم أميركي واسع، وواشنطن ما زالت القوة الأكثر نفوذا دوليا. إلا أن المشكلة التي تواجه المعسكر الأميركي-الصهيوني أصبحت أوضح: التفوق العسكري لم يعد كافيا لصناعة النتائج السياسية المطلوبة.
يمكن للكيان الصهيوني أن يدمر ويقتل، لكنه لم يستطع حسم جبهة بما ينتج النظام السياسي الإقليمي الذي يريده. ويمكن للولايات المتحدة أن تقصف وتحاصر وتفرض العقوبات، لكنها تفشل في إخضاع إيران وإعادة تشكيل المنطقة وفق إرادتها. فالقوة العسكرية تفقد كثيرا من قيمتها حين تعجز عن التحول إلى إنجاز سياسي دائم.
وفي المقابل، أثبتت قوى المقاومة قدرة على الصمود والمبادرة وامتلاك أوراق قوة، لكنها تدفع أثمانا إنسانية واقتصادية باهظة. لذلك لا نحتاج إلى تفاؤل ساذج ولا إلى ثقافة الهزيمة، بل إلى عقل بارد وإرادة حارة: أن نرى ميزان القوى كما هو، وأن نحول الصمود إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعل، والفعل إلى تراكم يغير الميزان.
وفي فلسطين، لا أرى سؤالا أكثر إلحاحا من الضفة الغربية. فبينما تنشغل منظومة أوسلو وبعض الواهمين بإمكانية إعادة ترتيب المؤسسات بصناديق الاقتراع تحت الاحتلال، تتغير الجغرافيا نفسها بسرعة خطيرة.
المستوطن لم يعد خلف سياج المستوطنة فقط؛ لقد وصل إلى داخل القرى. وفي أماكن كثيرة أصبحت المواجهة مباشرة: على البيت، والحقل، والماء، والماشية، والطريق، وعلى قدرة الإنسان أن يبقى حيث ولد، وأن يبقى هو وعائلته أحياء.
إذا لم يُبنَ سريعا إطار وطني وشعبي قادر على حماية القرى، وتنظيم المجتمع، ومساندة المزارعين، وتثبيت الناس في أرضهم، وملء الفراغ الذي خلّفه ارتهان السلطة وعجز الفصائل والنخب، فقد نجد أنفسنا أمام مفارقة مأساوية: أن ينشغل الفلسطينيون بالجدل حول الانتخابات وإصلاح المؤسسات، بينما يعيد المشروع الاستيطاني تشكيل فلسطين نفسها.
أي مؤسسات سيعاد بناءها إذا كانت الأرض التي يفترض أن تمثلها تُنتزع قطعة قطعة؟
لهذا، ربما تكون الضفة المعركة الفلسطينية المركزية القادمة: معركة الأرض والإنسان والقرية والذاكرة والبقاء؛ معركة كل فلسطين.
إنها معركة على ما إذا كان سيبقى وطن فعلي يمكن أن نختلف غدا حول شكل دولته ونظامه السياسي، أم سنكتشف بعد سنوات من النقاشات والمؤتمرات والانتخابات أن الأرض كانت تُسحب من تحت أقدامنا، بينما كنا نتجادل حول من سيجلس على الكرسي فوقها.
كاتب فلسطيني