2026-09-14 01:55 ص

ماذا وراء القطيعة الجزائرية ـ الإماراتية؟

2026-09-13

في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، أعلنت الجزائر، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، منهية بذلك مرحلة طويلة من التوتر والجمود بين البلدين، بعدما قالت إن أبوظبي واصلت ما وصفته بـ"التصرفات الاستفزازية أو العدائية" رغم تحذيرات متكررة.

وقالت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية الجزائرية، في بيان، إن الجزائر تحلت خلال الفترة الماضية بـ"قدر كبير من ضبط النفس وبحس عال من المسؤولية"، ولم تدخر جهدا في لفت انتباه الجانب الإماراتي إلى العواقب التي قد تترتب على سلوكياته.

وأضافت أن أبوظبي، رغم "التحذيرات العديدة"، واصلت تلك التصرفات التي قالت إنها بلغت حدا لم يعد من الممكن معه اعتبارها "مقبولة أو قابلة للتحمل" في إطار العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة.

وبناء على ذلك، أعلنت الحكومة الجزائرية استنفادها "جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية"، قبل اتخاذ قرار قطع العلاقات الدبلوماسية.

وأكدت رويترز مضمون القرار، مشيرة إلى أن الجزائر استدعت السفير الإماراتي وأبلغته رسميا بالقرار، ومنحته مهلة 48 ساعة للامتثال له. ولم يصدر، حتى وقت إعداد التقرير، رد إماراتي رسمي مباشر على قرار القطيعة.

قرار لم يأت من فراغ

ولا تبدو القطيعة قرارا مفاجئا أو وليد تطور واحد، إذ شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية خلال السنوات الماضية تراجعا متدرجا، تخللته رسائل سياسية حادة وإجراءات عملية عكست اتساع فجوة الثقة بين الطرفين.

وكانت الجزائر قد بدأت في فبراير/شباط 2026 إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات في أبوظبي عام 2013، في خطوة جاءت قبل قرار قطع العلاقات بأشهر، وعكست بوضوح تدهور مستوى التعاون الثنائي.

كما كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد تحدث في وقت سابق عن وجود دولة خليجية واحدة تشهد العلاقات معها توترا، في مقابل وصفه العلاقات مع السعودية والكويت وعُمان وقطر بأنها "أخوية"، في إشارة فهمت على نطاق واسع بأنها تتعلق بالإمارات. ووفقا لرويترز، اتهم تبون الدولة الخليجية غير المسماة بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر والسعي إلى زعزعة استقرارها.

وفي يوليو/تموز الماضي، تصاعدت حدة الخطاب في الإعلام الجزائري تجاه أبوظبي، مع اتهامات لها باستهداف الجزائر عبر حملات إعلامية ومعلومات مضللة، وسط حديث عن أن العلاقات تتجه نحو القطيعة.

وهكذا، فإن القرار المعلن الخميس يبدو تتويجا لمسار تصعيدي طويل، انتقل تدريجيا من الخلاف السياسي إلى إجراءات في قطاعات محددة، وصولا إلى القطيعة الدبلوماسية الكاملة.

الخلاف أكبر من الصحراء الغربية والتطبيع

وفي قراءة لخلفيات القرار، قال الخبير الأمني الجزائري المنشق عن النظام، كريم مولاي، في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، إن قرار قطع العلاقات "جاء متأخرا نوعا ما" بالنظر إلى مسار التدهور المتواصل بين البلدين.

ويرى مولاي أن اختزال الخلاف في الموقف من الصحراء أو علاقة الإمارات بالمغرب، أو حتى في ملف العلاقات مع إسرائيل، لا يفسر وحده حجم التصعيد الذي انتهى إلى القطيعة.

ويشير إلى أن الجزائر تتعامل مع دول أفريقية لها علاقات مع إسرائيل، مستشهدا بتشاد، وبالتالي فإن الخلاف مع الإمارات، من وجهة نظره، يتصل بحسابات أوسع تتعلق بالنفوذ والأمن الإقليمي.

وتتقاطع بالفعل مصالح الجزائر والإمارات في عدد من الملفات الإقليمية. فالجزائر تعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بينما أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع تل أبيب في إطار اتفاقات أبراهام عام 2020، في الوقت الذي تقف فيه الجزائر والإمارات أيضا على طرفي نقيض في ملف الصحراء؛ إذ تدعم الجزائر جبهة البوليساريو، بينما تدعم الإمارات الموقف المغربي بشأن السيادة على الإقليم.

الساحل.. ساحة صراع نفوذ

لكن مولاي يرى أن العامل الأكثر حساسية يتمثل في منطقة الساحل. وبحسبه، فإن أبوظبي تعمل على محاصرة الموقف الجزائري في دول الساحل، وتحديدا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي منطقة تعتبرها الجزائر امتدادا مباشرا لأمنها القومي ومجالا حيويا لنفوذها الدبلوماسي والأمني.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، بعد سلسلة الانقلابات العسكرية وتراجع النفوذ الفرنسي والغربي، وصعود أدوار إقليمية ودولية جديدة.

وتقول تقارير إعلامية إن مصالح الجزائر والإمارات باتت تتقاطع بصورة متزايدة في الساحل، حيث وسعت الإمارات علاقاتها مع عدد من حكومات المنطقة، في وقت تدهورت فيه علاقات الجزائر مع بعض جيرانها الجنوبيين بعد سلسلة الانقلابات العسكرية.

وبالنسبة إلى الجزائر، لا يتعلق الأمر بمجرد تنافس على النفوذ السياسي، وإنما بمنطقة جغرافية ترتبط مباشرة بأمنها الحدودي، خصوصا في ظل اتساع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة وتغير خرائط التحالفات في غرب أفريقيا.

ومن هنا، فإن أي حضور إقليمي منافس في هذه المنطقة، برأي مولاي، يمكن أن تنظر إليه الجزائر باعتباره قضية أمن قومي، لا مجرد اختلاف في السياسة الخارجية.

النيجر.. محطة أخرى في مسار الخلاف

ويربط مولاي بين التصعيد الجزائري الإماراتي وبين التطورات الأخيرة في النيجر، معتبرا أن موقف الجزائر من الأزمة هناك يمثل مؤشرا على تحولات أوسع في مقاربتها للملفات الإقليمية.

ويرى أن الجزائر باتت أكثر تشددا في الدفاع عن مجالها الحيوي، وأقل استعدادا للتعامل مع ما تعتبره تدخلا خارجيا في محيطها الإقليمي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تأكيدات رسمية جزائرية حديثة على رفض التدخلات الخارجية في الأزمات العربية والإقليمية. ففي القاهرة، قال وزير الخارجية أحمد عطاف، في 7 سبتمبر/أيلول، إن الجزائر متمسكة بأن تكون حلول أزمات الدول العربية "وطنية وجامعة" وبعيدا عن التدخلات الخارجية.

كما شاركت الإمارات في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في القاهرة في 8 سبتمبر/أيلول، أي قبل يومين فقط من إعلان الجزائر القطيعة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، وجود علاقة سببية مباشرة بين اجتماع القاهرة وقرار القطيعة، لكنه يضع القرار في سياق دبلوماسي إقليمي شديد الحساسية، تتقاطع فيه مواقف البلدين بشأن عدد من الملفات.

هل دخلت الجزائر مرحلة جديدة في سياستها الخارجية؟

يرى مولاي أن التطورات الأخيرة تعكس "تحولات كبيرة" في موقف الجزائر من التطورات الإقليمية، وأن الانتقال من سياسة التحذير والاحتواء إلى قطع العلاقات يمثل مؤشرا على استعداد الجزائر لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة عندما ترى أن مصالحها الأمنية والاستراتيجية باتت مهددة.

وهذه النقطة تبدو مهمة لفهم القرار؛ فالبيان الجزائري لم يقدم القطيعة بوصفها ردا على حادثة منفردة، بل تحدث عن تراكم من التصرفات، وعن تحذيرات سابقة، وعن استنفاد جميع السبل للحفاظ على العلاقات.

وبعبارة أخرى، فإن الرسالة الجزائرية الأساسية هي أن القطيعة جاءت، بحسب الرواية الرسمية، بعد فشل المسار الدبلوماسي وليس باعتبارها خيارا أوليا.

من "اللعب الخطير" إلى القطيعة

ويعيد القرار إلى الواجهة تصريحات سابقة للرئيس تبون بشأن ما وصفه بـ"اللعب الخطير" لبعض الأطراف الخليجية تجاه الجزائر، وهي تصريحات جاءت في سياق تصاعد الاتهامات الجزائرية بوجود محاولات للتأثير في الوضع الداخلي للبلاد.

وكانت وسائل إعلام جزائرية قد نشرت خلال الأشهر الماضية اتهامات للإمارات بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، في حين لم تقدم السلطات الجزائرية آنذاك كل التفاصيل التي قالت إنها تقف وراء تلك الاتهامات.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية الآن، بعدما انتقل الموقف رسميا من التحذير السياسي إلى قطع العلاقات.

ماذا عن إسرائيل والمغرب؟

يبقى ملف العلاقات الإماراتية الإسرائيلية والموقف من المغرب أحد عناصر الخلاف، لكنه ليس العامل الوحيد. فالجزائر تنظر إلى قضية الصحراء باعتبارها قضية تصفية استعمار وحق تقرير مصير، بينما تدعم الإمارات الموقف المغربي بشأن الإقليم. وفي المقابل، تعارض الجزائر تطبيع العلاقات مع إسرائيل، في حين أن الإمارات أقامت علاقات رسمية مع تل أبيب في 2020.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن البلدين يقفان على طرفي نقيض في هذه الملفات، فضلا عن تنافسهما المتزايد على النفوذ في الساحل.

لكن قراءة مولاي تذهب أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن التركيز على الصحراء أو إسرائيل وحدهما يحجب جوهر الصراع، المتمثل في إعادة تشكيل موازين القوة في شمال أفريقيا والساحل.

قضية "رينا".. ملف منفصل أم جزء من المناخ المتوتر؟

وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة، أشار مولاي أيضا إلى قضية المؤثرة الجزائرية المعروفة باسم "رينا"، القادمة من الإمارات، وما رافق ملفها من تطورات أمنية وقضائية في الجزائر.

وبحسب المعلومات التي أوردتها مصادر إعلامية جزائرية، فقد داهمت الشرطة القضائية ومصالح الأمن منزل عائلة "رينا" في إطار التحقيقات المرتبطة بقضية صديقتها، الإعلامية والمؤثرة حفصة محيو، الموجودة رهن الحبس المؤقت.

وتقول تلك التقارير إن التفتيش استهدف البحث عن أجهزة إلكترونية وأدلة يمكن أن تفيد التحقيق، بينما تعذر توقيف "رينا" أو الاستماع إليها مباشرة لوجودها خارج الجزائر.

أما قضية حفصة محيو، فتتعلق، وفق ما أوردته التقارير المتداولة، بشبهات تشمل النصب والاحتيال عبر منصات التواصل الاجتماعي ومخالفات مرتبطة بالمعاملات الرقمية والمالية ونشر محتوى تعتبره السلطات مخالفا للقانون.

غير أن هذه القضية لا يوجد، في المعطيات المتاحة، ما يكفي لاعتبارها جزءا من أسباب قرار قطع العلاقات مع الإمارات. ولذلك فإن إدراجها في سياق التقرير يظل مرتبطا بالمناخ الأمني والسياسي العام، لا باعتبارها دليلا على صلة مباشرة بين الملف القضائي والقطيعة الدبلوماسية.

ماذا بعد القطيعة؟

عمليا، ستؤدي القطيعة، وفق مولاي، إلى إعادة صياغة العلاقات بين البلدين على مستويات عدة، دبلوماسية وقنصلية واقتصادية، فيما ستصبح القنوات الرسمية المباشرة بين الجزائر وأبوظبي محدودة للغاية.

كما أن القرار يفتح الباب أمام إجراءات مقابلة محتملة من الجانب الإماراتي، سواء على المستوى الدبلوماسي أو في ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والنقل.

وكانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد شملت عددا من الاتفاقيات، بينها اتفاقيات في مجالات الاستثمار والنقل والتعاون الجمركي والطاقة، وهو ما يجعل القطيعة ذات تداعيات تتجاوز الجانب السياسي البحت. وتعرض وزارة الخارجية الإماراتية ضمن قائمة اتفاقياتها مع الجزائر اتفاقيات للتعاون القانوني والقضائي والاستثمار والنقل الجوي والبحري وغيرها.

ومن المنتظر كذلك أن يكون لقرار القطيعة تأثير على المواطنين ورجال الأعمال وحركة السفر والتعاون القنصلي، بحسب طبيعة الإجراءات التي سيتخذها الطرفان خلال المرحلة المقبلة.

أبوظبي تلتزم الصمت حتى الآن

ولم يصدر حتى وقت إعداد هذا التقرير رد إماراتي مباشر على إعلان الجزائر قطع العلاقات. وكانت وزارة الخارجية الإماراتية قد أصدرت في 8 سبتمبر/أيلول بيانا قالت فيه إن الحكومة لا تعلق على التقارير الإعلامية أو التكهنات بشأن محادثات قادة الحكومات، كما أكدت تركيزها على خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اليوم التالي، شاركت الإمارات في بيان مشترك مع مصر وقطر والأردن وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية بشأن التطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية. ولا يتضمن أي من هذه البيانات، حتى الآن، ردا علنيا على قرار الجزائر.

قطيعة تتجاوز الخلاف الثنائي

وفي المحصلة، يبدو أن قرار الجزائر قطع العلاقات مع الإمارات يمثل انتقالا من مرحلة التوتر المتراكم إلى مرحلة القطيعة الرسمية، بعد سنوات من تباين المواقف بشأن المغرب والصحراء الغربية وإسرائيل، واتساع التنافس على النفوذ في منطقة الساحل.

وبينما تقدم الجزائر القرار باعتباره نتيجة "تصرفات استفزازية أو عدائية" واستنفادا لكل الوسائل الدبلوماسية، يرى كريم مولاي أن جذور الأزمة أعمق، وأنها ترتبط بصراع على النفوذ والأمن الإقليمي يمتد من المغرب العربي إلى الساحل.

وبذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بما إذا كانت العلاقات الجزائرية الإماراتية قد وصلت إلى القطيعة، فهذا أصبح أمرا واقعا، وإنما بما إذا كانت هذه القطيعة ستبقى محصورة في الإطار الدبلوماسي، أم ستتحول إلى مواجهة سياسية وإقليمية أوسع، خصوصا في ظل تشابك مصالح البلدين في ملفات الساحل والمغرب والصحراء الغربية والشرق الأوسط.

وفي كل الأحوال، فإن منح السفير الإماراتي مهلة 48 ساعة يؤكد أن الجزائر أرادت أن تبعث برسالة واضحة بأن مرحلة التحذيرات والرسائل غير المباشرة انتهت، وأنها دخلت مرحلة جديدة في إدارة خلافها مع أبوظبي.