بقلم: د. هاني الروسان
يبدو الان أن ليس هناك من شيء أصعب على حركة فتح من الانتخابات، إلا أن تتراجع عنها. فإن كان دخولها اختبارًا قد ينطوي على احتمال أن يكشف عن حجم التآكل الذي أصاب قدرتها على تحويل ثقلها التاريخي إلى أصوات، فإن التراجع عنها إلغاءً أو تأجيلًا، قد يظهرها وكأنها عاجزة عن تحمل الاختبار أصلًا. وعلى أساس افتراض من هذا القبيل، فإن فتح تتحرك اليوم في مساحة ضيقة، حيث انتخابات حُدد موعدها، وواقع تغير كثيرًا منذ آخر انتخابات تشريعية جرت قبل نحو عقدين. ولذا فإن السؤال هنا ليس إن كانت فتح تخشى الانتخابات، وإنما كيف تحول دون أن تجعلها أداة لكشف العجز، ومن دون أن تجعل تأجيلها دليلًا على هذا العجز؟
فالخطر الأول لا يأتي من تيار الإصلاح الذي يتزعمه القيادي دخلان، ولا من حماس التي يُعاد تأهيلها، ولا من أي تحالف محتمل بينهما أو مع غيرهما، لأن الخطر الأكثر مباشرة هو أن تدخل فتح المعركة ولم تحسم بعد طريقتها في خوضها . فالانتخابات لا تكافئ ضرورة التنظيم الأكبر، وإنما الذي يستطيع أن يجمع أصواته في اتجاه واحد.
وهذه نقطة جوهرية في حالة فتح، لأن الحركة ليست مجرد حزب يخوض منافسة انتخابية، بل لأنها حركة تاريخية تحولت إلى مركز النظام السياسي والسلطة. ولذلك، فإن المشكلة ليست أيضًا في وجود خلافات بداخلها، إذ لا توجد حركة سياسية كبيرة بلا خلافات، ولكن المشكلة هي في قدرتها على تحويل هذه الخلافات إلى تسوية قبل أن تتحول إلى منافسة انتخابية.
وهنا الفرق كبير بين أن يختلف الفتحاويون داخليا وبين أن يخرج الخلاف على شكل قوائم متنافسة لاستقطاب القاعدة نفسها. وهنا تحديدًا ينبغي استعادة تجربة 2021، التي أظهرت شيئًا لا تستطيع الحركة تجاهله، وهو أن البيئة الانتخابية الفتحاوية كانت قابلة للانقسام، وأنه كان هناك أكثر من مركز قادر على مخاطبة نفس الناخب.
وعليه، فإن انتخابات 2026 قد تشهد نفس الظاهرة، لأن السنوات التي مرت منذ ذلك الحين كانت سنوات حرب وانقسام وضغط إسرائيلي ودولي وتراجع نسبي للثقة بالمؤسسات الفلسطينية. ثم إن المنافسة لم تعد محصورة في الثنائية التقليدية، فتح وحماس. فالاتصالات التي جرت أخيرًا بين قوى فلسطينية مختلفة، بما فيها الجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وتيار الإصلاح الديمقراطي وحماس والجهاد الإسلامي، تشير إلى أن احتمال تشكيل صيغ انتخابية أوسع لم يعد افتراضًا نظريًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا لفتح: فإذا كان خصومها يستطيعون جمع المتفرقين، فهل تستطيع هي جمع نفسها؟ طبعًا الإجابة هنا لا تتعلق ببعض الترقيعات، لأن ما تحتاجه قبل الانتخابات هو تسوية داخلية تحدد قواعد اللعبة التنظيمية.
فاليوم بات مطلوبًا الانتقال من مرحلة إعادة ترتيب البيت التنظيمي إلى مرحلة بناء القدرة الانتخابية. وهذا يتطلب آلية استثنائية لاختيار المرشحين، تقوم على معادلة: من يستطيع أن يفوز؟ ومن يمثل فتح سياسيًا؟ والأهم: هل يقبل الجميع بالنتيجة ويلتزمون بها، أم أن من يُستبعد من قائمة ما مثلا سيبحث عن قائمة أخرى؟
هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن تتحول الانتخابات من مشكلة لفتح إلى فرصة. فإذا استطاعت أن تجعل عملية اختيار مرشحيها جزءًا من إعادة بناء العلاقة بين القيادة وقواعدها، فإنها ستدخل الانتخابات وهي أكثر تماسكًا. أما إذا تعاملت معها باعتبارها قرارًا مركزيًا يوزع الترشيحات، فإن احتمال إعادة إنتاج مشكلة 2021 سيبقى قائمًا.
بيد أن إدراك فتح لخطورة الدخول إلى الانتخابات في ظل هذا الوضع لا ينبغي أن يقودها إلى التعامل معها بوصفها مشكلة. فالانتخابات استحقاق لا يمكن التعامل معه بمنطق الهروب منه، كما لا يمكن معالجة خوفها منه بإلغائه. فبعد تحديد موعد الاقتراع، يصبح السؤال الملح هو كيف تدخل فتح هذه المعركة وهي أكثر قدرة على خوضها، لا كيف تتجنبها.
فإذا دخلت الحركة وهي عاجزة عن استعادة زمام المبادرة داخل الساحة الفلسطينية، فإن خسارتها الانتخابية لن تكون مجرد خسارة صورة، بل قد تكشف عن تراجع قدرتها على قيادة النظام السياسي. وفي المقابل، فإن تأجيل الانتخابات من دون اتفاق وطني واضح سيضعها أمام خسارة من نوع آخر، إذ سيُقرأ على أنه عجز عن اعادة إنتاج الشرعية عبر صندوق الاقتراع، ولذلك فإن أصبح التأجيل ضروريًا لأسباب ما، فانه يجب أن يكون جزءًا من صفقة وطنية متكاملة تقوم على حوار شامل.
وهنا يمكن أن يتحول ما يبدو نقطة ضعف إلى مدخل للحل، إذا نُظر للانتخابات على أنها ليست مجرد يوم اقتراع، بل هي جزء من إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني، الذي لن يتم هو الآخر إذا بقيت فتح تتعامل مع جمهورها باعتباره جمهورًا مضمونًا، وهذه ربما أصعب مشكلات الحركة كلها.
فالتاريخ يمنح فتح رصيدًا، لكنه لا يمنحها أصواتًا إلى الأبد. والسلطة تمنحها موقعًا، لكنها تحملها في الوقت نفسه مسؤولية الأداء العام. ولذلك، فإن الناخب لن يصوت في 2026 فقط لمن قاد الثورة أو أسس السلطة، بل لمن يعتقد أنه قادر على إخراج النظام السياسي من أزمته. وهنا ربما تكمن المسألة الأهم التي ينبغي أن تواجهها فتح قبل الانتخابات: ليس فقط كيف تختار مرشحيها، وإنما ماذا ستقول للفلسطينيين الذين تطلب أصواتهم.
فالحركة تحتاج إلى إعادة بلورة برنامجها الوطني بما يستجيب لأسئلة الواقع الجديد، ويحدد بوضوح ماذا تريد أن تفعل تجاه غزة، وإعادة بناء منظمة التحرير، ومشروع الضم والاستيطان، ومستقبل السلطة، بدل الاكتفاء بالدفاع عن عناوين باتت تحتاج هي الأخرى إلى إعادة تقديمها وربطها بحياة الفلسطينيين وتطلعاتهم.
لكن البرنامج وحده لا يكفي، ففتح تحتاج كذلك إلى مراجعة خطابها، والتخلي عن لغة التحدي والتهكم والإملاء، وعن افتراض أن الناخب لا يرى إلا ما تراه القيادة. فالوعي الفلسطيني ليس سياسيًا وعقلانيًا فقط، وإنما يتداخل فيه الوجدان والذاكرة والتجربة اليومية والأمل والخوف. ومخاطبة هذا الوجدان لا تعني المزايدة العاطفية، وإنما الاعتراف به وفهمه واحترامه. لذلك تحتاج فتح إلى خطاب أكثر هدوءًا وصبرًا، يفتح الحوار بدل أن يغلقه، ويشرح بدل أن يأمر، ويقنع بدل أن يفترض أن القاعدة ستصوت بحكم التاريخ.
وهذا يعيدنا إلى البداية. ففتح لا تحتاج إلى أن تصبح حركة أخرى كي تفوز، لكنها تحتاج إلى أن تدخل الانتخابات وهي تعرف ماذا تريد أن تقدم للفلسطينيين، وكيف ستخاطبهم، ولماذا تريد منهم أن يمنحوها أصواتهم. فإذا نجحت في ذلك، تصبح الانتخابات مخاطرة طبيعية في الحياة السياسية، حتى لو لم تحصل على الأغلبية. أما إذا دخلتها من دون هذه المراجعة، فقد تخسر أكثر من مقاعد البرلمان، وإذا ألغتها أو أجلتها بلا بديل، فقد تخسر الجانب الآخر من المعادلة: شرعيتها الوطنية والعربية والدولية.
استاذ الاعلام في جامعة منوبة
حتى لا تخسر فتح مرتين
2026-09-13

