بقلم: سمير الزين
النكبة التي وقعت للفلسطينيين بإقامة دولة إسرائيل على أرضهم، وطردهم منها، كانت التحوّل الأكبر والمحاولة الأولى لتفكيك الشعب الفلسطيني وإخفائه عن الخريطة، فلم يعد الوجود الفلسطيني بعدها كما كان قبلها، وإذا كان الفلسطينيون قد امتلكوا حيزهم الجغرافي، حتى في غضون الانتداب البريطاني، فإنّ إقامتهم على أرضهم جعلتهم شعباً ينتمي إلى المكان، حتى ولو لم تكن الوطنية الفلسطينية، بالمعنى الحديث للكلمة، قد ترسّخت، بعد الخروج من سطوة الاحتلال العثماني إلى الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، حيث كانت فلسطين جزءاً من بلاد الشام، التي قسّمتها الإدارات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية إلى سورية وفلسطين ولبنان والأردن، حيث وقعت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني.
وإذا كانت اتفاقات سايكس بيكو قد مزقت جغرافيا المنطقة حسب المصالح الاستعمارية، فقسّمت بلاد الشام إلى دول أصغر، فإنّ إقامة دولة إسرائيل مزّق الشعب الفلسطيني، إذ جرى اقتلاعه من أرضه، لتأسيس "دولة يهودية"، ليس الآخرون جزءاً منها، ما أوجب اقتلاع "الأغيار"، وطردهم إلى دول الجوار. فقد هذا الشعب الوعاء الجغرافي الذي احتضنه قبل النكبة، فتوزع اللاجئون الفلسطينيون، على دول الجوار، سورية ولبنان والأردن وبقايا فلسطين التي لم تحتلها إسرائيل، الضفة الغربية وقطاع غزّة، وبقي جزء في إسرائيل، وأعداد قليلة ذهبت إلى دول أخرى مثل العراق ومصر.
كان أحد أهداف الصهيونية من الطرد العمل على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم مع الوقت، على أن يصبحوا شيئاً آخر، فقد رغبت إسرائيل أن "يموت الكبار والصغار سينسون"، وهو قول يُنسَب إلى غولدا مائير. لكن هذا التمني الإسرائيلي لم يحصل في الواقع التاريخي. فقد عمل الاقتلاع نفسه على بلورة الوطنية وتوحيد الشعب الفلسطيني أكثر من أي وقت سابق. ويمكن اعتبار النكبة المكوّن الأساسي للوطنية الفلسطينية الحديثة، والتي لم تقف عند توحيد الفلسطينيين بوصفهم ضحايا المشروع الصهيوني نفسه، بل عملت تجمعات الشعب الفلسطيني على تعزيز الانتماء إلى فلسطين بالعمل على العودة إلى الخريطة السياسية في المنطقة بعد محاولة إلغائهم، ليس من خلال استمرار انتماء الأجيال الجديدة من خلال حكايات الأمهات فحسب، بل بإعادة اختراع فلسطين في المنافي بتحوّل الفلسطينيين أنفسهم إلى "بلاد تتنقل" حسب وصف إلياس صنبر الموفق. ولم تكتفِ المخيمات بالتحول إلى امتداد لفلسطين، بل جرى العمل على تأسيس البنى المؤسّسية الجامعة لهذا الشعب، من خلال تأسيس منظمة التحرير التي شكلت الوطن المعنوي للفلسطينيين، وهي المؤسّسة التمثيلية التي أعادت الفلسطينيين إلى الخريطة السياسية في المنطقة، بعد أن كان الآخرون من يتحدّث باسمهم، وأصبحوا يمثلون أنفسهم، وأصبحت المنظمة الممثل الشرعي والوحيد. وأضاف الفلسطينيون صفة الوحيد دائماً، خوفاً من إلغاء جديد، بعد تجربة غياب سياسي مريرة عاشوها بعد الاقتلاع من البلاد.
لم تكن هذه الولادة الجديدة سهلة، فقد تعرّضت لمخاطر من جهات كثيرة، وكان على الفلسطينيين أن يجدوا الصيغة الإبداعية للوجود في ظل المخاطر التي لا تنتهي. وفي هذا الوضع الصعب، والعيش في منافي دول متعددة، خاض الفلسطينيون الصراع ليس على وطنهم وحقهم في تقرير مصيرهم فحسب، بل من أجل إعلان الوجود نفسه ليكون الشعب الفلسطيني حاضراً في تاريخ المنطقة، بل كان عليه أن يعيد بناء مشروعه الوطني في ظل هذه الأوضاع المركبة والمعقدة. وهذا المشروع الذي ولد في ظل واقع دولي وإقليمي ووطني معقد، كان وطنياً في مواجهة مشروع إلغائي، والوجود على الخريطة السياسية كمشروع وطني، يجب أن يتجسّد، في نهاية المطاف، على جغرافيا فلسطين، وليس أي مكان آخر من هذا العالم. ولأنّ المشروع الوطني للضحايا نقيض لمشروع الجلاد المستعمر، أدركت إسرائيل مخاطر المشروع الوطني، بوصف الفلسطينيين الذين عادوا إلى الخريطة السياسية في المنطقة، هم مشروع نقيض، يعيد التذكير بالجريمة الكبرى التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين لإقامة دولتها على أنقاض وطنهم، هذا الوطن الذي لا يكلّ ولا يملّ الفلسطينيون من المطالبة به بوصفه حقهم ومكان تقرير مصيرهم. فكان الرد الإسرائيلي تاريخياً، بدل الاعتراف بالجريمة. وبالتالي؛ الاعتراف بحق الفلسطينيين في وطنهم، استمرت إسرائيل في محاولات القضاء على منظمة التحرير بوصفها الممثل للفلسطينيين، وتفكيك الوجود الفلسطيني في كل مكان. من خلال الاستيطان في الضفة الغربية ومحاصرة الوجود الفلسطيني هناك، ومن خلال ملاحقة الفلسطينيين في كل مكان كما في الحرب المستمرة ضدهم، والتي بدأت عندما كان الوجود الفلسطيني في الأردن مروراً بالحرب على الوجود الفلسطيني في لبنان، وصولاً إلى حرب الإبادة على قطاع غزة. ولم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل عملت على اغتيال الشخصيات الفلسطينية المؤثرة، فاغتالت، العديد من القيادات في لبنان، مثل أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر وغسّان كنفاني وغيرهم، وفي أوروبا اغتالت شخصيات كثيرة، مثل ماجد أبو شرار ووائل زعيتر ومحمود الهمشري وغيرهم. وذهبت وراء خليل الوزير (أبو جهاد) إلى تونس بوحدات عسكرية لتغتال هذا الرجل الذي اعتبرته يقود الانتفاضة الأولى في منزله في تونس.
لم تنجح المحاولة الإسرائيلية في 1948 في تفكيك الشعب الفلسطيني وإلغائه من الخريطة السياسية، وأعاد بناء ذاته، وعاد إلى الخريطة. في العقود السابقة، حاولت إسرائيل القضاء على العنوان السياسي له، ولم تستطع. والحرب التي تشنّها إسرائيل اليوم على الفلسطينيين لم تعد تستهدف العنوان السياسي لهذا الشعب، بل هي تعمل مرة أخرى على تفكيك الشعب وإلغائه مرة أخرى من الخريطة السياسة. لذلك تشكل حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزّة والعمل على ترحيل الغزّيين خارجها، والعمل على تغيير الوقائع في الضفة الغربية، وحصار الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل، وفي ظل واقع دولي وإقليمي في غاية الرداءة للفلسطينيين، ما جعل المحاولة الإسرائيلية الجديدة لتفكيك الشعب الفلسطيني وإلغائه من الخريطة السياسية هي إعادة إنتاج لنكبة عام 1948 بوحشية أكبر.

