2026-09-10 02:47 ص

المأزق الفلسطيني ومعضلات التغيير

2026-09-09

بقلم: معين الطاهر
المأزق الفلسطيني ومعضلات التغيير، عنوانٌ مشتقٌ من ورشتين عُقدتا في الأيام القليلة الماضية، شاركتُ فيهما مع نخبة من الكتّاب والباحثين والسياسيين؛ عُقدت الأولى في إسطنبول، بدعوة من مركزي كارتر ومسارات، وحملت عنوان "حول معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة". والثانية نظمها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، عبر الفضاء الإلكتروني، عنوانها "الخروج من المأزق الفلسطيني". وقد جمع بينهما الاعتراف بأن ثمة مأزقاً فلسطينيّاً حاول المشاركون تبيان ملامحه، والبحث في كيفية الخروج منه، وهي سابقة لم نتعوّد عليها، إذ لم يسجل على قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف فصائلها، وتعدد مراحلها، وفي أحلك ظروفها، أن اعترفت بمواجهتها مأزقاً، ولم ينجز أيٌّ من الفصائل والتيارات مراجعة نقدية حقيقية لمسيرتها أمام منتسبيها وجمهورها.

كان محور ورشة مركز كارتر دراسة مستفيضة أعدها الباحث حسن أيوب، ونخبة من الباحثين، ونوقشت فصولها الخمسة في عدة ندوات في الضفة الغربية وغزّة، وشكّل لقاء إسطنبول امتداداً لهذه الحوارات، تمهيداً للوصول إلى خلاصاتها النهائية. وتدور فرضيتها الرئيسة حول سُبل كسر احتكار حركتي حماس وفتح النظام السياسي الفلسطيني، عبر البحث عن تيار ثالث قد يُحدِث تأثيراً في المعادلة القائمة. تميل الدراسة إلى القول إن "اليسار (الفلسطيني) هو الذي يملك أرضية فكرية وبرامجية لفكرة التيار الثالث"، على الرغم من أنه "لا يملك القاعدة الاجتماعية، والتماسك التنظيمي، ليكون النواة الوحيدة". ويبدو أن مصدر هذا الاستنتاج أن اليسار يمتلك نظريّاً خلفية فكرية مختلفة عن كلا الاتجاهين، ولم ينتبه النص إلى أن اليسار يعاني من الأزمة نفسها التي تعانيها الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو جزء من مشكلتها، وقدرته التمثيلية محدودة، وقد فشل في الاتحاد على برنامج يضم طيفه السياسي والفكري، ومعظم فصائله غطّت قرارات السلطة الفلسطينية وعجزها، ومنحت قيادة منظمة التحرير الشرعية اللازمة، وإن بدت لفظياً في موقع المعارضة.

مياه كثيرة جرت في النهر منذ البدء بالعمل على الدراسة التي امتدت أكثر من ثلاثة أعوام، ولعل المتغيّرات التي ألمّت بالساحة الفلسطينية خلال فترة إعداد الدراسة منذ عملية طوفان الأقصى وحرب الإبادة الجماعية، قد حوّلت سؤال العمل على إيجاد تيار ثالث يكسر الاحتكار المهيمن على الحالة السياسية إلى فرضية أكثر شمولاً: كيف يمكن تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية أو إعادة بنائها؟ أغلب فصائل الحركة الوطنية (مع الاحترام والتقدير لتاريخها المجيد) تراجع دورها، وضعف تأثيرها، وباتت جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحل، الأمر الذي يضعنا أمام مرحلة جديدة تتطلب تجديد المشروع الوطني ببرامجه وأدواته.

وذهبت ورشة مركز الزيتونة باتجاه البحث في المأزق الفلسطيني الحالي، وكيفية الخروج منه؛ إذ شاركت فيها عشر شخصيات لها إسهاماتها المعتبرة في الشأن الفلسطيني، واختزل نصفها المأزق الفلسطيني في مسألة الانتخابات، والمشاركة فيها، وشروط عقدها وضمان نزاهتها، ورأى بعضهم أنها قد تكون بوابة للتغيير. وهو ما يعبّر بجلاء عن عمق الأزمة في الساحة الفلسطينية، وهذا ما سيحاول المقال التطرق إليه بإيجاز، على أمل العودة إليه في سياقات لاحقة.

في هذه المرحلة، نحصد الجوانب الإيجابية لمعركة طوفان الأقصى، منها مثلًا الصمود الأسطوري، والحراك الشعبي في الخارج، أما التداعيات السلبية فتتمثل في الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على قطاع غزّة، والوضع غير الإنساني، وتوسّع الاحتلال، ومخاطر التهجير، وصولاً إلى الوصاية السياسية والإدارية والقانونية والأمنية لمجلس السلام، التي كرست فصل غزة عن الضفة الغربية، وأدت إلى موافقة (فصائل المقاومة) على نقاط نيكولا ملادينوف الخمس عشرة، بما فيها مبدأ نزع سلاح المقاومة، وهو ما بُرِّر بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، ومحاولة وقف حرب الإبادة المستمرّة، وما يتطلبه ذلك من تغيير في برامجها وأدواتها لمنع تصفيتها وعزلها، وسعيها إلى البقاء بوصفها حركة سياسية اجتماعية، وتحوّل أولوياتها إلى المساهمة في البناء وإعادة الإعمار، والصمود ضد التهجير.

في الضفة الغربية، تغوّل الاستيطان، وأصبح الضم واقعًا، وازدادت مخاطر التهجير، وتعمّق الانقسام الفلسطيني بعد موقف السلطة السلبي، وتخليها عن دورها خلال حرب الإبادة الجماعية، وتراجع دور السلطة الفلسطينية التي باتت سلطة لإدارة السكان تحت الاحتلال، ومرتهنة لشروطه وإرادته، وسط مخاوف جدّية من تفكيك الجغرافية الفلسطينية.

الانتخابات من أدوات العمل السياسي، ومن غير الممكن أن يؤدي صندوق الانتخابات إلى تغيير الدور الوظيفي لسلطة تحت الاحتلال؛ فالمجلس التشريعي هو مجلس لسلطة تدير السكان تحت الاحتلال وفق شروطه، وحدود التغيير والرقابة في داخله محكومة بوظيفة السلطة ذاتها، ووجود كتلة معارضة يفيد في التحريض، والدعاية السياسية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الخدمات، ومقاومة تغيير المناهج، لكن من دون الوقوع في وهم تغيير النظام السياسي برمته. وفي ظل الأزمات الداخلية وتراجع منسوب التأييد الشعبي، تزداد المؤشرات إلى ميل السلطة إلى تأجيل (إلغاء) انتخابات المجلس التشريعي، والاستعاضة عنها بالمجلس الوطني الذي يُعيَّن وفقًا لأهوائها، بعد التراجع عن قرار حل المجلس التشريعي السابق، وضم من تبقى حيًّا أو طليقًا من أعضائه إلى الأعضاء المعينين (68 من الداخل و150 من الخارج)، بذريعة أن منظّمة التحرير هي صاحبة الولاية السياسية، وأن مجلسها الوطني هو السلطة التشريعية العليا، وبذلك تضمن الأغلبية المطلقة، وتعود إلى الهيمنة على القرار السياسي، وتنتفي الحاجة إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.

يقع الخلط في الأدبيات الفلسطينية بين المشروع الوطني والبرامج السياسية والوسائل والأدوات النضالية المستخدمة لتحقيقها؛ تارة يصبح البرنامج، مثل حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة، هو المشروع الوطني، وتارة تحلّ الأداة النضالية، مثل الكفاح المسلح أو الانتفاضة الشعبية، محل المشروع والبرنامج معًا. على المشروع الوطني أن يتسم بالثبات، والارتباط بالسردية التاريخية للشعب الفلسطيني وحقه في وطنه كله، نقيضاً كاملاً للرواية الصهيونية. وهو يفقد صفته الوطنية إذا كان تعبيراً عن تطلعات جزء من الشعب الفلسطيني. وإذا كان المشروع الوطني ثابتًا، فإن البرامج السياسية قابلة للتطوّر والتعديل والتغيير. وينطبق الأمر نفسه على وسائل النضال وأدواته التي تحوّل بعضها، مثل الكفاح المسلح، إلى برنامج، واكتسب ثوباً من القداسة حوّلته إلى مشروع وطني، وأصبح في الميثاق الوطني (1968) الطريق الوحيد للتحرير. المقاومة حق مشروع بأشكالها المختلفة، بما فيها العمل المسلح، ووجود الاحتلال والظلم يولد مقاومة، لكن شكل المقاومة تفرضه عوامل مختلفة، وقد يتحد أكثر من شكل في الزمان والمكان نفسيهما.

في ضوء هذه التحدّيات، هل ثمة استراتيجية وطنية ينبغي التوافق عليها، والاتحاد حولها، للخروج من الحالة الفلسطينية الراهنة؟ يرى الكاتب أنها يجب أن تُبنى على النقاط التالية: الصمود داخل الأرض المحتلة (قطاع غزّة، والضفة الغربية، والداخل الفلسطيني)، ومقاومة الاحتلال، والضم، والتهجير، وسياسات الأبارتهايد الصهيوني. ... دعم الصمود، وهذا يستدعي العمل على ثلاث جبهات؛ فلسطين المحتلة كلها، لرسم سياساتٍ تساهم في الصمود، وفلسطينيو الشتات، لدعم صمود أهلهم وإيجاد أدوات مختلفة لتعزيز التكافل الاجتماعي، ودعم المؤسسات الرديفة، والمجتمع الدولي. ... استمرار المقاومة بأشكالها المختلفة ضمن الإمكانات والظروف المتاحة، وبما يكفل مشاركة أوسع القطاعات فيها، وينتج "قوى وحوامل اجتماعية"، ويمنح المشروع الوطني القوة والقدرة على الاستمرار. ... تحويل الحراك الشعبي في الخارج إلى عمل سياسي مؤسّسي، لعزل إسرائيل عربيّاً ودوليّاً. ... بناء تيار وطني ديمقراطي تعدّدي، يعيد الاعتبار للحركة الوطنية الفلسطينية، ويمتد ليمثل تجمعات الشعب الفلسطيني كلها، ضمن صيغ مناسبة تتيح امتداده في جميع أرجاء الوطن والشتات. ... إعادة بناء منظّمة التحرير على أساس ديمقراطي تعدّدي، لتعود كياناً سياسيّاً للشعب الفلسطيني كله، عبر مؤتمر تأسيسي تمثيلي واسع، ينتزع التمثيل ويسترد الشرعية.