بقلم: شفيق طاهر
تكشف الخطة التي نسبتها صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى رئيس حزب "يشار"، الجنرال السابق غادي أيزنكوت، قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، أن منافسته لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا تمثل انقلاباً على العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فكلاهما يريد الاحتفاظ بمناطق أمنية في غزة ولبنان وسوريا، وضمان حرية إسرائيل في مراقبة خصومها وضربهم. الاختلاف الحقيقي يتعلق بوظيفة القوة، نتنياهو يحول المكاسب العسكرية إلى سيطرة مفتوحة، بينما يريد أيزنكوت استخدامها كورقة لفرض ترتيبات سياسية برعاية أميركية. لذلكَ، فهو ليس حمامة في مواجهة صقر، بل جنرال يسعى إلى جعل الهيمنة أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار.
قوة قابلة للمقايضة
يرى أيزنكوت أن احتلال أرض الخصم لا ينبغي أن يصبح هدفاً دائماً، بل رافعة تُستبدل بضمانات ومناطق منزوعة السلاح. تبدو هذه المقاربة أكثر براغماتية من حرب نتنياهو المفتوحة، لكنها لا تتخلى عن التفوق الإسرائيلي أو حق تل أبيب المفترض في تحديد الترتيبات الأمنية داخل أراضي جيرانها.
في لبنان، لا يقل شك أيزنكوت في الجيش اللبناني عن شك نتنياهو. وتنسب إليه الصحيفة قبولاً مشروطاً بالانكفاء إلى حزام عمقه ثمانية كيلومترات، يراه كافياً لإبعاد صواريخ "حزب الله" المضادة للدبابات. كما يريد ضغطاً أميركياً وفرنسياً يدفع الجيش اللبناني إلى مواجهة الحزب، مع مراقبة تنفيذ الالتزامات.
الفارق هنا ليس بين انسحاب واحتلال، بل بين مساحة احتلال واسعة وأخرى محسوبة عسكرياً. وسيبقى جنوب لبنان أداة تفاوض، فيما يصبح دعم الدولة والجيش مشروطاً بالأولويات الإسرائيلية. كذلك، تتجاهل المقاربة أن سلاح "حزب الله" مرتبط بصراع أوسع يشمل الاحتلال والردع وإيران، ولا يمكن تفكيكه بمجرد الضغط على مؤسسة لبنانية تعاني انقسامات داخلية وقيوداً سياسية وعسكرية.
سوريا.. سيادة تحت الاختبار
في سوريا، ينظر أيزنكوت إلى أحمد الشرع باعتباره جهادياً في العمق، ويرفض انسحاباً إسرائيلياً واسعاً. وهو يتمسك بجبل الشيخ وحرية الضربات الجوية، وقد يقبل بانسحاب إسرائيلي جزئي مقابل إنشاء مناطق منزوعة السلاح وتوسيع قوة الفصل بحضور أميركي. كما يسعى إلى إبعاد روسيا وتركيا، ودفع دمشق أكثر نحو واشنطن.
تعني هذه السياسة استبدال الاحتلال الواسع بنظام وصاية أمنية يمنح إسرائيل حق التدخل ويحد من قدرة سوريا على تقرير تحالفاتها وبسط سيادتها. وتظهر تركيا هنا منافساً إقليمياً؛ يقبل أيزنكوت وجودها شمال سوريا، لكنه يعارض انتشار قواتها وراداراتها جنوباً، لأنها قد تعرقل حركة الطيران الإسرائيلي. بذلك، لا تصبح وحدة سوريا وسيادتها متغيراً يخضع لموازين القوة والتفاهمات الأميركية الإسرائيلية.
إيران و"حزب الله".. إدارة شبكة التهديد
تبلغ العقيدة ذروتها في التعامل مع إيران، حيث يقترح أيزنكوت إقامة منطقة قتل أميركية حول المواقع التي يعتقد أن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة ما زال موجوداً فيها، مع ضرب أي محاولة لنقله. وهو يريد اتفاقاً يزيل التهديد بتفتيش طويل الأمد، لا اتفاقاً يؤجله.
لكن هذه الرؤية تفترض مراقبة جوية واستخبارية مستمرة على إيران واستعداداً دائماً للهجوم، وهذا ما يرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد. كما أنَّ الفصل بين إيران وحزب الله يبدو صعباً بنظره؛ فطهران بنت نفوذها الإقليمي عبر شبكات عسكرية وسياسية مترابطة، والحزب يمثل أهم أدوات ردعها تجاه إسرائيل.
لذلكَ، لا تستهدف خطة أيزنكوت إيران وحدها، بل إعادة تشكيل البيئة التي تسمح لها بدعم حزب الله أو التحرك عبر سوريا. فالضغط على الحزب في لبنان، وتقييد المجال السوري، ومراقبة البرنامج النووي الإيراني، حلقات في استراتيجية واحدة غايتها تفكيك قدرة الخصوم على بناء ردع متبادل، مع إبقاء الردع الإسرائيلي خارج القيود نفسها.
تسويات تحت التفوق
في غزة، يصرّ أيزنكوت على ممر أمني وإنهاء حكم حركة حماس وسلاحها. وهو يقبل بنزع جزئي للسلاح مقابل إعمار جزئي، ويتهم نتنياهو بتعطيل البدائل الفلسطينية أو التكنوقراط. وقد تخفف هذه البراغماتية المعاناة، لكنها تجعل الإعمار حقاً مشروطاً بقرارات القوة المسيطرة، وتؤجل تقرير المصير. كما يكشف رفضه قيام دولة فلسطينية قريباً حدود خلافه مع اليمين الحاكم.
اختبار أيزنكوت، إذن، ليس قدرته على تحويل القوة إلى اتفاقات، بل طبيعة تلك الاتفاقات: هل تنتج أمناً متبادلاً وسيادة متكافئة؟ أم تجعل التفوق الإسرائيلي نظاماً إقليمياً بغطاء أميركي؟ فالتسوية المصاغة تحت القصف، والمبقية للأرض العربية وحرية الضرب أوراقاً إسرائيلية، قد تنهي جولة حرب، لكنها لا تعالج أسبابها. لذلك، يبدو أيزنكوت أكثر استراتيجية من نتنياهو، لا أكثر اعتدالاً.

