بقلم: خالد فحل
النكبة ليست ذكرى من الماضي، ولا صورةً بالأبيض والأسود نضعها في كتب التاريخ ثم نغلق الصفحة. النكبة مشروعٌ لم يتوقف، تتغير أدواته ويبقى هدفه واحدًا: دفع الفلسطيني خارج أرضه، ثم تحويل غيابه إلى أمر واقع.
في جنين مرّ 600 يومًا على عدوان الاحتلال، وفي طولكرم 586 يومًا، فيما يقترب عدد المهجّرين من مخيمَي المدينتين ومحيطهما من 40 ألف فلسطيني. هذه ليست أرقامًا عابرة في نشرة أخبار؛ إنها دليل سياسي على أن الاحتلال لا يتعامل مع المخيم بوصفه تجمعًا سكانيًا فحسب، بل باعتباره عنوانًا للجوء والذاكرة والحق في العودة، ولذلك يحاول ضربه وتفريغه وإعادة تشكيل المكان على هواه.
وما يجري في شمال الضفة لا يمكن قراءته بمعزل عن غزة. هناك أيضًا تحوّل التهجير من نتيجة للحرب إلى ورقة في الحسابات السياسية، فيما تستمر الطروحات التي تتحدث عن مستقبل القطاع بمنطق الإخلاء وإعادة تشكيله بعيدًا عن أهله. وفي الحالتين، الفلسطيني هو المطلوب منه أن يدفع الثمن: يُهدم بيته، يُفرَّغ مخيمه، يُهجَّر من أرضه، ثم يُطلب من العالم أن يتعامل مع الأمر باعتباره «واقعًا جديدًا».
والأخطر من التهجير نفسه أن يجري تحويله إلى حل سياسي. فبدل أن يكون السؤال: كيف نوقف الاحتلال ونحمي المدنيين ونضمن عودتهم إلى بيوتهم؟ يصبح السؤال: إلى أين يمكن نقلهم؟ هنا لا تعود القضية قضية إنسانية طارئة، بل محاولة لإعادة تعريف الفلسطيني باعتباره مشكلة سكانية يجب التخلص منها، لا شعبًا واقعًا تحت الاحتلال له أرض وحقوق وهوية. وحين يصبح التهجير قابلًا للنقاش السياسي، تكون النكبة قد تجاوزت حدود الجريمة إلى محاولة فرض معادلة جديدة على المنطقة.
المشكلة ليست في أن الاحتلال يكرر الجريمة فقط، بل في أن المجتمع الدولي يكرر الصمت نفسه. فمنذ عقود، يُترك الفلسطيني أمام سياسة تقوم على القوة والاقتلاع، بينما تتحول البيانات الدولية إلى بديل عن الفعل، ويصبح الحديث عن القانون الدولي بلا قيمة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
الاحتلال يعرف جيدًا أن أخطر ما يواجهه ليس الفلسطيني الذي يصرخ اليوم، بل الفلسطيني الذي يبقى غدًا. ولذلك فإن المعركة على المخيمات والبيوت ليست تفصيلًا أمنيًا كما يحاول الاحتلال تقديمها؛ إنها معركة على الوجود نفسه. تفريغ المكان يعني ضرب ذاكرة المكان، ودفع أهله بعيدًا يعني محاولة قطع الصلة بين الإنسان وأرضه.
لكن التاريخ الفلسطيني لا يُكتب بالدبابات وحدها. فالذين هُجّروا من جنين وطولكرم وغزة ليسوا أرقامًا قابلة للمحو، والبيوت التي أُغلقت أبوابها بالقوة لا تتحول إلى أمكنة بلا أصحاب، والمخيم الذي يُفرَّغ لا يفقد حكايته بمجرد أن يغادره أهله تحت التهديد.
لهذا يجب أن نقولها بوضوح: ما يحدث ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل سياسة واحدة تتقدم من مكان إلى آخر، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني، والعجز العربي، والصمت الدولي. ومن يظن أن التهجير المؤقت سينتهي بمجرد توقف القصف أو انسحاب القوات، قد يكتشف متأخرًا أن الاحتلال يراهن على شيء أخطر من الحرب: أن يعتاد العالم على غياب الفلسطيني.
النكبة مستمرة... وما دام الاحتلال قادرًا على اقتلاع الفلسطيني من بيته دون أن يُجبر على إعادة المكان إلى أصحابه، فإن النكبة لم تصبح تاريخًا بعد؛ إنها تحدث الآن.

