2026-09-10 01:43 ص

هل آن أوان إعادة تعريف وظيفة السلطة في الضفة؟

2026-09-09

بقلم: د. أميرة فؤاد النحال
لطالما قامت مقاربة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية على معادلة سياسية وأمنية مفادها أن تجنّب التصعيد، وضبط الشارع، ومنع الاحتلال من امتلاك «الذرائع» يمكن أن يحدّ من حجم الاستهداف الصهيوني ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، غير أن التطورات المتلاحقة تضع هذه المعادلة اليوم أمام اختبار أكثر قسوة: ماذا يبقى من سياسة «سدّ الذرائع» حين تصبح مناطق سيطرة السلطة نفسها مهددة بعملية عسكرية واسعة، وتدخل مؤسساتها ومراكزها الأمنية والمدنية في دائرة الاحتمال الإسرائيلي للتصعيد؟
المسألة هنا لا تتعلق فقط بمدى قدرة السلطة على احتواء المواجهة، ولكن بجدوى النهج الذي بُني على افتراض أن تقليص أسباب الاشتباك سيقابله الاحتلال بتقليص استهدافه، فالوقائع تطرح معادلة معاكسة: الاحتلال هو من يحدد سقف التصعيد وتوقيته وأدواته، بصرف النظر عن مستوى التزام السلطة بسياسة ضبط الأمن ومنع المقاومة.
وعليه، تبدو الضفة الغربية أمام لحظة سياسية فارقة، يصبح فيها السؤال أكبر من استمرار التنسيق الأمني أو وقفه: هل تحتاج السلطة إلى إعادة تعريف وظيفتها الوطنية والسياسية، والانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء استراتيجية فلسطينية قادرة على حماية الإنسان والأرض والمؤسسات في مواجهة احتمالات التصعيد؟
سقوط «سدّ الذرائع».. حين لم يعد الاحتلال بحاجة إلى مبرر
لأعوام طويلة، جرى تقديم «سدّ الذرائع» باعتباره أحد مفاتيح إدارة المواجهة في الضفة: كلما انخفض منسوب المواجهة الفلسطينية، تراجعت قدرة الاحتلال على تبرير عملياته، لكن الوقائع تبدو اليوم وكأنها تقلب هذه المعادلة من أساسها؛ فالاحتلال لم يعد ينتظر ذريعة بالمعنى التقليدي، لأنه بات يصنع «الذريعة الوظيفية» ثم يبني عليها قراراً ميدانياً جاهزاً للتنفيذ، وما جرى في جنين وطولكرم منذ إطلاق عملية «السور الحديدي» في يناير/كانون الثاني 2025 يقدم مثالاً صارخاً؛ إذ تحولت المخيمات إلى ساحات عمليات عسكرية واسعة، واستخدمت القوات الصهيونية الطائرات والمروحيات والدبابات والجرافات، وتسببت العمليات في تهجير عشرات الآلاف وتدمير واسع للبنية المدنية.
الأخطر أن اتساع الجغرافيا العسكرية لم يتوقف عند الشمال؛ فقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 استمرار عمليات الاقتحام والمداهمات في جنين وطولكرم، وامتداد العمليات إلى مناطق وسط الضفة وجنوبها.
هنا تظهر «مفارقة سدّ الذرائع»: كلما حاولت السلطة تقليص احتمالات المواجهة، لم يتقلص بالضرورة مجال الحركة الصهيونية، إنّما أصبح الهدوء الفلسطيني نفسه عاجزاً عن إنتاج الحماية، وبالتالي لم تعد المشكلة في وجود الذريعة أو غيابها، وإنما في أن قرار التصعيد الصهيوني بات سابقاً على الذريعة.
لقد انتقلنا من زمن «الاحتلال الذي يبحث عن مبرر» إلى زمن «الاحتلال الذي ينتج المبرر»؛ وهذه النقلة وحدها كافية لإعادة فتح النقاش حول جدوى معادلة أمنية استُهلكت سياسياً، بينما بقيت الأرض مكشوفة أمام الاقتحام والاستيطان والتهجير.
التنسيق الأمني أمام اختبار الحقيقة.. ماذا تفعل السلطة إذا أصبحت هي ومؤسساتها هدفًا؟
هنا تبلغ المسألة أكثر نقاطها حساسية؛ لأن التنسيق الأمني لا يُختبر عندما يكون الاحتلال بعيداً، وإنما عندما يقترب الخطر من المنطقة التي يفترض أن تحميها السلطة ومؤسساتها وسكانها.
السؤال لم يعد نظرياً، ففي أواخر 2024 وبداية 2025 نفذت قوات الأمن الفلسطينية عملية في مخيم جنين عُرفت باسم «حماية الوطن»، في سياق استهداف مجموعات مسلحة، قبل أن تبدأ إسرائيل في 21 يناير/كانون الثاني 2025 عملية «السور الحديدي» في المخيم وتمتد إلى طولكرم ونور شمس، وقد وثقت لجنة التحقيق الأممية هذا التسلسل، بما يكشف مفارقة سياسية شديدة القسوة: السلطة كانت تخوض معركة ضبط داخلية، بينما انتقل الاحتلال بعدها إلى معركة عسكرية أوسع نطاقاً.
وهنا تنشأ «معضلة الوظيفة المزدوجة»: هل تبقى السلطة مطالبة بمنع التصعيد الفلسطيني في الوقت الذي لا تستطيع فيه منع التصعيد الصهيوني؟ وإذا كانت مهمتها حماية الاستقرار، فكيف تُعرّف الاستقرار عندما تدخل القوات الصهيونية إلى المدن والمخيمات، وتستولي على المنازل، وتفرض الإخلاء، وتغلق الطرق؟
في 2026، وثقت الأمم المتحدة عمليات صهيونية شملت إخلاء عائلات من منازلها في محافظة جنين، وتحويل منازل إلى مواقع عسكرية، وتجريف أراضٍ داخل محيط المدينة، كما استمرت العمليات في طولكرم.
عند هذه النقطة يصبح استمرار السياسة دون مراجعة أقرب إلى «التنسيق بلا ضمانات»: التزام فلسطيني بوظيفة أمنية، مقابل بيئة لا تملك السلطة التحكم في سقفها العسكري.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للتنسيق يتمثل في سؤال أكثر عمقاً: ما الذي ينتجه سياسياً وأمنياً إذا كان لا يمنح السلطة قدرة مقابلة على حماية مناطقها ومؤسساتها؟ وهنا تبدأ الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة من «تنسيق أمني مفتوح الوظيفة» إلى «ترتيب أمني مشروط بالسيادة والحماية والمصلحة الوطنية».
من احتواء المقاومة إلى عجز الاحتواء.. لماذا لم تمنع سياسة الضبط المواجهة؟
بُنيت إحدى الحجج المركزية للنهج الأمني على أن احتواء العمل المسلح سيحرم الاحتلال من مبررات التصعيد، ويمنح الضفة مساحة للتنفس السياسي والاقتصادي، ويحول دون تكرار نموذج غزة، لكن التجربة الميدانية أنتجت سؤالاً معاكساً: إذا كان الهدف من الاحتواء هو منع الحرب، فكيف نفسر اتساع العمليات العسكرية الصهيونية بينما استمرت سياسة الضبط الفلسطينية؟
تقدم جنين وطولكرم نموذجاً بالغ الدلالة، فعملية «السور الحديدي» لم تكن مجرد مداهمات محدودة؛ فقد تحولت إلى عملية عسكرية ممتدة صاحبتها عمليات تدمير وتهجير وإقامة مواقع عسكرية، فيما وثقت الأمم المتحدة أن العمليات طالت لاحقاً نابلس ومخيمات بلاطة وعسكر، إلى جانب مدن ومناطق أخرى.
وهنا يظهر مفهوم «وهم الاحتواء»: الاعتقاد بأن ضبط العامل الفلسطيني كفيل بضبط السلوك الصهيوني، بينما تكشف التجربة أن الاحتلال يحتفظ بعوامل قرار أخرى مرتبطة بالأمن الصهيوني، والاستيطان، وإعادة تشكيل السيطرة الميدانية.
بل إن بعض الأمثلة الأكثر إحراجاً للمعادلة جاءت من مناطق تقع ضمن السيطرة الفلسطينية الكاملة، ففي يوليو/تموز 2026، أعقبت حادثة عنيفة قرب قرية فلسطينية عملية صهيونية واسعة شملت إقامة حواجز وبدء مداهمات، بعد حادثة قالت “إسرائيل” إنها وقعت في منطقة «A» الخاضعة للسيطرة الفلسطينية.
وهنا تنكشف «معادلة الاحتواء العكسي»: كلما انشغلت السلطة بإدارة مستوى المواجهة الفلسطينية، ظل مستوى القرار الصهيوني خارج نطاق سيطرتها.
وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع سياسة منع المقاومة أن تمنع الاحتلال من الذهاب إلى الحرب؟ وإذا كانت الإجابة العملية لا، فإن استمرار السياسة بالصيغة ذاتها يتحول من أداة لإدارة المخاطر إلى «إدارة للعجز»؛ أي إدارة للجانب الفلسطيني من الأزمة دون امتلاك أدوات التأثير في الطرف الذي يحدد سقفها.
إعادة تعريف وظيفة السلطة.. من إدارة الانقسام الأمني إلى بناء استراتيجية وطنية
لا تكفي الإشارة إلى سقوط المعادلة القديمة؛ فالفراغ الذي يلي سقوطها قد يكون أخطر منها، لذلك فإن إعادة تعريف وظيفة السلطة لا تعني ببساطة الانتقال من التنسيق إلى المواجهة، ولا استبدال سياسة أمنية بأخرى، وإنما الانتقال من «وظيفة الضبط» إلى «وظيفة الحماية الوطنية».
والحماية هنا مفهوم أوسع من الأمن: حماية السكان من الاقتحامات والتهجير، حماية المؤسسات من الانهيار، حماية الأرض من الاستيطان، حماية القرار السياسي من التآكل، وحماية المجتمع من الانقسام الذي يجعل كل مدينة ومخيم يواجهان الخطر منفردين.
لقد أظهرت تجربة جنين وطولكرم أن غياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة يخلق «فراغ الاستجابة»؛ فحين تتعرض منطقة لعملية واسعة، تصبح الأولوية رد فعل محلياً، بينما يتطلب حجم التهديد إدارة سياسية وطنية تربط بين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية والقانون الدولي والإعلام والتحرك العربي والدولي، إلى جانب إعادة بناء البيت الفلسطيني الداخلي.
والأهم أن الاستراتيجية الوطنية لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية «التنسيق أو المقاومة»، المطلوب هو صياغة «عقيدة حماية وطنية» تحدد ما الذي تفعله السلطة إذا تعرضت مدينة لاقتحام واسع، أو استُهدفت مؤسساتها، أو فُرض تهجير جماعي، أو توسعت العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة.
فالاحتلال، وفق الوقائع الأخيرة، لا يتعامل مع الضفة باعتبارها جزرًا منفصلة وفق خرائط السيطرة الفلسطينية، بل كـ «حيز أمني صهيوني مفتوح»؛ إذ شهدت الفترة الأخيرة عمليات واقتحامات وإخلاءات وتحويل منازل إلى مواقع عسكرية في مناطق متعددة.
ومن هنا تصبح إعادة تعريف وظيفة السلطة ضرورة سياسية: سلطة لا تملك منع الاحتلال من التصعيد تحتاج على الأقل إلى استراتيجية تمنع الاحتلال من تحويل عجزها عن المنع إلى عجز عن الاستجابة.
وهذه هي «لحظة إعادة التموضع الوطني»: أن تتحول السلطة من جهاز لإدارة آثار المواجهة إلى جزء من استراتيجية فلسطينية أوسع لإدارة المواجهة نفسها، بقرار وطني موحد، وأولويات واضحة، وأدوات سياسية وقانونية وشعبية متكاملة، بحيث لا تبقى الضفة رهينة معادلة واحدة ثبت أن الاحتلال قادر على تجاوزها متى شاء.
ختاماً.. لم تعد القضية اليوم في قدرة السلطة على «سدّ الذرائع»، وإنّما في انهيار الفكرة التي افترضت أن الاحتلال سيتوقف عن عدوانه إذا لم يجد ما يتذرع به، فالوقائع تقول شيئاً أكثر قسوة: الاحتلال لا ينتظر الذريعة؛ إنه يصنعها حين يريد، ويتجاوزها حين يريد، ويحدد وحده سقف التصعيد.
ولهذا فإن استمرار النهج ذاته بعد سقوط مقدماته أصبح «إدارة للانتظار تحت سقف الاحتلال»، فالسلطة التي يُطلب منها ضبط الفلسطينيين، بينما لا تملك ضبط اقتحامات الاحتلال واستيطانه وتهجيره، تقف أمام سؤال وجودي لا يحتمل التأجيل: ما وظيفة السلطة إذا كانت لا تستطيع حماية الأرض، ولا ردع المعتدي، ولا حتى ضمان حرمة مناطق سيطرتها؟
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى تدوير المعادلات القديمة، بقدر ما تحتاج إلى «إعادة تأسيس الوظيفة الوطنية للسلطة»؛ سلطة تستمد شرعيتها من حماية شعبها، وتوحيد قراره، وصون أرضه ومؤسساته، لا من قدرتها على إدارة أمن الاحتلال داخل الجغرافيا الفلسطينية.
لقد سقطت معادلة «سدّ الذرائع»؛ وما لم تُبنَ معادلة وطنية جديدة، فقد لا يكون السؤال غداً: هل سيجتاح الاحتلال مناطق السلطة؟ وإنّما: ماذا بقي من السلطة عندما يدخل الاحتلال؟
كاتبة فلسطينية في الشأن السياسي