2026-09-05 05:42 م

حروب بلا نهاية لإملاء اتفاقات إذعان

2026-09-05

بقلم: محمود الريماوي
أعلنت تل أبيب في الأيام القليلة الماضية ما سمّتهما "حالتَي فشل منفصلتَيْن". الأولى ما أفاد به موقع والاه العبري بأنّ إسرائيل نقلت عبر قنوات أمنية رسالة إلى الولايات المتحدة، أبلغتها فيها بفشل مشروع المناطق التجريبية في جنوب لبنان الذي بدأ تنفيذه عقب توقيع اتفاق الإطار بين بيروت وتل أبيب. وتقضي الخطّة بأن يحلّ الجيش اللبناني محلّ قوات حزب الله في مناطق بعينها وتباعاً، ويتزامن هذا مع انسحاب القوات الإسرائيلية من هذه المناطق. غير أنّ حكومة بنيامين نتنياهو حدّدت مناطق لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي الغازي. ومع ذلك، أمَّنت قوات الجيش اللبناني تلك المناطق بانتظار الانتقال إلى مناطق أخرى، وهو ما يصطدم برفض القوات الإسرائيلية مغادرة المواقع التي تسيطر عليها، والحجّة الإسرائيلية "الاستياء الشديد" من مستوى عمليات الجيش ضدّ ما تصفها بـ"البنى التحتية لحزب الله وعناصره في المنطقة". وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون إنّ "الجيش اللبناني لا يدمّر البنى التحتية التي زوّده الجيش الإسرائيلي بإحداثياتها"، وهو ما يعني ضبط تحرّكات الجيش اللبناني وفق التوجيهات الإسرائيلية، إذ لم يعد الأمر يتعلّق بوجود مقاتلين لحزب الله، ولا بأسلحته فقط، بل أيضاً بالبنى التحتية، وصولاً إلى الحاجة، ربّما، إلى تسوية المباني بالأرض تطميناً لإسرائيل.

حالة الفشل الثانية التي بشّرت بها حكومة نتنياهو ما نقله الموقع الإسرائيلي نفسه عن مصدر إسرائيلي رفيع من تأكيد "فشل الجهود الرامية إلى التوصّل إلى اتفاق أمني مع سورية"، زاعماً أنّ الرغبة السورية في توقيع اتفاق مع إسرائيل تراجعت "بعد رفع بعض العقوبات عن دمشق"، وأنّ "رفع العقوبات كان أحد أسباب تعثّر المفاوضات". وقال المصدر إنّ إسرائيل خلصت إلى أنّ "الانسحاب من المنطقة الأمنية في الجنوب السوري ليس خياراً مناسباً، باعتبارها تشكّل ذخراً استراتيجياً"، وهكذا لم يقتصر الأمر هذه المرّة على إعلان الفشل، بل تضمّن نقداً لرفع العقوبات عن سورية، مع ادّعاء أنّ إزالة العقوبات تتسبّب في تعثّر المفاوضات.

إزاء هذا، تواصل القوات الإسرائيلية الغازية نشاطها الحربي في جنوب لبنان، الرامي إلى إلحاق أكبر موجة من التدمير بهذه المناطق لتختفي معالمها التي كانت شاهدةً على استمرار الحياة مع تعاقب حِقب التاريخ، مع توسيع دائرة الاستهداف بين يوم وآخر لتشمل مناطق أخرى شرقي البلاد، وفي وسط العاصمة بيروت، وفي أطرافها. وبالنسبة إلى القوات الغازية، الفشل المزعوم أفضل بما لا يقاس من النجاح، إذ يطلق أيدي هذه القوات لنشاط آلة التدمير هنا وهناك، فيلاقي اللبنانيون العناء حتّى في إحصاء خسائرهم، ناهيك عن إعادة إعمار ما تهدمه حروب نتنياهو التي لا تتوقّف.

في الجانب السوري، تستحوذ القوات الغازية على مساحة قدرها نحو 400 كيلومتر مربّع من الأراضي السورية، وتتمركز في تسعة مواقع، منها قمم جبل الشيخ، وتحرق هذه القوات المزروعات وتهدم منهجياً أيّ عوائق، كما تنبري لترويع الأهالي والقيام بحملة اعتقالات بينهم، مع تأكيد هذه القوات أنّها لا تميّز بين مدني ومسلّح، إذ تتعامل مع كلّ سوري باعتباره عدواً، وتقرن هذا باستباحة منتظمة للأجواء، وبتقديم الدعم والإسناد لانفصاليين في محافظة السويداء في جنوبي البلاد، لتضمن وجود جيب جغرافي واسع يُستخدم منطقةً نفوذ، فيما يردّد حكمت الهجري (واحد من ثلاثة شيوخ عقل في المحافظة) أنّ السويداء لطالما كانت "جزءاً من دولة إسرائيل". وتبلغ مساحة هذه المحافظة أكثر من ستة آلاف كيلومتر مربّع، تسيطر قوات الحرس الوطني التابعة للهجري على 80% منها، فيما تسيطر الحكومة السورية على الجزء المتبقّي.

تجري في الأثناء مفاوضات تتسم بطرح مطالب إسرائيلية دائمة لإزالة التهديدات من الجانب اللبناني، وبعرض الحاجة إلى تطمينات من الجانب السوري، وحين تتوقّف المفاوضات السياسية تنشط اتصالات أمنية. وفي جميع هذه الحالات، تتمسّك تل أبيب ببقاء قواتها في مواقعها، وهو ما يتفوّه به على الدوام وزير الأمن يسرائيل كاتس. وتستخدم مع لبنان وسورية السيناريو نفسه الذي استخدمته (وما تزال) في قطاع غزّة، وهو التشدّد في المطالب والانتقال من مطلب إلى آخر، مع اقتران ذلك بإطلاق حرب مسعورة على المدنيين والأعيان المدنية، مرّة بحجّة إخلاء سبيل الأسرى، وثانية بالحاجة إلى نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة، وحين يتحقّق ذلك أو يجري الالتزام به، يخرج نتنياهو قائلاً: "سنبقى. لن ننسحب". وها هي الحرب على لبنان وسورية تُخاض ضدّ اللبنانيين والسوريين بغرض وقف دورة الحياة الطبيعية، أو التسبّب يومياً بمزيد من الخسائر في الأرواح والأضرار المادية.

يحدث هذا بالتواطؤ مع إدارة دونالد ترامب التي تنتقد بين آونة وأخرى بعض الإجراءات الإسرائيلية، لكنّها لا تعترض على السياسة الجوهرية المتبعة والرامية إلى إخضاع المنطقة للنفوذ الإسرائيلي وطي صفحة ما كان يسمّى "السلام". ومثير للاهتمام أنّ إدارة ترامب تنجح، مثلاً، في رفع العقوبات عن سورية، وفي إزالة اسم هذه الدولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكنّ هذه الإدارة تمتنع عن التدخّل في الاستباحة الإسرائيلية لسورية، معتبرةً الأمر شأناً داخلياً يخصّ الإسرائيليين.

وما يتعيّن قوله في هذه الظروف إنّ حروب نتنياهو على لبنان وسورية وغزّة والضفّة الغربية مرشّحة للاستمرار من دون توقّف، إذ ليس لدى إدارة ترامب أيّ مشروع للتسوية. وبينما يوجّه ترامب، أحياناً، الشتائم إلى نتنياهو، فإنّه لا يلبث أن يسير منوَّماً وراءه، متّبعاً خطاه، ملتمّساً الأعذار له، وذلك كلّه نتيجة الرهبة من النفوذ الصهيوني في مفاصل الحياة الأميركية، والخوف من فقدان الأغلبية في الكونغرس بمجلسَيه (النواب والشيوخ)، وعلى صانعي القرار في بيروت ودمشق العمل بما تقتضيه مواجهة هذه الحروب من تحالفات وبناء علاقات وإعداد داخلي، وعدم المراهنة على الانتخابات الإسرائيلية. إذ حتّى لو تغيّرت الوجوه، ستبقى سياسة اليمين الفاشي مُتّبعةً، وما استُولي عليه في عمليات الغزو يمثّل ذخراً استراتيجياً للغزاة، وفق ما يعلنون. فيما يتمثّل الهدف الأبعد في استدراج سورية ولبنان، وتحت ضغط النار، إلى إبرام اتفاقات إذعان تحت مسمّى "السلام".