2026-09-04 01:46 ص

الضفة الغربية تحت مقصلة التهويد والضم

2026-09-03

بقلم: عليان عليان
تتدحرج الأمور بشكل متسارع باتجاه توسيع رقعة الاستيطان، ومصادرة الأراضي وضم الضفة الغربية، في إطار برنامج مخطط له منذ فترة طويلة، وفي سياق توافق بين أطراف حكومة الإئتلاف اليمين الصهيونية التوراتية والتلمودية، فهذه الحكومة تعتبر فلسطين بكاملها أرض يهود التوراتية، وأن الضفة الغربية هي " يهودا والسامرة" وأنها و القدس في مقدمتها جزء من أرض (إسرائيل) الكاملة.

ولمن لا يتذكر، نذكر ما صرح به نتنياهو غداة معركة السابع من أكتوبر التاريخية 2003 بشأن سفر يوشع " اقتلوا الرجال والنساء والأطفال والبهائم بدون هوادة" وتصريحات متطرفة وخطيرة أكثر من ذلك، مفادها أن الفلسطينيين هم ينتمون للعماليق قبل 2000 عام، ويجب قتلهم جميعاً، والعمل على قطع نسلهم وإبادتهم جميعاً، ووفق تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش " فإن الضفة الغربية جزء من (إسرائيل) بوعد إلهي" "والدولة الفلسطينية تشكل خطراً على (إسرائيل) الدولة اليهودية الوحيدة في العالم".

وما جرى في حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة على مدى ثلاث سنوات التي أسفرت منذ أكتوبر 2023 وحتى 25 أغسطس / آب 2026 عن استشهاد 73 ألفا و431 وإصابة 174 ألفا و437 من أبناء قطاع غزة لمؤشر على ما تقدم، وما جرى ويجري على صعيد هجمات المستوطنين على القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية على مدار الساعة بحماية ودعم من قوات الاحتلال واستشهاد مئات الفلسطينيين مؤشر آخر على ذلك.

عناوين مسلسل الضم

لقد تبلور مسلسل الضم ت من خلال ثلاثة عناوين رئيسة هي:

أولاً: مصادقة الكنيست الصهيوني في 23 يوليو/تموز الماضي على مقترح يدعو إلى فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية المحتلة -بما في ذلك غور الأردن– بأغلبية 71 صوتا مقابل 13 معارضا فقط.

وفرض السيادة على الضفة الغربية، يشكل محطة على طريق ضمها، من خلال إخضاع المستوطنات والقوانين هناك للإدارة المدنية والقانون الإسرائيلي بدلاً من الحكم العسكري الإسرائيلي ، ويشكل وأداً لموضوع الدولة الفلسطينية، لا سيما وأن الكنيست الصهيوني صوت في وقت سابق بأغلبية ساحقة ضد إقامة دولة فلسطينية.

ثانياً: -مصادقة ما يسمى (مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي) "الكابينت"، بتاريخ 9 فبراير/ شباط 2026، على سلسلة قرارات تهدف إلى تغيير الواقع القضائي والمدني في الضفة الغربية المحتلة، وتعميق السيطرة الإسرائيلية في المنطقة من خلال الكشف عن سجلات الملكية الأردنية لمواطني الضفة الغربية إبان عهد الحكم الأردني.

وتشمل هذه القرارات ما يلي:

رفع السرية عن سجلات الأراضي وإلغاء ما يُعرف بـ"رخصة الصفقة" حيث كانت سجلات الأراضي في الضفة الغربية غير متاحة للجمهور، الأمر الذي حدّ من التداول العلني وفرض المرور عبر الإدارة المدنية والحصول على رخصة خاصة لإتمام أي صفقة.
ويقضي القرار الجديد بإتاحة سجلات "الطابو" (الوثائق الرسمية والمحفوظات العقارية التي تثبت ملكية العقارات والأراضي)، للجمهور كما هو معمول به داخل (إسرائيل)، وإلغاء شرط الحصول على "رخصة صفقة" من ضابط التسجيل، واستبداله بشروط مهنية عامة، ما يعني عملياً تسهيل إجراءات التمليك، سواءً للمستوطنين أو للشركات التابعة لهم.

2- إلغاء القانون الأردني الذي استمر العمل به بعد عام 1967، والذي كان يحظر بيع العقارات لليهود، واستُخدم سابقاً كأداة لتقييد نقل الملكية إلى مستوطنين، إذ إن إلغاء القانون الأردني بالتوازي مع إلغاء رخصة الصفقة، يفتح المجال أمام اليهود لشراء الأراضي في الضفة الغربية بصورة مباشرة، وفق نموذج يقترب من قانون الملكية الإسرائيلي العادي، ويزيل طبقة من الرقابة العسكرية والأمنية التي كانت مفروضة على الصفقات العقارية.

نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في الخليل، من البلدية الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، مع منح مديرية الخليل الإسرائيلية صلاحيات بلدية كاملة إضافة إلى إنشاء مديرية بلدية خاصة بمجمع قبر راحيل ومحيطه في مدينة بيت لحم ، وهذا القرار يؤدي يفي المحصلة ،إلى إقامة أطر حكم محلي مستقلة للمستوطنين، منفصلة عن السلطات الفلسطينية، في صورة تشبه بلديات إسرائيلية قائمة بحكم الأمر الواقع داخل الأراضي المحتلة.
ولا بد من التذكير هنا، أن المفاوض الفلسطيني الذي ارتكب جريمة التوقيع على اتفاق تقسيم الخليل في 15 يناير 199 ، بموافقة قيادة السلطة الفلسطينية والقيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، والذي نص على تقسيم مدينة الخليل عام 1997إلى قسمين ) H1) خاضع لسيطرة الفلسطينية مدنيا وأمنياً (H2 ) خاضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية ويشمل البلدة القديمة- التي هي جوهر الخليل- والحرم الإبراهيمي ، سهل خطة حكومة العدو في اتخاذ القرار الخاص بعموم مدينة الخليل.

إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي التي توقف عملها قبل نحو 20 عاماً، ما يعني عودة حكومة العدو لتكون طرفاً مباشراً وفاعلاً في سوق العقارات بالضفة الغربية، بما يعزز قدرتها على التأثير في خريطة الملكية، وتوجيهها بما يخدم مشاريع استيطانية ذات طابع استراتيجي.
توسيع صلاحيات الرقابة في مجالات المياه، والمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية داخل مناطق أ و ب في الضفة الغربية، بحيث يصبح من صلاحيات حكومة العدو، إصدار أوامر بوقف الأعمال، وفرض غرامات، أو تنفيذ عمليات هدم لمنشآت قائمة، ويُعد هذا التطور تدخلاً مباشراً في مجالات يُفترض، وفق اتفاق أوسلو، أن تخضع مدنياً لإدارة السلطة الفلسطينية.
ما تقدم من قرارات، يشكل مؤشراً على ضم الضفة بحكم الأمر الواقع، ناهيك أن حكومة العدو بهذه القرارات، شطبت آخر سطر في الاتفاقيات أوسلو، بعد أن أخذت ما تريده منها وبعد أن تمكنت من تحويل السلطة إلى وكيل أمني للاحتلال.

ثالثا: إيعاز وزير الحرب الصهيوني "إسرائيل كاتس" في 14 أغسطس لجيش الاحتلال بإعداد خطة منظمة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون، والتعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية، وبحيث تحل الشرطة الصهيونية محل الإدارة المدنية في الضفة الغربية التي يرأسها ضابط في جيش الاحتلال.

وينطوي هذا القرار – حسب مركز عدالة الفلسطيني وأوساط حقوقية أخرى- على أخطار عديدة منها :

الضم الفعلي الصامت للضفة، إذ إن نقل الصلاحيات لشرطة مدنية تعمل بموجب قوانين "الكنيست"، يعني التعامل مع الضفة كجزء من السيادة الإسرائيلية الداخلية، وليس كأرض محتلة تخضع للقانون الدولي الإنساني والإدارة العسكرية.
تعميق نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد): فهذا القرار (الإجراء) يؤدي إلى تكريس نظامين قانونيين منفصلين في ذات البقعة الجغرافية؛ نظام مدني إسرائيلي يحكم المستوطنين ونظام عسكري صارم يطبق على الفلسطينيين.
يستهدف هذا الإجراء توسيع مصادرة الأراضي والاستيطان في إطار استراتيجية حكومة العدو المعلنة، وخلق المزيد من البؤر الاستيطانية، وتشريع البؤر الاستيطانية السابقة لتتحول إلى مستوطنات الجديدة، وتسهيل شراء الأراضي.
وقد وصف وزير الأمن الصهيوني هذا القرار (الإجراء) بالتاريخي وأنه يساهم في تسريع عملية ضم الضفة الغربية للكيان الصهيوني، كما تندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية حكومية أوسع لتسريع الاستيطان، وتسوية أوضاع البؤر العشوائية، وتسهيل شراء الأراضي قبل أي متغيرات سياسية أو انتخابات مرتقبة.

أدوات وآليات تنفيذ مخطط الضم الصهيوني

أولا: المستوطنون أداة مركزية لتنفيذ القرارات السابقة

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا في اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بالتزامن مع توسع النشاط الاستيطاني وفرض قيود على حركة الفلسطينيين.

وقد تولت قطعان المستوطنين وبدعم من جيش الاحتلال من فترة طويلة، تنفيذ مخطط ضم الضفة الغربية، وتحويل هذا المخطط إلى أمر واقع، خدمة لتحقيق هدف تهجير أبناء شعبنا من الضفة الغربية إلى الخارج، مع إبقاء نسبة محدودة جداً منهم وفق معادلة " أرض أكثر وعرب أقل".

ولا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع عن اقتحام قطعان المستوطنين لهذه القرية أو تلك في عموم أرجاء الضفة الغربية والاعتداء ، بالضرب على المواطنين وإطلاق الرصاص عليهم وإحراق ممتلكاتهم وسرقة مواشيهم ، وما حدث في بلدة التل من اعتداء بإطلاق النار على المواطنين ما أسفر عن استشهاد أربعة موطنين ،وكذلك الاعتداء الأخير على ركاب سيارة لعائلة من بلدة المغير ، بالحجارة والبلطات والسكاكين ، الذي أسفر عن إصابة (19) فلسطينياً من أفراد العائلة ،ومن المواطنين الذين هبوا لنجدة أبناء قريتهم ، إلا مؤشر يحاكي جرائم ومجازر عصابات "الهاجانا وشتيرن وإتسل ولحي" قبل نكبة 1948 بهدف دفع المواطنين إلى النزوح والهجرة خارج الوطن.

واعتداءات المستوطنين ، تتم يومياً في عموم أرجاء الضفة الغربية ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما حدث في قرى برقة والمغير ودير جرير شرق رام الله وفي قرى صفا وبيتونيا غرب رام الله ، وبلدة بيت عنان وبدّو والجيب شمال غرب القدس المحتلة ، وبلدتي عرابة ويعبد غرب مدينة جنين، وقرية أوصرين جنوب شرق نابلس، ومنطقة رأس العين ببلدة قصرى جنوب نابلس، المحاصرة منذ أكثر من أسبوعين من قبل المستوطنين والجيش ومنع السكان من الوصول إلى المنطقة، لعزل عائلات فلسطينية ودفعها للرحيل ،بهدف إقامة مستوطنة فيها تخدم خط استيطاني يبدأ من الساحل وينتهي في منطقة الغور ، وكذلك قرى مسافر يطا وحلحول وسعير وبني نعيم قضاء الخليل ألخ، وجميع هذه الاعتداءات تؤشر إلى مخطط اغتصاب الأرض والضم والتهجير .

تجد الإشارة هنا أن الاعتداءات على هذه البلدة أو تلك، يتبعها أمران هما: إقامة خيمة كمقدمة لإقامة بؤرة استيطانية جديدة في البلدة، والاستيلاء على معظم أراضي القرية، فعلى سبيل المثال، أعلن المستوطنون سيطرتهم على أكثر من 11 ألف دونم من أراضي قرية برقة من أصل 12 ألف دونم، واستيلائهم على أكثر من 4000 دونم من أصل 4800 دونم من أراضي أم صفا غرب رام الله.

ووفق معطيات نشرتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، قتل المستوطنون 25 فلسطينيًا منذ مطلع 2026 وحتى 25 أغسطس/ آب 2026، بينما بلغت الحصيلة 61 شهيدا منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، و87 شهيدا منذ 2019، معظمهم من محافظتي رام الله والبيرة ونابلس.

وخلال النصف الأول من 2026، نفذ المستوطنون (3000) و488 اعتداءً في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد 17 مواطنًا فلسطينيًا، وتهجير (26) تجمعًا بدويًا ورعويًا بصورة كلية أو جزئية، إلى جانب إقامة (42) بؤرة استعمارية جديدة، معظمها بؤر رعوية وفق إحصائية هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.

ثانيا: التوسع في بناء المستوطنات

يشهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية عام 2026 تصاعداً كبيراً وغير مسبوق عبر التهام آلاف الدونمات وإقامة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو ، حيث التهم الاستيطان ما يزيد عن 22 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية لبناء بؤر استيطانية جديدة ولإقامة 19 ألف وحدة استيطانية......وبلغ إجمالي عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة نحو 592 تجمعاً استيطانياً حتى منتصف عام 2026، وفقاً لتقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

وأعلن سموتريتش إن الوقت حان لمحو الخطوط التي تفصل بصورة دائمة بين المناطق (أ) و(ب) و(ج)، معلنا أن هدفه يتمثل في إلغاء اتفاقيات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية، وصولا إلى فرض السيادة الإسرائيلية، كما أعلن عن انطلاق برنامج استيطاني لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بمدينة القدس المحتلة بعد أكثر من 20 عاما من التأجيل، وذلك بواقع 1200 وحدة استيطانية وفق خطة E1 ، ما يؤدي إلى عزل القدس الشرقية ، وفصل شمال الضفة عن جنوبها ما يحول دون قيام الدولة الفلسطينية.

وكانت سلطات الاحتلال قد صادقت عام 2025 على إقامة 28 ألف وحدة استيطانية جديدة بالضفة الغربية المحتلة، التي يقيم بها حوالي 850 ألف مستوطن، نصفهم في مدينة القدس.

ثالثا: إلغاء دور وكالة الغوث (الأونروا) في الضفة الغربية

وجاء هذا القرار بذريعة دور موظفي الأونروا المزعوم، في معركة السابع من أكتوبر 2023، حيث تم إغلاق مقر الأونروا الرئيسي في القدس، ما يعكس خطة العدو لتفريغ مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية – التي ترمز إلى حق العودة- ويزيد عددها عن (19) مخيماً، توطئةً لتهجيرهم وذلك بعد أن تم هدم مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ما أدى إلى نزوح ما يزيد عن (13) ألف مواطن فلسطيني إلى القرى المجاورة.

ولم تكتف سلطات الاحتلال بهدم المخيمات سالفة الذكر، بل باشرت بتاريخ 25 أغسطس / آب 2026، باقتحام معهد قلنديا للتعليم المهني التابع للأونروا في منطقة كفر عقب قرب القدس ورفع العلم الإسرائيلي على مبانيه وإنزال علم الأمم المتحدة، كما أخلت قوات الاحتلال المعهد من طواقمه الإدارية والتعليمية بالقوة تمهيداً لهدمه.

إرهاصات انتفاضة جديدة ...ولكن؟!!

هذه الخطط والإجراءات الصهيونية، تجري مواجهتها من قبل أبناء شعبنا الأعزل بما تيسر لهم من أدوات بسيطة، حيث إن إرهاصات انتفاضة جديدة باتت تعتمل في صدورهم، لكن هذه الارهاصات تحتاج إلى قيادة وطنية لتأطيرها، على النحو الذي حدث إبان انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، قيادة تضع حداً لإجراءات السلطة الفلسطينية الأمنية التي تحول دون اندلاع انتفاضة جديدة، حيث بات أبناء شعبنا يقبعون بين مطرقة الاحتلال وسندان السلطة وتنسيقها الأمني.

أما البيانات التي تندد بإجراءات الاحتلال، الصادرة عن الفصائل الفلسطينية والدول العربية والإسلامية، وعن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فلا قيمة عملية لها في غياب الإجراءات المادية الملموسة ضد مخططات الاحتلال، بل أن رئيس وزراء العدو نتنياهو بات يوظف تحديه لها، في الانتخابات المزمع عقدها في 27 سبتمبر/ أيلول القادم.