2026-09-04 02:41 ص

يحق للفلسطيني أن ينتخب، لكن هل يحق له أن يغيّر؟

2026-09-03

بقلم: سمير حمدان
قد تكون المفاجأة الكبرى في انتخابات ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ ألا تُلغى، بل أن تنجح، ثم يكتشف الفلسطينيون أن النظام الذي استطاع عد الأصوات لا يستطيع احتمال معناها، فبعد عشرين عامًا من انتخابات ٢٠٠٦، لم يعد السؤال كيف يصل الناخب إلى الصندوق، بل ماذا يحدث إذا خرج منه قرار لا تريده القيادة، أو ترفضه إسرائيل، أو تخشاه عواصم تطالب الفلسطينيين بتجديد شرعيتهم .

هذه ليست انتخابات عادية، بل اختبار لنظام تعطلت آلية تجديده عقدين، أُعيد عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى ١٣٢، والاقتراع يفترض أن يشمل الضفة والقدس الشرقية وغزة، لكن القضية ليست عدد المقاعد، بل مقدار التغيير الذي يستطيع النظام تحمله عندما يتحول صوت الناخب من إجراء دستوري إلى قرار سياسي .

انتخابات ٢٠٠٦ تركت التحذير الأوضح، فازت حماس بـ٧٤ مقعدًا مقابل ٤٥ لفتح، لكن النتيجة لم تتحول إلى انتقال مستقر للسلطة، وبعد عام انقسم النظام بين الضفة وغزة، نجح الصندوق وفشلت السياسة، لأن الديمقراطية لا تُختبر بقدرتها على صناعة فائز، بل بقدرتها على إقناع الخاسر بأن خسارته مؤقتة وليست نهايته .

والجمهور نفسه تغير، فأحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية وجد أن ٧١ بالمئة يقولون إنهم سيشاركون إذا تنافست جميع الفصائل، وبين هؤلاء تحصل فتح على ٤١ بالمئة وحماس على ٢٩ بالمئة، لكن الرقم الأخطر ليس تقدم طرف، بل احتمال أن تكشف الانتخابات أن الثنائية التي احتكرت السياسة الفلسطينية لم تعد تحتكر المجتمع .

القدس هي الاختبار الأول، فإذا تعذر التصويت فيها قد تحصل إسرائيل عمليًا على حق النقض على تجديد الشرعية الفلسطينية، وغزة هي الاختبار الأصعب، فإذا فازت حماس فمن يحكم، وإذا خسرت فهل تسلم، وكيف تقوم سلطة منتخبة بينما يبقى القرار والسلاح موزعين بين أكثر من مركز، فالدولة لا تبدأ بصندوقين ولا تعيش بقرارين .

ثم تأتي مفارقة المنافسة، فقد خُفض سن الترشح إلى ٢٣ عامًا، لكن الترشح ارتبط بالاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا والالتزام ببرنامجها وقرارات الشرعية الدولية، فإذا كانت الانتخابات وسيلة لتغيير النظام وخياراته، فكيف يُطلب ممن يدخله أن يقبل جزءًا من خياراته قبل أن ينافس على تغييرها .

وهكذا قد يصبح الفلسطيني حرًا في تغيير الأشخاص، لكنه أقل حرية في تغيير السياسة .

أمام الفلسطينيين ثلاثة سيناريوهات، الأول أن تعيد الانتخابات إنتاج موازين القوة القديمة بشرعية جديدة، فيتغير عمر المؤسسات أكثر مما تتغير السياسة، والثاني أن تفوز المعارضة أو تظهر قوة ثالثة تكسر احتكار فتح وحماس، وهنا ينتقل الامتحان من الناخب إلى النظام والعالم، أما الثالث فهو الأخطر، أن تنجح الانتخابات ويفشل انتقال السلطة، فنعود إلى مأساة ٢٠٠٦ بصناديق جديدة .

أما الدور العربي والدولي فيجب ألا يكون صناعة نتيجة آمنة، فإعادة إعمار غزة وترتيبات حكمها تتقاطع مع تصورات عن حكومة تكنوقراط ونزع السلاح وقوة استقرار دولية، والخطر أن يُبنى شكل السلطة من الخارج ثم يُطلب من الفلسطيني منحه الشرعية من الداخل، المطلوب ضمان النتيجة لا هندستها .

والحل ليس اتفاقًا على من يفوز، بل اتفاقًا مسبقًا على كيفية الخسارة، انتقال ملزم للسلطة، قضاء مستقل، مؤسسات موحدة بين الضفة وغزة، حكومة خاضعة للمساءلة، وسلطة واحدة تحتكر القرار والسلاح، لأن الانتخابات بلا قواعد لليوم التالي قد تتحول من علاج لأزمة الشرعية إلى شرارة لأزمة جديدة .

لذلك لن يكون ٢٨ تشرين الثاني اليوم الأخطر، بل ٢٩ تشرين الثاني، إذا خسرت فتح هل تسلم، وإذا خسرت حماس هل تقبل، وإذا ظهرت قوة ثالثة هل يعترف بها الداخل والخارج .

بعد عشرين عامًا، قد يكتشف الفلسطيني أن أزمته لم تكن فقط في غياب الصندوق، بل في نظام يسمح بتغيير من يجلس على الكرسي من دون أن يضمن تغيير قواعد الكرسي نفسه، فالديمقراطية لا تبدأ عندما يستطيع الشعب اختيار الحاكم، بل عندما يستطيع إبعاده، وتبقى الدولة واقفة بعد رحيله .