2026-09-04 02:14 ص

الانتخابات الفلسطينية.. الأزمة في النظام لا في الأشخاص

2026-09-03

بقلم: نبهان خريشة
عندما يخرج عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح بحجم جبريل الرجوب ليقول إن الانتخابات الرئاسية يجب أن تسبق الانتخابات التشريعية، ويدعو إلى التوافق على شخصية وطنية للرئاسة، فإن المسألة تتجاوز خلافا في ترتيب مواعيد الانتخابات، وتتجاوز كذلك صراعا شخصيا داخل حركة فتح. الرجل يفتح، بقصد أو من دون قصد، بابا ظل مغلقا طويلا في الحياة السياسية الفلسطينية: من يملك القرار الفلسطيني؟ وكيف يصنع؟ ومن يقرر شكل النظام السياسي ومستقبله وآليات تجديد شرعيته؟.

هذه هي المسألة الحقيقية التي ينبغي ألا تضيع وسط التكهنات حول طموحات الأشخاص والصراعات داخل اللجنة المركزية لفتح. فالسؤال ليس إن كان جبريل الرجوب على خلاف مع الرئيس محمود عباس، ولا إن كان هذا الطرف أو ذاك يستعد لمعركة خلافة، وإنما إن كانت المؤسسات الفلسطينية لا تزال شريكة بالفعل في صناعة القرار، أم أن القرار انتقل تدريجيا خلال السنوات الماضية من المؤسسات إلى مكتب الرئيس، ومن القيادة الجماعية إلى دائرة محدودة تحيط به.

تصريحات الرجوب تكتسب أهميتها من موقع الرجل قبل مضمونها. فهو ليس معارضا سياسيا للسلطة، ولا قياديا في فصيل منافس، وإنما عضو في أعلى هيئة قيادية في حركة فتح، الحركة التي تقود السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. كما أن طرحه لم يقتصر على المطالبة بانتخابات، بل ذهب إلى ترتيب مختلف للعملية السياسية: انتخابات رئاسية أولا، والتوافق على شخصية وطنية، ثم الانتقال إلى الانتخابات التشريعية وإعادة بناء النظام السياسي ومؤسسات منظمة التحرير. وقد قال صراحة إن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الرئاسية تجعل البداية بالرئاسة أكثر منطقية.

وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح، فإنه يضع إصبعه على جوهر الأزمة.

فالرئاسة الفلسطينية ليست منصبا بروتوكوليا، بل هي مركز ثقل النظام السياسي. والرئيس يمتلك صلاحيات سياسية وتنفيذية واسعة، وهو في الحالة الفلسطينية يجمع كذلك بين رئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير ورئاسة حركة فتح. ومن هنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كان الهدف من الانتخابات هو تجديد الشرعية، فلماذا تبدأ عملية تجديد الشرعية من المجلس التشريعي، بينما تترك المؤسسة الأكثر تأثيرا في النظام إلى مرحلة لاحقة؟

الرئيس محمود عباس أصدر في التاسع من تموز مرسوما حدد يوم 28 تشرين الثاني 2026 موعدا للانتخابات التشريعية، فيما أعلنت الرئاسة أن الانتخابات الرئاسية ستجرى في الربع الأول من عام 2027. المشكلة هنا ليست في المرسوم بحد ذاته، فالانتخابات ضرورة وطنية تأخرت سنوات طويلة، وإنما في الفلسفة السياسية التي تحكم العملية كلها: هل الانتخابات جزء من مشروع متكامل لإعادة بناء النظام السياسي، أم مجموعة استحقاقات منفصلة يحدد الرئيس مواعيدها وتسلسلها وشروطها؟

لقد جرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، أي قبل عشرين عاما، وتعطلت الحياة البرلمانية فعليا منذ الانقسام عام 2007. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة انتهاء ولاية مجلس أو تأخر انتخابات، وإنما أزمة شرعية بنيوية تراكمت طوال عقدين تقريبا. لذلك فإن إجراء انتخابات تشريعية، على أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة الخلل.

المطلوب ليس ملء مقاعد شاغرة، وإنما إعادة بناء قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية.

وهنا نصل إلى المشكلة الأعمق: المراسيم الرئاسية.

ليست المشكلة أن يصدر الرئيس مرسوما، فهذا أمر تتيحه ظروف النظام والقانون في حالات معينة. المشكلة تبدأ عندما يتحول المرسوم من أداة لتنفيذ قرار سياسي ومؤسساتي إلى الأداة التي يصنع بها القرار السياسي نفسه. هناك فرق كبير بين أن تتوافق المؤسسات والقوى السياسية على مسار وطني ثم يصدر الرئيس المرسوم اللازم لتنفيذه، وبين أن يصبح المرسوم هو نقطة البداية التي تحدد شكل المسار السياسي وتوقيته وحدوده.

في الحالة الثانية تنقلب العلاقة بين المؤسسة والرئيس: بدلا من أن يكون الرئيس جزءا من النظام السياسي، يصبح النظام السياسي يدور حول الرئيس.

وهذا ما يجعل تصريحات الرجوب أبعد من مجرد رأي في الانتخابات. إنها تعيد طرح مسألة القيادة الجماعية التي كانت، على الأقل نظريا، واحدة من السمات التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية. فمنظمة التحرير لم تنشأ باعتبارها مؤسسة رئاسية، وحركة فتح نفسها قامت على تعدد مراكز القيادة، وكانت اللجنة المركزية إطارا لاتخاذ القرارات الكبرى، فيما يفترض أن تكون اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قيادة جماعية للشعب الفلسطيني.

لكن هذه المؤسسات فقدت تدريجيا جزءا كبيرا من قدرتها على التأثير في القرار.

وعندما يجري تهميش اللجنة المركزية لفتح، أو المجلس الثوري، أو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أو الفصائل والقوى السياسية الأخرى، فإن القضية لا تعود خلافا حول صلاحيات هذه المؤسسة أو تلك. نحن عندئذ أمام تحول في طبيعة الحكم نفسه: من نظام مؤسسات إلى نظام تتركز فيه السلطة السياسية بصورة متزايدة في شخص الرئيس والدائرة المحيطة به.

وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لنظام سياسي يواجه مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.

فالفلسطينيون اليوم لا يعيشون ظروفا طبيعية. هناك احتلال وحرب وانقسام سياسي وجغرافي، وهناك مستقبل غامض لقطاع غزة، وتصعيد إسرائيلي متواصل في الضفة الغربية والقدس، وضغوط اقتصادية ومالية هائلة على السلطة، إلى جانب محاولات إسرائيلية لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني كله. في مثل هذه اللحظة تحديدا تصبح القيادة الجماعية أكثر ضرورة، لا أقل.

القرارات المصيرية لا يجوز أن تكون ملكا لدائرة ضيقة مهما امتلك أفرادها من خبرة أو شرعية تاريخية، لأن حجم المخاطر أكبر من قدرة أي شخص أو مجموعة صغيرة على تحمل مسؤوليتها وحدها.

ثم إن تجديد الشرعية لا يمكن أن يكون انتقائيا. إذا كنا نريد من الفلسطيني أن يعود إلى صندوق الاقتراع بعد عشرين عاما من غياب الانتخابات التشريعية، فمن حقه أن يختار المجلس والرئيس معا، وأن يعرف مسبقا خريطة الطريق السياسية التي ستلي الانتخابات. ومن حقه أيضا أن يعرف كيف ستعاد صياغة العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وكيف ستشارك غزة في النظام السياسي، وكيف ستجدد مؤسسات المنظمة التي يفترض أنها تمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات.

ولهذا فإن الرئيس محمود عباس نفسه يجب أن يكون جزءا من عملية تجديد الشرعية، لا أن يكون وحده من يحدد شكلها وتوقيتها وحدودها.

وهنا تكمن أهمية الباب الذي فتحه جبريل الرجوب. فالمعركة الحقيقية ليست على اسم محمود عباس، ولا على اسم خليفته المحتمل، ولا ينبغي اختزالها في منافسة بين أقطاب فتح. فحتى لو تغير الرئيس غدا وبقيت آليات الحكم ذاتها، فإن شيئا جوهريا لن يتغير. سنكون قد استبدلنا شخصا بشخص، بينما بقي النظام نفسه ينتج المشكلة ذاتها.

القضية إذن هي قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية.

هل نريد نظاما تكون فيه المؤسسات هي التي تنتج القيادة، أم قيادة تنتج المؤسسات على مقاسها؟ هل نريد رئيسا يعمل داخل منظومة من الرقابة والتوازن والشراكة، أم منظومة سياسية تدور حول الرئيس؟ وهل نريد لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير تشارك فعليا في القرار، ولجنة مركزية لفتح تناقش وتقرر، ومجلسا تشريعيا يراقب الحكومة، أم مؤسسات تجتمع لتضفي الشرعية على قرارات اتخذت قبل اجتماعها؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال عن اسم الرئيس المقبل.

وقد يكون الخلاف الذي ظهر إلى السطح داخل فتح فرصة، لا أزمة، إذا تحول من صراع على المواقع إلى نقاش علني حول شكل النظام السياسي الذي يريده الفلسطينيون. فالمشكلة الفلسطينية لم تعد تقتصر على انتهاء شرعيات انتخابية منذ سنوات طويلة، وإنما أصبحت أزمة في مفهوم الشرعية ذاته وفي العلاقة بين الفرد والمؤسسة.

لذلك فإن الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها ثلاثة صناديق اقتراع منفصلة، وإنما باعتبارها مسارا وطنيا واحدا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من القاعدة إلى القمة.

الانتخابات ليست غاية في ذاتها. الانتخابات وسيلة لإعادة القرار إلى صاحبه الأصلي: الشعب.

وإذا كانت المرحلة المقبلة ستفتح فعلا ملف ما بعد محمود عباس، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق البحث عن خليفته ليس: من سيكون الرئيس المقبل؟

السؤال الأهم هو: أي نظام سياسي سيرأسه الرئيس المقبل؟

لأن أخطر ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون هو أن يغيروا اسم الجالس على الكرسي، ويتركوا الكرسي نفسه بكل ما تراكم حوله من صلاحيات واختلالات كما هو.