2026-09-04 02:35 ص

المقاصة ليست كل الحكاية

2026-09-03

بقلم: نبهان خريشة

كلما تأخرت رواتب الموظفين، أو صرفت بنسبة 60 أو 70 في المئة، أو أعلنت الحكومة عن ضائقة جديدة، تتكرر الرواية نفسها: السلطة الفلسطينية تعاني أزمة مالية خانقة، إسرائيل تحتجز أموال المقاصة، المساعدات الخارجية تراجعت، والخزينة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.

جزء مهم من هذه الرواية صحيح. إسرائيل تحتجز وتقتطع مليارات الشواكل من أموال فلسطينية وليست مساعدات إسرائيلية، وقد تحولت المقاصة منذ سنوات إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يغلق باب السؤال الفلسطيني الداخلي: ماذا تجمع السلطة فعليا من الفلسطينيين؟ وكم تنفق؟ وعلى ماذا؟ ولماذا تحول الموظف الحكومي، عاما بعد عام، إلى الممول الإجباري لعجز الموازنة من راتبه؟
الأرقام، وليس الخطاب السياسي، هي نقطة البداية.
كنت قد انطلقت في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة من تقديرات متداولة حول الضرائب المتحصلة من الوقود والغاز والسجائر والاتصالات وغيرها. لكن التدقيق في هذه الأرقام يقود إلى نتيجة مختلفة وأكثر تعقيدا. فجمع الضرائب المفترضة على كل سلعة بصورة منفصلة ثم إضافة أموال المقاصة إليها يمكن أن يؤدي إلى احتساب الإيراد نفسه مرتين، لأن جزءا كبيرا من الضرائب والجمارك والمكوس على الوقود والتبغ والسلع المستوردة يدخل أصلا ضمن حساب المقاصة.
وهنا تصبح الأرقام الرسمية نفسها أكثر فائدة في محاسبة الحكومة.
في موازنة 2025 قدرت الحكومة إجمالي الإيرادات بنحو 16.041 مليار شيكل: 5.807 مليارات من الإيرادات المحلية و10.234 مليارات من إيرادات المقاصة، مقابل نفقات عامة مقدرة بنحو 20.645 مليار شيكل. أي أن النفقات المخططة، حتى قبل أثر الاقتطاعات الإسرائيلية، أعلى من الإيرادات. والحكومة نفسها قدرت أنه إذا استمرت الاقتطاعات الإسرائيلية فإن الفجوة التمويلية قد تصل إلى 6.923 مليارات شيكل.
إذن، القول إن السلطة تجمع ستة مليارات دولار محليا كل عام ثم تعلن إفلاسها لا تدعمه البيانات المنشورة. ستة مليارات دولار تعادل أكثر من عشرين مليار شيكل، بينما الإيرادات المحلية التي قدرتها الحكومة نفسها لعام 2025 كانت 5.8 مليارات شيكل فقط، قبل إضافة المقاصة.
لكن تصحيح الرقم لا يبرئ الإدارة المالية للسلطة، بل ينقل النقاش إلى المكان الذي ينبغي أن يكون فيه.
خذوا الوقود مثلا. هناك بالفعل إيراد ضخم مرتبط بالمحروقات، لكن جزءا رئيسيا منه يظهر في المقاصة وليس باعتباره موردا محليا منفصلا يمكن إضافته مرة أخرى إلى المقاصة. بيانات صندوق النقد السابقة تبين أن ضريبة المحروقات وحدها كانت تشكل مليارات الشواكل من إيرادات المقاصة سنويا. الأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على السجائر والسلع المستوردة. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا تظهر مليارات الوقود؟ بل: كم جُبي فعليا من كل مصدر؟ وكم وصل إلى الخزينة؟ وكم احتجزت إسرائيل؟ وكم اقتطع تحت كل بند؟
وهذه معلومات يفترض ألا يحتاج المواطن إلى باحث اقتصادي لاستخراجها من عشرات الجداول.
المشكلة الأكبر أن أزمة السلطة الحالية ليست مجرد "عجز محاسبي"، بل أزمة سيولة حقيقية أيضا. الفرق مهم. فقد يكون للسلطة مليار شيكل مستحق لها على الورق، ولكن إذا احتجزته إسرائيل فلن تستطيع استخدامه لدفع راتب في نهاية الشهر. وهذا بالضبط ما حدث بصورة حادة في 2025. البنك الدولي أكد أن تعليق تحويلات المقاصة، إلى جانب تراجع الإيرادات المحلية وعدم كفاية المساعدات، دفع السلطة إلى خفض الرواتب وزيادة الاقتراض وتراكم المتأخرات.
بل إن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" يشير إلى أن إسرائيل واصلت احتجاز عائدات المقاصة، وأن الأموال المحتجزة والمتراكمة بلغت مليارات الشواكل، فيما اضطر ذلك السلطة إلى دفع رواتب جزئية والاستدانة وتأجيل مستحقات الموردين. كما تراجعت الإيرادات الضريبية المحلية نفسها مع انكماش الاقتصاد الفلسطيني.
إذن هناك أزمة حقيقية.
ولكن هنا يبدأ النقد، ولا ينتهي.
لأن السؤال ليس فقط: هل لدى السلطة عجز؟ بل أيضا: كيف نشأ هذا العجز؟ وكيف يدار؟ ومن يدفع ثمنه؟
الموظف الفلسطيني أصبح، عمليا، أحد أهم المقرضين للحكومة من دون أن يسأله أحد إن كان يريد إقراضها. عندما يستحق له راتب كامل ويتلقى 60 أو 70 في المئة منه، لا يختفي الباقي. إنه دين على الحكومة. وبذلك تحل السلطة جزءا من مشكلة السيولة بنقلها من خزينة وزارة المالية إلى منزل الموظف: الحكومة لا تستطيع دفع التزاماتها، فيصبح الموظف هو الذي لا يستطيع دفع قسط البنك أو إيجار البيت أو فاتورة الجامعة أو ديونه للبقالة.
هذه ليست معالجة للعجز، بل إعادة توزيع للعجز على المجتمع.
والأمر لا يقتصر على الموظفين. الموردون ينتظرون مستحقاتهم، وصندوق التقاعد يحمل مطالبات، والبنوك تقرض الحكومة، والقطاع الخاص ينتظر ديونه. وهكذا تستمر المؤسسة العامة في العمل من خلال سلسلة متصاعدة من الديون والمتأخرات.
حتى دراسة إسرائيلية حديثة استندت إلى تقارير وزارة المالية خلصت إلى أن إحدى آليات بقاء السلطة خلال 2024 و2025 كانت، ببساطة، نقل عبء الأزمة إلى الموظفين والموردين والبنوك، إلى جانب الزيادة الكبيرة في المساعدات الخارجية.
أما المساعدات الخارجية، فيجب التعامل معها بدقة أيضا. مبلغ الـ400 مليون الذي يشار إليه أوروبيا ليس 400 مليون دولار تتكرر سنويا ولا أموالا حرة تستطيع الحكومة إنفاقها كيفما تشاء. الاتحاد الأوروبي أعلن عام 2024 عن حزمة طارئة قيمتها 400 مليون يورو على شكل منح وقروض مرتبطة بتنفيذ أجندة إصلاح، وقد صرفت على دفعات. ثم أعلن برنامجا أوسع للفترة 2025-2027 يصل إلى 1.6 مليار يورو، لكن جزءا منه مخصص للاستثمار والقطاع الخاص وليس كله دعما مباشرا لخزينة السلطة. وفي حزيران 2025 خصص الاتحاد 150 مليون يورو للسلطة للمساعدة في الخدمات العامة والرواتب.
والمفارقة هنا لافتة: عندما يصبح المانح الأوروبي معنياً بـ"الإصلاح المالي" و"الشفافية" بوصفهما شرطا للدعم، فمن حق الفلسطيني الذي يدفع ضريبة القيمة المضافة على مشترياته، والرسوم على معاملاته، والضرائب على دخله واستهلاكه، أن يكون أكثر تشددا من المانح في المطالبة بالشفافية.
ليس المطلوب أن تخبرنا الحكومة بأن إسرائيل تسرق أموال المقاصة. نحن نعرف ذلك، وهذه جريمة اقتصادية وسياسية ينبغي مواجهتها دوليا. المطلوب أيضا أن تخبرنا الحكومة، بلغة يستطيع المواطن فهمها، أين تذهب كل مئة شيكل تدخل الخزينة.
كم يذهب إلى الرواتب؟ كم للأمن؟ كم للصحة؟ كم للتعليم؟ كم للمؤسسات التابعة للرئاسة؟ كم للبعثات والسفارات؟ كم للمركبات والمهمات والسفر؟ كم خدمة للدين؟ كم تدفع الحكومة فوائد للبنوك؟ كم تبلغ المتأخرات الحقيقية للموظفين والقطاع الخاص وصندوق التقاعد؟ وكم تبلغ تكلفة المؤسسات والهيئات التي يمكن دمجها أو إلغاؤها؟
وعندما تقول الحكومة إنها تمارس "التقشف"، فمن حق المواطن أن يعرف أين وقع هذا التقشف تحديدا.
هل بدأ من أعلى الهرم أم من راتب المعلم؟
هل طال امتيازات كبار المسؤولين قبل أن يصل إلى موظف الصحة؟
هل ألغيت النفقات غير الضرورية فعلا، أم أن التقشف في التجربة الفلسطينية يعني ببساطة أن يحصل الموظف الصغير على نسبة من راتبه بينما تبقى بنية الإنفاق الأساسية كما هي؟
هذه الأسئلة لا تنفي مسؤولية الاحتلال. العكس هو الصحيح. الاقتصاد الفلسطيني يعمل داخل منظومة استعمارية تتحكم إسرائيل بحدوده وعملته وتجارته الخارجية وعماله وبجزء كبير من إيراداته. وتحويل المقاصة إلى سلاح سياسي يجعل بناء سياسة مالية مستقلة شبه مستحيل. وفي 2025 وصلت الأزمة إلى مستوى غير مسبوق مع توقف التحويلات وتراكم مليارات الشواكل المحتجزة.
لكن الاحتلال لا يجوز أن يتحول إلى ستار يحجب مسؤولية الإدارة الفلسطينية.
لدينا إذن، حقيقتان وليستا حقيقة واحدة: هناك حصار مالي إسرائيلي حقيقي، وهناك في الوقت نفسه أزمة فلسطينية حقيقية في بنية المالية العامة والشفافية والمساءلة وترتيب الأولويات.
والخلط بينهما يخدم الحكومة أكثر مما يخدم المواطن.
ليس صحيحا، وفقا للأرقام المنشورة، أن السلطة تملك ستة مليارات دولار من الإيرادات المحلية وتخفيها في "ثقب أسود". ولكن الصحيح أيضا أن الفلسطيني لا يمتلك حتى اليوم صورة مبسطة ومقنعة تمكنه من تتبع أمواله من لحظة دفع الضريبة حتى لحظة إنفاقها.
وهنا تكمن القضية.
فالحكومة التي تطالب موظفها بالصبر عليها، والمواطن بدفع المزيد من الضرائب والرسوم، والقطاع الخاص بانتظار مستحقاته، والبنوك بإقراضها، والدول المانحة بمساعدتها، مطالبة في المقابل بأن تفتح دفاترها للمجتمع بأقصى درجات الشفافية.
وإذا كانت الأرقام المتداولة عن إيرادات الوقود والسجائر والاتصالات مبالغا فيها أو تحتسب الضريبة مرتين، فلتنشر الحكومة الأرقام الصحيحة بالتفصيل. وإذا كانت الإيرادات لا تكفي، فلتوضح لماذا. وإذا كانت إسرائيل تحتجز جزءا منها، فلتنشر شهريا: ما استحق، وما اقتطع، وما حُجز، وما وصل بالفعل.
السؤال بعد ذلك لن يكون: هل السلطة مفلسة؟
بل سيكون أكثر دقة وخطورة:
كم من أزمتنا المالية صنعه الاحتلال، وكم منها صنعناه نحن بسوء الإدارة وغياب المساءلة؟ ولماذا، في الحالتين، يكون الموظف والمواطن هما أول من يدفع الثمن؟