2026-09-03 09:10 م

قوة إسرائيل لم تعد تكفي... السعودية تعيد تعريف الشريك الإقليمي

2026-09-03

في الوقت الذي تنظر فيه إسرائيل إلى نفسها بوصفها الشريك الأكثر جاذبية في المنطقة بفعل قوتها العسكرية ووجود خصوم مشتركين، تبرز قراءة سعودية مختلفة تمامًا، تعتبر أن هذا التصور لم يعد كافيًا لفهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط، وأن بنية أمنية إقليمية جديدة تتشكل من دون أن تكون إسرائيل بالضرورة في مركزها.

وبحسب مقال رأي للباحث السعودي الدكتور عبد العزيز الغشيان، المتخصص في السياسة الخارجية السعودية تجاه إسرائيل، والمنشور في موقع "N12" الإسرائيلي، فإن توقيع اتفاق الدفاع المشترك في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان أثار اهتمامًا واسعًا في إسرائيل، حيث انصب النقاش بصورة أساسية على سؤال واحد: هل هذا التحالف الجديد موجّه ضد إسرائيل؟

ويرى الغشيان أن هذا السؤال بحد ذاته يعكس طريقة التفكير الإسرائيلية التقليدية، إذ اعتادت إسرائيل منذ سنوات تفسير التعاون الإقليمي من خلال مفهوم «العدو المشترك».

وبحسب هذه النظرة، جرى تفسير «اتفاقات أبراهام» أيضًا على أساس أن التهديد الإيراني هو العامل الذي يجمع إسرائيل بالدول العربية، ويجعل من إسرائيل القوية شريكًا لا غنى عنه.

إلا أن الغشيان يعتبر أن الميل الإسرائيلي إلى تفسير «اتفاق مكة» من خلال السؤال عما إذا كان مؤيدًا لإسرائيل أو موجهًا ضدها، يكشف مشكلة أعمق في الخطاب السياسي والاجتماعي الإسرائيلي.

وبرأيه، فإن أي محاولة لفهم ديناميات المنطقة عبر تقسيمها بصورة ثنائية إلى معسكرات تتشكل على أساس أعداء مشتركين هي قراءة خاطئة ومحدودة.

ويشير إلى أن هذا التصور لا يعكس الطريقة التي تنظر بها السعودية ولاعبون إقليميون آخرون إلى الأمن.

فحتى خلال الاتصالات التي كانت جارية بشأن تطبيع محتمل بين إسرائيل والسعودية قبل 7 تشرين الأول، كانت الرياض قد أعادت علاقاتها مع إيران، كما فعلت الإمارات العربية المتحدة، من دون أن تعتبر الدولتان أن هناك تناقضًا بين المسارين.

ومن هذا المنطلق، يرى الغشيان أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، وأن إسرائيل ليست بالضرورة في مركز النظام الإقليمي الجديد الذي يتكون تدريجيًا.

ويقر الباحث السعودي بأن إيران تشكل تهديدًا حقيقيًا للمنطقة، مشيرًا إلى أن الإيرانيين، منذ شهر شباط، أطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه دول الخليج بأعداد أكبر من تلك التي أطلقت باتجاه إسرائيل.

لكن وجود تهديد مشترك، بحسب الغشيان، لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية مشتركة لمواجهته.

ومن وجهة النظر الخليجية، فإن أحد أبرز الدروس المستخلصة من الحرب الأخيرة يتمثل في خطورة التصعيد الإقليمي غير المنضبط على الدول التي تجد نفسها منخرطة في صراعات لم تسعَ أصلًا إلى المشاركة فيها.

ويعتبر الغشيان أن المصلحة الأساسية بالنسبة إلى السعودية تتمثل في ضمان الاستقرار والقدرة على توقع التطورات، وتعزيز القدرات الدفاعية الإقليمية، وإنشاء أطر أمنية إضافية.

وهذه الأطر، وفق رؤيته، ليست مطالبة بأن تحل مكان البنية الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، بل أن تعمل إلى جانبها وتكملها.

ويأتي «اتفاق مكة»، بحسب الغشيان، كتعبير عن منطقة تسعى إلى تحمل مسؤولية أكبر في حماية أمنها.

فالسعودية وتركيا وباكستان لا تتفق على كل شيء، إلا أن ما يهمها هو القدرة على إدارة التحديات الأمنية، وتعزيز الردع، وإقامة أشكال من التعاون رغم الخلافات القائمة بينها.

ويرى الباحث أن إسرائيل يمكن أن يكون لها مكان داخل مثل هذه البنية أيضًا.

فالإسرائيليون، بحسب رأيه، يدركون جيدًا مصلحتهم في الاندماج ضمن إطار أمني إقليمي، إلا أنهم كثيرًا ما يصرون على فصل هذا الهدف بصورة كاملة عن النقاش المتعلق بالسياسة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية وساحات أخرى.

ومن وجهة النظر السعودية، بحسب الغشيان، يصبح تجاهل هذا التناقض أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

ويذهب الباحث إلى حد القول إن إسرائيل كان من الممكن أن تُنظر إليها بصورة تلقائية باعتبارها ركيزة أساسية في بنية أمنية إقليمية، إلا أن سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية تحولها، في نظره، إلى «ركيزة في بنية من انعدام الأمن».

ويؤكد الغشيان أن هذا المسار ليس حتميًا، مشيرًا إلى أن السعودية ولاعبين إقليميين آخرين سبق أن أثبتوا أن إسرائيل يمكن أن تكون شريكًا استراتيجيًا، لكن ذلك يبقى مرتبطًا بالسياسة التي تعتمدها.

ويوضح أن هذا لا يعني أن السعودية تعتبر إسرائيل وإيران تهديدين متساويين، ولا أن المنطقة بأكملها تتجه ضد إسرائيل.

لكن الدلالة الحقيقية، بحسب رأيه، أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الإسرائيليين، إذ إن القوة العسكرية الإسرائيلية التي يفترض كثيرون داخل إسرائيل أنها تجعل دولتهم شريكًا جذابًا، باتت تُنظر إليها في أنحاء من المنطقة على أنها مصدر لعدم اليقين والمخاطر.

ويرى الغشيان أن نتائج الحرب مع إيران تكشف بوضوح هذه الفجوة في النظرة.

ففي حين اعتبرت أجزاء من الخطاب الإسرائيلي أن السلوك الإيراني دليل على أن إسرائيل والدول العربية حلفاء طبيعيون، خرجت دول الخليج باستنتاج مختلف.

وبحسب هذه القراءة، لم يعد السؤال يقتصر على تحديد هوية العدو المشترك، بل بات يتعلق بكيفية التعامل معه، وضبط التصعيد، والحفاظ على الاستقرار.

ويشدد الغشيان على أن هذه التفرقة أساسية، إذ يمكن بناء الردع بالقوة العسكرية، لكن بناء الشراكات يحتاج إلى عناصر مختلفة، بينها الموثوقية، وضبط النفس، ووجود رؤية مشتركة ليس فقط للنظام الإقليمي، بل أيضًا للطريقة التي ينبغي أن يُبنى بها.

ومن هنا، يعتبر أن السؤال الذي يجب أن يشغل الإسرائيليين ليس ما إذا كان «اتفاق مكة» موجهًا ضد إسرائيل، بل لماذا تجد إسرائيل نفسها، في لحظة تعمل فيها المنطقة على بناء آليات أمنية جديدة، خارج النقاش بدرجة متزايدة.

ويجيب الغشيان بأن إسرائيل، إذا أرادت الاندماج في البنية الأمنية التي تتشكل حاليًا في الشرق الأوسط، فعليها أن تثبت أنها قادرة على أن تكون أكثر من مجرد شريك قوي.

وبرأيه، المطلوب أن تكون إسرائيل شريكًا موثوقًا ويمكن توقع سلوكه، قادرًا على ممارسة ضبط النفس والاستثمار في الدبلوماسية، وألا تتوقع أن يحل عدم اليقين والخوف مكان الثقة.

وعليه، فإن «اتفاق مكة» لا يبدو، في هذه القراءة، إعلان اصطفاف ضد إسرائيل بقدر ما يعكس تحوّلًا أوسع في مفهوم الأمن الإقليمي، حيث لم تعد القوة وحدها كافية لحجز مقعد على الطاولة، فيما يصبح الاستقرار والموثوقية وضبط التصعيد عناصر حاسمة في تحديد من يدخل إلى البنية الجديدة ومن يبقى خارجها.

المصدر: ليبانون ديبايت