2026-09-01 09:18 م

المعارضة الأردنية.. والصفيح الذي تنام عليه المملكة

2026-09-01

بقلم: فؤاد البطاينة
صحيح أن الأحزاب وسيلة نخبوية لتوعية المجتمعات وفتح الأفاق أمام إنسانها وخياراته الحرة، إلا أنها الأداة الرئيسية لإعمال الديمقراطية بتفعيل إرادة الشعوب في دولها بدلا عن إرادة الفرد، من خلال صناديق الإقتراع البرامجية وصولاً لما هو أقرب للشرعية في إدارة الشؤون العامة للشعوب في الدول، أي في الحكم والتناوب عليه لتنفيذ خيارات الشعب بعيداً عن الإستبداد. وبالتالي فإن الأحزاphoto_libraryب من سمات ولزوميات الدول ذات الأنظمة الديمقراطية أو المتحولة للديمقراطية . سواء كانت هذه الدول ملكية أو جمهورية أو أي نمط أخر.

وعليه، فإن فلسفة وجود الحزب أو الفكرة الحزبية المتمثلة في الوصول لتسلم أمانة الحكم لا مكان لها ولا مجال لتحقيقها في الدول الدكتاتورية أو المستبدة بالسلطة ولا في الدول المستعمَرة أو فاقدة السيادة. وإذا ما سمح بوجودها بتلك الدول فسيكون هذا فقط من قبيل الحاجة لاستخدامها لخدمة سياسات أنظمتها وشرعنتها، وليس لمجرد ديكور ديمقراطي. فالحزب الذي لا يستفيد النظام الدكتاتوري من وجوده أو يعصي تنفيذ رغباته أو لا يرضخ لسياساته أو للتدجين، فمصيره لا يتوقف عند حله وإخراجه من المنظومة السياسية الرسمية بل ويُصار أيضا الى شيطنته وملاحقة منتسبيه. بمعنى أن هذه الأنظمة الأوتوقراطية التي تسمح بوجود الأحزاب ومنها الكثير في الدول العربية كالأردن، لا تتقبل وجود أي معارضة حقيقية ولا أي تشكيل سياسي معارض معارضة حقيقية.
ففي الأردن عشرات الأحزاب المرخصة وكلها مدجنة بسقف النظام الزئبقي وغير الثابت، أو بسقفها الذي يجنبها غضب النظام وحلها، وأستثني مع الكثيرين حزب الشراكة والإنقاذ، حيث هو الوحيد العصي على التدجين والمحظور بدون قانون. والسبب أنه الحزب المعارض حقيقة للسياسات التي يراها خاطئة أو لا تتفق مع مصلحة الدولة والوطن ولا الدستور المعمول به، وليس لسبب أخر يُقال. وهذا كاف لكي تراجع بقية الأحزاب فلسفة وجودها من ناحية وفلسفة إبقاء النظام عليها من ناحية أخرى.
وإلا نريد تفسيراً للحظر الخشن المفروض على حزب كحزب الشراكة والإنقاذ وملاحقة منتسبيه ومريديه بالتهديد والإيذاء والتمييز في حقوق المواطنة حتى وهو محلول، بذرائع غير منطقية ولا صحيحة ولا قانونية، وغالبا ما تكيف التهمة بتقويض النظام أو أن الحزب ضد الدولة . والقيادي أيمن صندوقة مثال ناطق ومؤلم . وكل هذا رغم التزام الحزب بقانون الأحزاب نصاً وروحا ووضوح مواقفه الأساسية ومنها الرفض بشدة لأي عبث أو مساس بأي وسيلة من أي نوع بأمن واستقرار البلد أو بسلامة مؤسسة العرش سواء من تحت الطاولة أو من فوقها، والحزب لم ولن يطرح نفسه يوماً بديلا للنظام. وهدفه الأسمى هو العمل السياسي في الضوء لتصحيح النهج السياسي على المستويين الخارجي والداخلي ووقف معول الفساد وتغول الحكومات المفضي لهدم الدولة، سعياً لإسقاط المشروع الصهيوني في فلسطين والأردن وصولاً الى أردن حر وراسخ بمملكة دستورية ديمقراطية. فعلى أي أساس يُحظر هذا الحزب ويلاحق؟ هذا سؤال خطورته تكمن بالإجابة الحقيقية عليه.
ولاستكمال اللعبة، فأن النظام حريص على أن يكون في مجلس النواب حزب معارض في الشكل هي من تختاره لدوكرة الشرعية الديمقراطية على قراراته المؤلمة التي تتعلق بالسياستين الخارجية والداخلية. وعادة ما يكون الخيار هو حزب الإخوان المسلمين لثلاثة أسباب مترابطة:
ـ الأول: أن سقفه يقف عند مصلحته في البقاء كحزب مصرح به رسمياً.
ـ والثاني: لسهولة تطويعه عندما تمد الحكومة يدها إليه أو تبتزه باللا شرعية أو بالإرهاب.
ـ والثالث: لأنه أوسع الأحزاب قاعدة انتخابية شعبية وتحتاجه الدولة عند إجراء الانتخابات التشريعية العامة. حيث أن تمنعه عن المشاركة بها قد يفقدها نصاب إجرائها . علما بأن النظام أو الحكومة لا تخشى على نتائج تصويت المجلس على قراراتها لأنها تضمن هذا من خلال التدخل في العملية الإنتخابية لإيصال العدد الكافي من رجالها للمجلس، وكذلك من خلال التفاهم مع الإخوان على محدودية عدد ممثليهم في المجلس. وبهذا يكون تصويت المعارضة بمثابة شرعنة القرارات الصعبة، وشهادة زور.
وفي الختام، إذا كان للنظام مصلحة في كتم صوت الشعب أو تزوير إرادته فاليوم قد انتهت على نية أصدقائه التاريخيين وكيان الإحتلال بإنهاء الدولة من جذورها. فألواقع القائم منذ عقود بمسلماته وتحالفاته المزيفة يتآكل، والشيفرة السياسية  سقطت، وعطاءُ النظام الطويل الأمد لهم بلا حدود أصبح بمثابة جزية ولم يعد مشكوراً. وأمريكا سترفع الغطاء عن الأردن لصالح فتك اسرائيل به، فتهويد الضفة وطرد أصحابها قائم وفيه تصفية للقضية الفلسطينية في الأردن، وهذا سيعني بروز القضية الأردنية. ولا تحالفات في الصورة لها مصلحة في مواجهة أمريكا وإسرائيل دفاعاً عن الأردن، وليس أمام قيادة النظام والدولة ككل إلا الحل الداخلي. فلدينا ما هو أقوى من التحالفات إن صدقت النوايا. لدينا المصالحة الوطنية على قاعدة المواجهة لأجل وطن حر ومملكة معافاة لا مكان فيها لصهيوني أو لغزاة الخارج والداخل أحصنة طروادة، نحو جبهة داخلية متماسكة، إنها القوة الرادعة.
كاتب عربي اردني