2026-09-01 09:00 م

الراتب في انتظار الانتخابات 

2026-09-01

بقلم: يونس العموري

يبدو ان الساحة بخير، او هكذا ينبغي لنا ان نتصرف على الاقل، فليس من اللائق سياسيا ان نعترف بأن المشهد وصل الى درجة من العبث تجعل السؤال عن المستقبل نوعا من التشاؤم، والسؤال عن المسؤولية نوعا من التشويش، والسؤال عن جدوى ما نفعله منذ سنوات نوعا من عدم فهم تعقيدات المرحلة. لدينا كل شيء تقريبا، لدينا الحرب التي لم تنته اسئلتها، والدمار الذي لم يجد بعد من يدفع ثمنه سياسيا، والجغرافيا التي يعاد تشكيلها بالقوة، والانقسام الذي صار اطول من عمر كثير من البيانات التي تعلن انتهاءه، ولدينا سلطة تتحدث عن الشرعية، وقوى تتحدث عن المقاومة، وقيادات تتحدث عن الوحدة، ومجتمع سياسي كامل يتحدث عن المشروع الوطني، حتى يخيل اليك ان المشروع الوطني هو الشيء الوحيد الذي لم يجد بعد من يتحدث معه.

ولا داعي طبعا للقلق، فهناك الصندوق. الصندوق دائما يأتي في الوقت المناسب، حتى لو كان الوقت نفسه لا يعرف ماذا يفعل بنفسه. الصندوق قادر، وفقا للرواية السياسية السائدة، على اعادة الشرعية، وتجديد المؤسسات، وفتح الطريق امام المستقبل، وربما حل الانقسام اذا اتيح له وقت كاف. لا احد يسأل كثيرا كيف يمكن لصندوق انتخابي ان يعالج واقعا سياسيا وجغرافيا وعسكريا تشكل خلال سنوات، ولا احد يريد ان يفسد فرحة الديمقراطية بالسؤال عما اذا كانت الانتخابات ستغير الواقع ام انها ستمنح الواقع فقط شرعية جديدة. المهم ان هناك صندوقا، وان هناك قوائم، وان هناك مرشحين، وان هناك سباقا، وان علينا جميعا ان نتصرف وكأن المشكلة الاساسية في الساحة كانت دائما نقصا في بطاقات الاقتراع.

لكن هناك تفصيلا صغيرا يبدو ان منظمي العرس الديمقراطي نسوه، وهو ان الناخب نفسه يحتاج الى ان يعيش حتى يصل الى الصندوق. وهذه ليست مسألة سياسية مهمة على ما يبدو، فالمهم ان يصل الى الصندوق، اما كيف يصل، وماذا اكل في ذلك اليوم، وكيف سيدفع فاتورة الكهرباء، وماذا سيفعل مع ايجار البيت، وكيف سيشتري الدواء، وكيف سيشرح لاطفاله ان الراتب تأخر مرة اخرى، فكلها تفاصيل اجتماعية يمكن تأجيلها الى ما بعد الانتخابات، او الى ما بعد المرحلة المقبلة، او الى ان تفرغ اللجنة الاقتصادية من دراسة الموضوع.

فالراتب في الساحة لم يعد مجرد راتب، لقد تحول الى اختبار شهري لقدرة المواطن على الصبر، والى مؤشر سياسي غير معلن، والى بطاقة انتخابية مؤجلة. الموظف الذي ينتظر راتبه قد يسمع كثيرا عن الاستقلال السياسي، وعن حرية الاختيار، وعن القرار الوطني المستقل، لكنه يريد في نهاية الشهر ان يعرف فقط هل سيدخل الراتب ام سيحتاج الى استعارة بعضه من الشهر المقبل. وقد يسمع عن تجديد الشرعية وهو يحاول تجديد اشتراك الهاتف، وعن بناء المؤسسات وهو يحاول ان يعرف كيف يسدد ديونه، وعن المستقبل الوطني وهو يشرح لصاحب الدكان ان الحساب القديم سيبقى قديما قليلا.

ومع ذلك، نطلب منه بكل جدية ان يذهب الى الصندوق ويمارس ارادته الحرة، وهذا جميل جدا، بل ديمقراطي الى درجة تستحق الاحتفال، فقط هناك سؤال صغير، ما حجم الحرية التي يستطيع ان يمارسها من يذهب الى الصندوق وهو يفكر قبل ذلك في راتبه، وفي وظيفته، وفي لقمة عائلته، وفي ابنه الذي يبحث عن عمل، وفي ابنته التي تؤجل زواجها لان تكاليف الحياة اصبحت اكثر ديمقراطية من قدرتها على الاحتمال؟ هل يستطيع الناخب ان يفصل ورقة الاقتراع عن حياته؟ وهل يستطيع ان يدخل خلف الستارة الانتخابية وينسى للحظة كل ما يحدث امامه وخلفه وخلال الشهر كله؟

ربما يستطيع، فالسياسة تفترض دائما ان الذاكرة قصيرة، لكن الذاكرة الاجتماعية عنيدة جدا. الموظف يتذكر الراتب حين يدخل الى الصندوق، ويتذكره ايضا حين لا يدخل، ويتذكر الاسعار حين يشتري، والديون حين يستدين، والبطالة حين يرى ابنه في البيت، والواسطة حين يرى وظيفة تذهب الى غيره، والوعود حين يسمع وعدا جديدا. وكل هذه الاشياء قد لا تظهر في البرامج الانتخابية، لكنها قد تظهر فجأة داخل الصندوق، وهو ما يجعل الصندوق اكثر خطورة مما تتخيل بعض القوى السياسية.

وهنا تبدأ مشكلة اخرى، الجميع يريد ناخبا واعيا، مستقلا، حرا، قادرا على اتخاذ القرار، لكن الجميع يريد ايضا ان ينسى ان الناخب كائن اجتماعي وليس رقما انتخابيا، له راتب، او لا راتب، له وظيفة، او يبحث عنها، عليه ديون، او يبحث عمن يقرضه، لديه بيت، او يبحث عن بيت، لديه ابناء ينتظرون مستقبلا، او ابناء ينتظرون فرصة لا تأتي. ومع ذلك يطلب منه ان يقرأ البرامج الانتخابية بعناية، وان يوازن بين الخيارات، وان يختار على اساس المصلحة الوطنية، وكأن مصلحته الوطنية لا تبدأ احيانا من سؤال بسيط جدا، كيف سأعيش غدا؟ 

وهذا ايضا جزء من العبث، نحن نريد من الناخب ان يكون فوق مصالحه الصغيرة، بينما السياسة نفسها لا تتوقف لحظة عن حساب مصالحها الصغيرة والكبيرة، نطلب منه ان يفكر بالمشروع الوطني، بينما بعض القوى تفكر بعدد المقاعد، نطلب منه ان يختار على اساس المستقبل، بينما بعض المرشحين يفكرون في مواقعهم بعد الانتخابات، نطلب منه ان يكون وطنيا، بينما بعض الخطابات الوطنية لا تتذكره الا في موسم الانتخابات.

ولذلك لا تستغربوا اذا دخل الناخب الى الصندوق وهو يحمل معه اكثر من ورقة الاقتراع، قد يحمل معه قسطا متأخرا، وفاتورة كهرباء، وديونا، وسيرة ذاتية لابنه، وطلب وظيفة لم يجد من يقرأه، وذاكرة طويلة من الوعود، وقد يضع كل ذلك في الورقة بطريقة لا تظهرها ماكينة الفرز، لكنها تظهر في النتيجة.

وهنا ربما تكون المفاجأة، فالقوى السياسية تتعامل مع الصندوق باعتباره لحظة لاختيار ممثلين، بينما قد يتعامل معه الناخب باعتباره فرصة صغيرة جدا ليقول شيئا عن حياته التي لم يجد من يسأله عنها طوال السنوات الماضية. قد لا يكون غاضبا من هذا الفصيل وحده، ولا راضيا عن ذاك الفصيل وحده، وقد لا يكون همه الاول من سيفوز بالكرسي، بل من يستطيع ان يعيد اليه شيئا من الشعور بأن السياسة ليست لعبة مغلقة بين اصحابها.

لكن لا بأس، فلدينا برامج اقتصادية، برامج جميلة جدا، مليئة بالكلمات التي تجعل الفقر يبدو وكأنه مشكلة قابلة للتفاوض، والبطالة وكأنها مرحلة انتقالية، وارتفاع الاسعار وكأنه مؤشر على ازدهار السوق، وتأخر الرواتب وكأنه مجرد خلل فني في التحويلات. وكل برنامج يعد بالسعادة المؤجلة، بشرط ان يصبر الناخب قليلا، وان يمنح صوته اولا، ثم يأتي دور السعادة في مرحلة لاحقة.
وهكذا يصبح المواطن مطالبا بالصبر قبل الانتخابات وبعدها، وفي الحالتين هناك تفسير جاهز، قبل الانتخابات الظروف صعبة، وبعد الانتخابات الظروف اصعب، وبينهما يبقى الراتب هو المرشح الوحيد الذي لا يستطيع الناخب ان يصوت له.

ثم نعود الى الحديث عن الديمقراطية، والديمقراطية، كما نعرف، لا تعترف بالراتب، ولا بالغلاء، ولا بالديون، ولا بفواتير المدارس، ولا بقلق الموظف، ولا بحيرة العاطل عن العمل، هي تسأل فقط عن الرقم الوطني في سجل الناخب، ثم تمنحه ورقة ويقال له، تفضل، مارس سيادتك. يا لها من سيادة عظيمة، يخرج من الصندوق وهو سيد قراره، ثم يعود الى البيت ليسأل، هل نزل الراتب؟ وقد تكون الاجابة هي النتيجة السياسية الاكثر صدقا في ذلك اليوم.

وعندما نضيف كل هذا الى المشهد العام، تصبح الصورة اكثر وضوحا، نحن لا نطلب فقط من الساحة ان تنتخب وهي تحت النار، ولا من القوى ان تتفق وهي مختلفة، ولا من المشروع ان يتوحد وهو موزع بين رؤى متناقضة، بل نطلب من المواطن ايضا ان يؤدي دوره الديمقراطي في الوقت الذي يعيش فيه ضغطا اجتماعيا واقتصاديا قد يجعل الانتخابات نفسها جزءا من قلقه، لا متنفسا منه.

وهنا يصبح السؤال اكثر قسوة، هل نحن ذاهبون الى الصندوق كي نغير الواقع، ام اننا ذاهبون فقط كي نثبت اننا ما زلنا قادرين على اجراء انتخابات في واقع لم يتغير؟ هذا السؤال قد لا يعجب اصحاب الخطابات الكبيرة، لكن الناخب ربما يعجبه، فهو في النهاية لا يعيش في البيانات، يعيش في الشهر، والشهر لا يعرف شيئا عن ظروف المرحلة، الشهر يريد راتبا، والسوق يريد مالا، والبيت يريد خبزا، والابناء يريدون مستقبلا، اما السياسة فلديها دائما وقت لتفسير لماذا لم يحدث ذلك بعد.

وهكذا يصبح العبث كاملا، نريد ناخبا حرا، لكننا لا نسأل كم تبقى من حريته بعد ان يستهلك القلق الاقتصادي معظم يومه، نريد ارادة شعبية، لكننا لا نريد ان نعرف ماذا ستفعل هذه الارادة حين تدخل اليها كل خيبات السنوات الماضية، نريد انتخابات نظيفة، بينما الواقع الاجتماعي نفسه متسخ بالديون والبطالة والغلاء وتأخر الرواتب، ونريد من الصندوق ان يكون بداية جديدة، بينما الناخب يدخل اليه حاملا كل نهايات الماضي.

ثم نقول بكل ثقة، الشعب سيقرر، نعم، سيقرر، وهذا تحديدا ما يجب ان يقلق الجميع، لان الناخب الذي لا يملك رفاهية النسيان قد يكون اكثر قدرة على التذكر من السياسي الذي يملك رفاهية الخطاب، وقد يقرر، مرة واحدة على الاقل، ان يستخدم الصندوق لاختيار المستقبل، لا لمكافأة الماضي.

وعندها فقط قد نكتشف ان العبث السياسي لم يكن في الصندوق، كان في اعتقادنا ان الصندوق يستطيع ان يمحو ما سبقه، فالورقة يمكن ان تغير اسماء، لكنها لا تمحو الذاكرة، والناخب قد يدخل الى الصندوق وفي يده قلم، لكن في رأسه سنوات، وهذه السنوات، مهما حاولت السياسة ان تضع لها عنوانا جديدا، لا تزال تعرف جيدا من وعدها، ومن خذلها، ومن طلب منها الصبر، ومن اكتفى بأن يقول لها، ظروف المرحلة.

ولذلك ربما تكون الانتخابات القادمة اقل قابلية للتنبؤ مما يعتقد اصحاب الحسابات، ليس لان الناخب لا يعرف ماذا يريد، بل لانه يعرف اكثر مما نظن، وربما تكون المفاجأة الكبرى ان الصندوق، الذي نريد منه ان يجدد شرعية السياسة، قد يقرر ان يجدد شيئا اخر تماما، ذاكرة الناخب.

وعندها لن يكون السؤال من فاز في الانتخابات، السؤال سيكون، من الذي خسر ثقة من ذهبوا الى الصندوق وهم يحملون معهم راتبا ناقصا، وعمرا ضائعا، ووعودا مؤجلة، وذاكرة لم تعد مستعدة لتصديق البيان الجديد؟ وهنا، ربما، يبدأ العبث الحقيقي، لان السياسة قد تستطيع تأجيل الراتب، وتأجيل الحوار، وتأجيل الوحدة، وتأجيل المشروع، وحتى تأجيل القرار، لكنها لا تستطيع، الى الابد، ان تؤجل حساب الناخب، الا اذا قررت تشكيل لجنة لذلك ايضا.