2026-08-17 08:23 ص

الموظف الحكومي الفلسطيني يدفع ثمن الأزمة من الراتب ومن القرض !!

2026-08-17

بقلم: نبهان خريشة
عندما تدفع الحكومة الفلسطينية لموظفها نصف راتبه أو جزءاً منه، فإن الضرر لا يتوقف عند المبلغ الذي لم يدخل حسابه في ذلك الشهر. المسألة أعمق من ذلك بكثير، خصوصاً بالنسبة إلى عشرات آلاف الموظفين الذين رتبوا حياتهم على أساس راتب ثابت، واقترضوا من البنوك لشراء منزل أو سيارة أو لتعليم أبنائهم أو لتغطية احتياجات عائلية أخرى.

فالموظف الذي لا يتلقى راتبه كاملاً لا يخسر جزءاً من دخله فقط، وإنما يدخل، من حيث لا يريد، في عملية إعادة ترتيب طويلة الأجل لمديونيته. وهنا تتحول أزمة مالية يفترض أنها بين الحكومة وموظفيها إلى أزمة بين الموظف والبنك أيضاً.

الأرقام تكشف حجم المشكلة. فبحسب البنك الدولي، وصلت متأخرات السلطة الفلسطينية لموظفي القطاع العام في نهاية عام 2025 إلى نحو 2.85 مليار دولار، في حين بلغت ديون السلطة المباشرة للمصارف المحلية نحو 3.3 مليار دولار. والأخطر أن البنوك نفسها لديها انكشاف غير مباشر على السلطة من خلال القروض التي منحتها للموظفين بضمان رواتبهم المستقبلية. وعندما تُجمع القروض الحكومية المباشرة مع هذا الانكشاف غير المباشر، يصل تعرض القطاع المصرفي للقطاع العام إلى نحو 5.3 مليار دولار، أي ما يقارب 42% من إجمالي الائتمان المصرفي.

هذه ليست مجرد أرقام مالية. إنها صورة لعلاقة شديدة التعقيد أصبح فيها راتب الموظف الحكومي حلقة تربط ثلاثة أطراف: الحكومة والبنك والموظف. فإذا اختل الطرف الأول، انتقلت الأزمة تلقائياً إلى الطرفين الآخرين. وقد أشار البنك الدولي إلى أن السلطة خفضت مدفوعات الرواتب في أواخر 2025 إلى حدود 50–60%، بالتزامن مع زيادة الاقتراض المحلي وتراكم المتأخرات. وحتى خلال 2026 بقي صرف الرواتب جزئياً.

ولا يمكن بالطبع تجاهل السبب الأساسي للأزمة، وفي مقدمته احتجاز إسرائيل أموال المقاصة والاقتطاعات المتواصلة منها، وهي الأموال التي تشكل العمود الفقري لإيرادات السلطة. وقد أدى وقف التحويلات والاقتطاعات الإسرائيلية إلى تعميق العجز المالي بصورة غير مسبوقة. لكن تفسير الأزمة شيء، وتحميل الموظف تبعاتها لسنوات شيء آخر.

المشكلة المؤجلة لا تختفي

حاولت سلطة النقد الفلسطينية تخفيف الصدمة. ففي آذار/مارس 2024 أصدرت تعليمات تمنع عملياً استنزاف الدفعات الجزئية للموظفين في سداد الأقساط، بحيث لا يخصم القسط إلا ممن يحصل على 90% فأكثر من راتبه، ويكون الخصم نسبياً لمن يحصل على ما بين 80 و90%، ولا يجري الخصم ممن يتلقى أقل من 80% إلا بموافقته. كما أتاحت إعادة جدولة القروض ومنح تسهيلات لمعالجة الأقساط المستحقة.

هذه الإجراءات ضرورية اجتماعياً، لكنها لا تحل أصل المشكلة. إنها تنقل الالتزام من الحاضر إلى المستقبل.

وهنا يجب التمييز بين فوائد التأخير والغرامات وبين الفائدة الأصلية للقرض. تعليمات سلطة النقد حظرت في أزمات سابقة فرض فوائد تأخير أو غرامات على الأقساط المؤجلة، لكنها أوضحت أيضاً أن إعادة الهيكلة قد تبقي التكلفة عند سعر الفائدة الأصلي للقرض. وهذا يعني أن تمديد مدة السداد يمكن أن يزيد إجمالي ما يدفعه المقترض عبر الزمن، حتى إذا لم تفرض عليه "غرامة تأخير".

ولنأخذ مثالاً مبسطاً: موظف بقي على قرضه عدة سنوات، ثم تعثرت رواتبه واضطر إلى إعادة الجدولة وتمديد أجل القرض. قد ينخفض القسط الشهري، وهذا يمنحه بعض القدرة على التنفس اليوم، لكنه سيظل مديناً للبنك فترة أطول، وقد يدفع فوائد على مدى سنوات إضافية بحسب عقده وطريقة إعادة الجدولة.

وهكذا تدفع الحكومة جزءاً من الراتب اليوم، بينما قد تمتد الآثار المالية لهذا القرار سنوات بعد انتهاء الأزمة نفسها.

إن الموظف في هذه الحالة يمول الأزمة العامة من مستقبله الشخصي.

وهذا هو الجانب الذي لا يظهر في بيانات وزارة المالية عندما تعلن نسبة صرف الرواتب. فالقول إن الموظف حصل على 60 أو 70% من راتبه لا يخبرنا ماذا حدث لقرضه، ولا كم سنة أضيفت إلى عمره، ولا كم أصبحت كلفته الإجمالية، ولا ماذا حدث بالتزاماته الأخرى.

أين الحكومة من كل ذلك؟

المفارقة أن السلطة الفلسطينية كانت قد بدأت قبل سنوات ببناء أداة كان يمكن، لو تطورت بصورة مختلفة، أن تصبح جزءاً من معالجة أزمات كهذه.

في عام 2021 صدر قرار بقانون بإنشاء بنك الاستقلال للاستثمار والتنمية كمصرف حكومي، بعد قرار رئاسي سابق بالموافقة على إنشاء مصرف حكومي للاستثمار والتنمية. وحدد القانون أهدافاً واسعة للبنك، بينها دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والناشئة، وإنشاء وإدارة الصناديق الحكومية ذات الأغراض التنموية.

وفي آذار/مارس 2022 ترأس رئيس الوزراء آنذاك الدكتور محمد اشتية الاجتماع الأول لمجلس إدارة البنك، وقال إن بنك الاستقلال هو "أحد مكونات خطة التنمية الوطنية ورافعة لها".

صحيح أن اشتية أكد آنذاك أن البنك حكومي وليس تجارياً، وأنه لن ينافس البنوك ولن يتعامل بالقروض والودائع الفردية. وهذه نقطة مهمة حتى لا ننسب إلى المشروع ما لم يكن في تصميمه الأصلي.

لكن هنا تحديداً تكمن الفرصة التي أُهدرت.

فوجود مؤسسة مالية تنموية حكومية كان يمكن أن يسمح، مع تعديل القانون وتطوير أدوات البنك، بإنشاء صندوق لإعادة تمويل مديونية موظفي القطاع العام، أو تقديم ضمانات حكومية لمحفظة قروضهم، أو الاتفاق مع المصارف التجارية على شراء أو إعادة تمويل جزء من هذه المحافظ بشروط طويلة الأجل وكلفة أقل.

لم يكن مطلوباً بالضرورة أن يتحول بنك الاستقلال إلى بنك تجاري ينافس البنوك القائمة. كان يمكن أن يعمل كبنك تنمية و"بنك للبنوك"، وأن يتدخل عندما تتحول أزمة المالية العامة إلى خطر اجتماعي ومصرفي واسع.

لكن ما حدث كان العكس تماماً.

ففي أيلول/سبتمبر 2024 صدر القرار بقانون رقم 14 الذي ألغى قانون بنك الاستقلال للاستثمار والتنمية نفسه، وبذلك انتهى عملياً الإطار القانوني للمشروع الذي بدأ قبل سنوات.

وبرأيي، كان ذلك من أكبر الأخطاء الاقتصادية الاستراتيجية التي ارتكبتها السلطة في السنوات الأخيرة.

ليس لأن بنك الاستقلال كان سيخلق الأموال من العدم أو يحل أزمة المقاصة، وليس لأنه كان يستطيع تعويض مليارات الدولارات التي تحتجزها إسرائيل، وإنما لأن الدول تحتاج في أوقات الأزمات إلى أدوات مالية عامة لا تخضع بالكامل لمنطق المصرف التجاري.

البنك التجاري ليس مؤسسة ضمان اجتماعي. من حقه أن يحمي أموال المودعين وأن يسترد قروضه وأن يحافظ على ملاءته المالية. ولذلك فإن مطالبة البنوك وحدها بتحمل أزمة الرواتب ليست حلاً عادلاً ولا واقعياً.

المطلوب وجود طرف ثالث: الدولة.

وهنا كان يمكن لبنك الاستقلال أن يكون هذا الطرف.

الموظف ليس بنكاً للحكومة

المفارقة القاسية أن السلطة تقترض اليوم مرتين من المنظومة نفسها: تقترض مباشرة من البنوك، وتقترض بصورة غير معلنة من موظفيها عندما لا تدفع رواتبهم كاملة. ثم إن جزءاً من هؤلاء الموظفين مدين بدوره للبنوك.

وهكذا تكتمل دائرة غريبة: الحكومة مدينة للبنك، والحكومة مدينة للموظف، والموظف مدين للبنك.

والحل لا يمكن أن يكون في استمرار تدوير الديون داخل هذه الدائرة.

إذا كانت السلطة غير قادرة في الظروف الحالية على دفع كامل متأخرات الرواتب، فإن عليها على الأقل أن تتعامل مع الضرر المالي طويل الأجل الذي لحق بموظفيها. وهذا يتطلب مفاوضات ثلاثية بين الحكومة وسلطة النقد والجهاز المصرفي لإيجاد آلية تتحمل فيها الخزينة، عندما تتحسن الإيرادات، جزءاً من التكلفة الإضافية التي نتجت مباشرة عن عدم انتظام الرواتب، بدلاً من ترك الموظف يدفع ثمن أزمة لم يصنعها.

ويمكن التفكير في إنشاء صندوق وطني لإعادة تمويل قروض موظفي القطاع العام، بضمانات حكومية وتمويل طويل الأجل، على أن يستهدف تحديداً الجزء من المديونية الذي تأثر بأزمة الرواتب. ويمكن كذلك إحياء فكرة بنك تنموي حكومي بصيغة جديدة وأكثر استقلالاً ومهنية، بعيداً عن التوظيف السياسي والإدارة البيروقراطية.

لأن القضية في النهاية ليست مجرد "نسبة راتب".

وراء كل راتب ناقص أسرة أعادت ترتيب مصروفها، وموظف أجل التزاماته، ومقترض امتدت سنوات دينه، وشاب تأجل زواجه، وأب أو أم أعادا حساب نفقات التعليم والعلاج والسكن.

لقد اعتدنا أن نحسب متأخرات الموظفين بما تدين به الحكومة لهم، لكن هناك فاتورة أخرى لا تظهر في حسابات وزارة المالية: الفوائد والكلفة المالية والسنوات التي أضيفت إلى حياة ديونهم بسبب أزمة لم يكونوا طرفاً في صنعها.

وعندما تتأخر الدولة في دفع راتب موظفها شهراً بعد شهر، ثم يضطر هذا الموظف إلى تمديد قرضه عاماً بعد عام، فإنها لا تؤجل حقه فقط.
إنها، بصورة غير مباشرة، ترهن جزءاً من دخله المستقبلي أيضاً.