2026-08-17 08:04 م

جعجع ونتنياهو… حين يلتقيان

2026-08-17

بقلم: كريستينا شطح
في السياسة، لا يكفي أن تختلف الأهداف حتى يصبح الخطابان متناقضين؛ فقد تختلف الغايات، لكن تتقاطع الروايات والنتائج عند نقطة واحدة. وهذا تحديداً ما يستحق التوقف عنده في كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع حول تعثر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.
جعجع لا يخفي موقفه من حزب الله ولا من مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، وهو موقف سياسي معروف ومشروع في إطار الصراع الداخلي اللبناني. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الموقف الداخلي إلى تفسير لتعثر المفاوضات مع إسرائيل، بحيث يصبح عدم تنفيذ ما يعتبره جعجع التزاماً لبنانياً تجاه سلاح حزب الله سبباً رئيسياً للتعثر، ويصبح حزب الله، وفق تعبيره، «من يعطل المفاوضات». عندها لا يعود الأمر مجرد خلاف لبناني حول السلاح، بل يصبح إعادة صياغة لمسؤوليات طرفي النزاع، بما يمنح الرواية الإسرائيلية، من حيث لا يريد، أساساً لبنانياً يمكن الاستناد إليه.
رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ينطلق من معادلة واضحة: لا انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان ما دام حزب الله يحتفظ بقدرته العسكرية التي تعتبرها إسرائيل تهديداً لأمنها. وجعجع يقدم معادلة مختلفة في لغتها، لكنها تلتقي معها في نتيجتها؛ فهو يقول إن لبنان لا يستطيع أن يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل بينما لم ينفذ التزاماته المتعلقة بتفكيك البنية العسكرية والأمنية لحزب الله.
قد يكون نتنياهو يتحدث من موقع الأمن الإسرائيلي، فيما يتحدث جعجع من موقع الدولة اللبنانية والسيادة واحتكار القوة، لكن النتيجة السياسية واحدة: ربط الانسحاب الإسرائيلي بمعالجة سلاح حزب الله.
النقد الحقيقي يبدأ من مفهوم السيادة الذي يقول جعجع إنه يريد بناءه. فإذا كان سلاح حزب الله مشكلة لبنانية يمكن للبنانيين مناقشتها وحسمها داخل مؤسساتهم، فكيف يتحول إلى شرط إسرائيلي للانسحاب؟ وإذا كان نزع السلاح قراراً لبنانياً سيادياً، فمن أين تأتي إسرائيل بحق تحويله إلى مقدمة لازمة كي تنسحب من الأراضي اللبنانية؟
عندما يقول جعجع إن حزب الله هو الذي يعطل المفاوضات، فإنه ينقل مركز الثقل من سؤال «لماذا لا تنسحب إسرائيل؟» إلى سؤال «لماذا لم ينزع لبنان سلاح حزب الله؟». وبذلك تصبح إسرائيل، في الرواية التي يقدمها، الطرف الذي ينتظر تنفيذ الالتزام اللبناني، لا الطرف الذي يُطالب هو أيضاً بتنفيذ التزاماتها المتعلقة بالانسحاب ووقف الأعمال العسكرية واحترام السيادة اللبنانية.
لكن لهذه المقاربة حجة مقابلة لا يمكن تجاهلها. فأنصار جعجع يستطيعون القول إن الدولة اللبنانية لا يمكنها المطالبة بترتيبات أمنية مستقرة ما دامت عاجزة عن فرض قراراتها داخل أراضيها، وإن استمرار السلاح خارج القرار الرسمي أبقى الجنوب في حالة قابلة لإعادة إنتاج المواجهة، ووفّر لإسرائيل ذريعة للقول إن الخطر لم ينتهِ. كما أن القرار 1701 يقوم، في أحد جوانبه، على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومنع وجود السلاح غير التابع لها في المنطقة الحدودية.
وهو اعتراض جدي. فالواقعية السياسية تفرض على لبنان أن يدرك موازين القوى وأن يعالج مكامن الضعف الداخلي، لكنها لا تعني تحويل هذه الموازين إلى قاعدة قانونية دائمة. فإذا كانت هناك ترتيبات أمنية مرتبطة بالانسحاب، فيجب أن تكون محددة ومقابلة بالتزامات واضحة من الطرفين، مع آلية تضمن تنفيذها.
يمكن، من هذه الزاوية، تفهّم مطالبة جعجع الدولة بتنفيذ التزاماتها، ورفضه تحميل الجيش مسؤولية قرار سياسي لم تتخذه المؤسسة العسكرية. فالجيش لا يضع السياسة العامة للدولة ولا يقرر وحده مصير السلاح؛ القرار سياسي والتنفيذ العسكري يأتي في إطار قرار السلطة.
لكن المبدأ نفسه يجب أن يطبق على المفاوضات مع إسرائيل. فالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية ليست مفاوضات بين لبنان وحزب الله؛ هناك طرفان، ولكل منهما التزاماته. وإذا كانت إسرائيل تريد معالجة سلاح حزب الله، فما الذي ستقدمه في المقابل؟ وإذا كان لبنان مطالباً بتنفيذ التزاماته، فما الضمانة أن تنفذ إسرائيل التزاماتها المتعلقة بالانسحاب ووقف الأعمال العسكرية واحترام السيادة؟
هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تقوم عليها أي مفاوضات جادة: التزامات متبادلة، لا شروط أحادية.
يمكن للبنان أن يعالج ملف السلاح باعتباره قضية سيادية داخلية، لكن لا يجوز أن يتحول هذا الملف إلى ورقة تمنح إسرائيل حق تأجيل الانسحاب كلما اعتبرت أن مستوى المعالجة اللبنانية غير كافٍ. وفي المقابل، فإن معالجة السلاح لا ينبغي تأجيلها إلى ما لا نهاية بحجة استمرار الاحتلال أو الاعتداءات. القضيتان مختلفتان، وإن كانتا متداخلتين في الواقع الأمني والسياسي.
تبقى المسألة التي لا يستطيع أي خطاب سياسي تجاوزها: الدم اللبناني.
فإذا كان عدم تنفيذ لبنان لالتزاماته بشأن السلاح يوفر لإسرائيل ذريعة سياسية لاستمرار عملياتها العسكرية، فماذا عن المدنيين الذين يُقتلون والمنازل التي تُدمّر والقرى التي تُستهدف؟ هل تصبح حياة اللبنانيين معلقة إلى حين اكتمال المسار السياسي؟
وما جرى فجر الأمس في الجنوب يضع السؤال أمامنا بصورة أكثر مباشرة. فقد أعلن جيش العدو أن غاراته على مناطق في النبطية وأنصار جاءت رداً على ما وصفه بـ«نشاط» لحزب الله ضد قواته في مرتفعات علي الطاهر، فيما شهدت بلدة أنصار غارة على منزل في أطرافها أدت إلى سقوط سبعة شهداء وثلاثة جرحى من المدنيين. وتزامن ذلك مع تصعيد إسرائيلي أوسع في الجنوب.
أهمية حادثة أنصار لا تكمن في عدد الضحايا فقط، بل في دلالتها السياسية. فحتى عندما تقدم إسرائيل عدوانها باعتباره رداً على نشاط عسكري لحزب الله، قد يدفع المدنيون اللبنانيون ثمن هذا الرد. وإذا أصبح سلاح حزب الله، وفق الرواية الإسرائيلية، سبباً لاستمرار العمليات العسكرية وشرطاً لاستعادة الهدوء والانسحاب، يبقى السؤال: هل يدفع المدني اللبناني ثمن عدم اكتمال المسار السياسي؟
كما أن ربط العدو بين ما جرى في علي الطاهر والغارات اللاحقة يوضح أن المسألة ليست نظرية. إسرائيل تستخدم النشاط العسكري لحزب الله لتبرير استمرار عملياتها، فيما يستخدم الخطاب اللبناني الداعي إلى حصرية السلاح هذه الوقائع للتأكيد على ضرورة إنهاء السلاح خارج الدولة. غير أن هذا التداخل لا ينبغي أن يتحول إلى معادلة يصبح فيها المدنيون ضحايا لمسار سياسي لم يُحسم بعد.
مسؤولية الدولة عن معالجة السلاح لا تلغي مسؤولية إسرائيل عن أفعالها العسكرية، كما أن عدم تنفيذ التزام لبناني لا يحول كل عمل عسكري إسرائيلي إلى عمل مشروع.
في النهاية، لا يحتاج نقد جعجع إلى الدفاع عن حزب الله ولا إلى تبرير سلاحه، بل إلى الدفاع عن الدولة نفسها. نعم، على لبنان أن ينفذ ما التزم به، وعلى السلطة السياسية أن تتحمل مسؤولية قراراتها، ويجب أن يكون السلاح بيد الدولة وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها.
لكن على العدو الإسرائيلي أيضاً أن ينفذ ما يترتب عليه من التزامات، وأن ينسحب من الأراضي اللبنانية، وألا يتحول إلى جهة تمنح لبنان شهادة حسن سلوك قبل أن تسمح له باستعادة سيادته. فالسيادة ليست جائزة تُمنح للبنان بعد أن يستوفي شروطاً يضعها الطرف الآخر، بل حق أصيل لا يجوز أن يصبح موضوعاً لإذن خارجي.
الأخطر في خطاب جعجع أنه يريد انتزاع القرار اللبناني من حزب الله، لكنه في مقاربته الحالية للمفاوضات يخاطر بأن يجعل جزءاً من هذا القرار رهناً بالموقف الإسرائيلي. نتنياهو يقول: لا انسحاب قبل نزع السلاح، وجعجع يقول، بصيغة لبنانية: لا يمكن أن نطالب بالانسحاب بينما لم ننفذ التزامنا بنزع السلاح.
قد يختلف الرجلان في الدافع والمشروع والغاية، لكنهما يلتقيان في ترتيب يجعل معالجة السلاح مقدمة على الانسحاب. وهذا هو التقاطع الذي يستحق النقد، لا لأن جعجع يريد ما تريده إسرائيل، بل لأن منطقه، من حيث النتيجة، يمنح الرواية الإسرائيلية سنداً لبنانياً.
كان يمكن لجعجع أن يقدم خطاباً أكثر قوة واستقلالاً: أن يقول إن لبنان سيعالج مسألة السلاح لأنها قضية سيادية لبنانية، لكن إسرائيل مطالبة، في المقابل، بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وأن تنفيذ الالتزامات يجب أن يكون متزامناً ومضموناً، لا أن ينفذ لبنان ما عليه ثم ينتظر قرار إسرائيل.
عندها يصبح مشروع الدولة متكاملاً: معالجة الخلل الداخلي من جهة، ورفض جعل السيادة اللبنانية رهناً بموافقة الطرف الخارجي من جهة أخرى.
المشكلة إذن ليست في أن جعجع يريد الدولة، بل في أن مقاربته الحالية تجعل الدولة اللبنانية مطالبة بإثبات استحقاقها للسيادة قبل أن تحصل عليها. نعم للدولة، نعم لحصرية السلاح، نعم لجيش واحد وقرار واحد، ولكن نعم أيضاً لانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية.
وإذا كان جعجع يريد دولة لا شريك لها في السيادة، فالسؤال الذي يبقى معلقاً أمام خطابه هو:
إذا كان نزع سلاح حزب الله شرطاً لبنانياً داخلياً، فلماذا يصبح شرطاً إسرائيلياً للانسحاب؟
ومن هذه القاعدة يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي:
إذا كنت تريد دولة لا شريك لها في السيادة، فلا تجعل إسرائيل شريكاً في تحديد شروط هذه السيادة.
كاتبة لبنانية