2026-08-03 11:49 م

معهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي

2026-08-03

لا يكتفي التقرير الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2026 بتقديم قراءة إحصائية لتوجهات الشارع والمؤسسة الأكاديمية، بل يرسم وثيقة كاشفة عن تحولات بنيوية عميقة داخل العقل الجمعي والمؤسسي الإسرائيلي. فمن المنظور الجيوستراتيجي، ينطوي التقرير على تحول مفصلي في مفهوم الأمن القومي؛ إذ ينقل مركز الثقل من التهديد الخارجي المباشر إلى شبح التآكل الذاتي والتشظي المجتمعي.
وتُظهر قراءة التحولات التي طرأت على اتجاهات الرأي العام بين شهري شباط/فبراير وتموز/يوليو 2026 بوضوح أن المفاهيم التي تأسست عليها عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي طوال العقود الماضية تشهد إعادة تشكيل جذرية، حيث لم يعد العدو المفترض يتمثل عند الحدود فقط، بل بات ينبع أيضًا من داخل المنظومة نفسها.

تكشف أرقام الدراسة عن تحول في مفهوم الضرر لدى الجمهور الإسرائيلي؛ فنظرية "الجدار الحديدي" التقليدية صُممت لردع أعداء الخارج، لكنها تقف اليوم عاجزة أمام انقسام النسيج الاجتماعي وتصاعد الاستقطاب الداخلي. إن تساوي نسبة الخوف من اندلاع مواجهة عنيفة داخل المجتمع، والتي بلغت 39%، مع الخوف من حصول إيران على سلاح نووي بنسبة 39%، يُسقط المقولة التقليدية التي رُوّج لها لعقود بأن المخاطر الخارجية تمثل العامل الأساسي للتوحد الداخلي.

وعلاوة على ذلك، فإن إضافة سيناريو تقويض الطابع الديمقراطي للدولة بنسبة 31% يرفع منسوب القلق من الأزمات الهيكلية الداخلية إلى مستويات تتجاوز التهديدات العسكرية التقليدية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الشارع بأن بنية الدولة التشغيلية قد تتفكك من الداخل قبل أن تنجح أي قوة خارجية في النيل منها.

وتسلط الدراسة الضوء على تباين جوهري في تقييم المخاطر بين الشارع والخبراء، وهو تباين يعكس فجوة عميقة في تقدير الموقف السياسي والاستراتيجي. ففي الوقت الذي يتجه فيه الجمهور العام نحو التهديدات الأمنية المباشرة والملموسة، مثل الهجمات الصاروخية وبرنامج إيران النووي، تحت تأثير الإنهاك النفسي والتغطية الإعلامية اليومية، يمنح مجتمع الخبراء والباحثين الأولوية للمخاطر البنيوية.فقد جاء تقويض الطابع الديمقراطي في صدارة اهتمامات الخبراء بنسبة 67%، تلاه خطر المواجهة الداخلية بنسبة 58%، ثم العزلة الدولية وفرض العقوبات بنسبة 44%. ويوضح هذا التباين أن النخبة الاستراتيجية تدرك أن الشرعية والاستقرار المؤسسي يمثلان البنية التحتية الأساسية التي تُنتج القوة العسكرية والاقتصادية، وأن التراجع الديمقراطي والعزلة العميقة قد يؤديان إلى تفكك نموذج "الجيش الشعبي" واهتزاز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ويُظهر التقرير أيضًا صعودًا لافتًا في مؤشرات الاستنزاف الشامل بين جولتي الاستطلاع في شباط/فبراير وتموز/يوليو، وهو ما يرتبط بالسياق العام الممتد للتحديات العسكرية والاقتصادية.

إن الارتفاع في نسبة الخوف من حرب طويلة الأمد على إحدى الجبهات، لتصل إلى 27%، يعكس خشية عميقة من فقدان ميزة الحسم السريع التي قامت عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 1948؛ إذ تتحول الحروب طويلة الأمد إلى عامل إنهاك للاقتصاد، واستنزاف للطاقات البشرية، وزيادة الضغط على الجبهة الداخلية.

وبالمثل، فإن ارتفاع نسبة القلق من العزلة الدولية وفرض العقوبات إلى 26%، بالتزامن مع الخوف من فقدان الدعم الأميركي بنسبة 22%، يشير إلى وعي متزايد بأن الغطاء الدبلوماسي والشرعية الدولية يمثلان خط الدفاع الأول، وليس مجرد رفاهية سياسية يمكن الاستغناء عنها.

أما على الصعيد الاقتصادي والديموغرافي، فإن ارتفاع القلق من تراجع الإنتاجية الاقتصادية بسبب التغيرات الديموغرافية إلى 12% يحمل دلالات تتجاوز مجرد تعديل الصياغة اللفظية في الاستبيان. فهو يسلط الضوء على المعضلة الهيكلية المتفاقمة المرتبطة بإعفاءات تجنيد اليهود الحريديم، والتغيرات السكانية المتسارعة التي تهدد العبء المالي والإنتاجي الواقع على عاتق الطبقة الوسطى المنتجة في "إسرائيل".

وتدرك قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي أن الاقتصاد القائم على الابتكار لا يمكنه الاستمرار في تمويل ميزانيات الدفاع الضخمة إذا تراجعت نسبة المشاركة في سوق العمل، أو استمر التوتر الاجتماعي حول توزيع الأعباء الوطنية والعسكرية.

ومن أكثر الدلالات الاستراتيجية عمقًا في التقرير إخراج الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من قائمة التهديدات الـ14 الرئيسية، وفحصه ضمن محور منفصل. إن إزاحة هذا الملف عن صدارة المخاطر المباشرة لدى الجمهور لا تعني بأي حال من الأحوال تحييد خطورته الواقعية، بل تعكس حالة مستحكمة من الإنكار الجمعي أو التعايش المَرَضي مع الأزمة.

ويدرك العقل الجمعي الإسرائيلي الكلفة العالية لهذا الصراع، لكنه يسعى إلى إزاحته، إما لاعتقاده بقدرة المنظومة العسكرية على إدارته والسيطرة على حدته، أو بسبب غياب أفق سياسي للحسم، مما يجعله خطرًا متجذرًا يتوارى خلف أزمات أكثر ضجيجًا، كالملف الإيراني والانقسام الحزبي.

وتُظهر مخرجات هذا التقرير تراجعًا ملحوظًا في ثقة الجمهور بقدرة الدولة على مواجهة التحديات غير العسكرية مقارنة بالتهديدات الميدانية التقليدية. فبينما يرى الإسرائيليون أن المؤسسة العسكرية والأمنية تمتلك الجاهزية والوسائل للتعامل مع التهديدات الخارجية والهجمات الصاروخية، فإنهم ينظرون بقلق شديد إلى عجز المؤسسة السياسية عن معالجة التهديدات الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية. ويخلق هذا التفاوت حالة من انعدام اليقين والشعور بعدم الأمان الشخصي، إذ يشعر المواطن بأن المنظومة الرادعة التي تحميه من الحدود الخارجية عاجزة عن حماية استقرار مجتمعه وحياته اليومية من التآكل الداخلي.

في الختام، يقدم تقرير معهد أبحاث الأمن القومي لعام 2026 إنذاراً مبكراً لصناع القرار، مفاده أن مفهوم الأمن القومي لم يعد محصورًا في حسابات القوة العسكرية الشاملة، أو موازين الردع، أو عدد الصواريخ ومعدلات تخصيب اليورانيوم. إن الأمن القومي بات مرتهنًا وبدرجة أساسية بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الاجتماعي، وصيانة مؤسساتها الديمقراطية، وتأمين شرعيتها الدولية. وبدون معالجة الشروخ الداخلية وإعادة بناء الثقة في المؤسسات الجامعة، فإن حتى أكثر المنظومات العسكرية تطورًا ستجد نفسها تحمي كيانًا يواجه "خطر التآكل من الداخل، مما يفقد الجدار الحديدي مرتكزه الحقيقي القائم على التماسك والصمود الجمعي".

الترا فلسطين / انس ابو عرقوب