2026-08-04 01:17 ص

تحفظ مصري على الانخراط في التحالف البحري السعودي

(Getty)

2026-08-03

أبدت مصر تحفظات على الانضمام إلى التحالف البحري متعدّد الجنسيات الذي أعلنت المملكة العربية السعودية عن تشكيله، رغم مساعٍ سعودية مكثفة لإقناع القاهرة بالمشاركة، بحسب ما كشفه مصدر مصري مطلع لـ"العربي الجديد". وقال المصدر إنّ اتصالات جرت خلال الأيام الماضية بين مسؤولين من البلدَين لبحث طبيعة التحالف وأهدافه وآليات المشاركة فيه، إلّا أن القاهرة أبلغت الجانب السعودي بموقفها القائم على عدم الانخراط في أي عمليات عسكرية خارج الحدود لا ترتبط مباشرةً بأمنها القومي.

وأوضح المصدر أنّ الموقف المصري يستند إلى "عقيدة راسخة" في السياسة الخارجية المصرية تقوم على تجنب التورط في تحالفات أو عمليات عسكرية خارجية قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة، مشيراً إلى أن القاهرة ترى أن الأولوية يجب أن تظل للحلول السياسية والدبلوماسية، خصوصاً في ظل التعقيدات الإقليمية الحالية. وأضاف أنّ أحد الاعتبارات الرئيسية وراء التحفظ المصري يتمثل في احتفاظ القاهرة بقنوات اتصال وعلاقات مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك الدبلوماسي والوساطة، ويجعلها حريصة على عدم اتخاذ خطوات قد تُفسر باعتبارها انحيازاً لطرف على حساب آخر أو تؤثر في قدرتها على لعب أدوار الوساطة مستقبلاً. 

وبحسب المصدر، فإنّ المسؤولين المصريين أكدوا خلال المشاورات مع الجانب السعودي أن القاهرة تدعم أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية، لكنها تفضل تحقيق ذلك عبر التنسيق السياسي والأمني وتبادل المعلومات، وليس من خلال الانخراط في عمليات عسكرية قد تفضي إلى مواجهات مباشرة مع أطراف إقليمية.

ونقلت وسائل إعلام تديرها وتملكها شركات تابعة للدولة في مصر أمس الاثنين عن مصدر وصفته بـ"المطلع" تأكيده أن مسألة مشاركة مصر في تحالف بحري متعدد الجنسيات يهدف إلى حماية الملاحة في الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة العالمية، لا تزال قيد الدراسة والتقييم، في إطار استكمال مراجعة مختلف الجوانب القانونية والدستورية ذات الصلة. وأوضح المصدر أن الجهات المعنية تواصل استيفاء الإجراءات اللازمة وفقاً للأطر الدستورية والقانونية المنظمة، مع الأخذ في الاعتبار أهمية الحصول على موافقة مجلس النواب قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن المشاركة.

وأشار إلى أنّ عملية التقييم تراعي مختلف الأبعاد القانونية والدستورية، بما يضمن توافق أي خطوة مستقبلية مع أحكام الدستور والقوانين المصرية، وبما يحفظ المصالح الوطنية ويلبي الالتزامات المؤسسية ذات الصلة. وفي السياق، قال السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إنّ فكرة تشكيل تحالف أمني إقليمي تمثل من الناحية الاستراتيجية خطوة سليمة وتسير في الاتجاه الصحيح، إلّا أنها تحتاج إلى مزيد من الوضوح فيما يتعلق بأهدافها، وطبيعة المخاطر التي تستهدف مواجهتها، والأدوار المحددة لكل دولة مشاركة فيه.

وأضاف مرزوق لـ"العربي الجديد"، أن أول ما يثير التساؤل هو ما إذا كانت جميع أبعاد هذه الخطوة قد خضعت للدراسة الكاملة، موضحاً أن أي تحالف من هذا النوع يجب أن يحدد بصورة واضحة دور وواجب كل طرف من الأطراف التي أعلن عن مشاركتها، إلى جانب تحديد حجم وشكل المخاطر التي يجري تشكيل التحالف لمواجهتها.

وأشار إلى أنّ الإعلان عن التحالف لم يوضح بصورة كافية طبيعة التهديدات التي يسعى للتعامل معها أو الحقوق التي يهدف إلى الدفاع عنها، وهو ما يجعل هناك حاجة إلى تطوير الفكرة وتحويلها إلى إطار أمني متكامل، وليس مجرد تحالف بحري. وأوضح مرزوق الذي خدم كضابط سابق بالقوات المسلحة المصرية أنه سبق أن دعا في العديد من كتاباته إلى إنشاء نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط، لمواجهة "المخاطر التي يمثلها الكيان الإسرائيلي باعتباره تهديداً حالياً ومستقبلياً لدول المنطقة كافة، وليس للدول العربية فقط".

وحول عدم إعلان الإمارات مشاركتها في التحالف، إلى جانب الحديث عن الدور المصري المحتمل، قال مرزوق إنه لا يمتلك معلومات من داخل الحكومة المصرية بشأن هذا الملف، ولذلك فإن حديثه يعبر عن رأيه الشخصي. وشدد على أن مصر يجب أن تشارك في هذا التحالف، وأن تسهم في تصحيح بنيته، موضحاً أن وجود القاهرة داخل هذا الإطار سيمكنها من إعادة صياغة توازناته وفهم آلياته، باعتبارها طرفاً فاعلاً ومؤثراً في المنطقة.

ويأتي الموقف المصري في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في التوترات الأمنية، مع استمرار المخاوف من اتساع نطاق المواجهات البحرية وتأثيرها على حركة التجارة العالمية وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد المصري وإيرادات قناة السويس.

وخلال السنوات الأخيرة، حرصت القاهرة على تبني سياسة خارجية تقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر في الأزمات الإقليمية، مع التركيز على الأدوات الدبلوماسية وتعزيز أدوار الوساطة في ملفات عدة، من بينها غزة وليبيا والسودان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها مع القوى الإقليمية المختلفة.

ويرى مراقبون أن التحفظ المصري يعكس أيضاً رغبة القاهرة في تجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، خاصة مع استمرار حالة الاستقطاب بين القوى الإقليمية وتداخل المصالح الدولية في البحر الأحمر والممرات المائية الاستراتيجية.

كما يأتي هذا الموقف في سياق حرص القاهرة على الفصل بين التزامها بأمن الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لها، وبين المشاركة في تحالفات ذات طابع قتالي قد توسع نطاق المواجهة الإقليمية، وهو ما يتوافق مع النهج الذي تبنته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية. وأعلنت وزارة الدفاع السعودية، الخميس الماضي، أنّ 14 دولة من بينها مصر وتركيا وباكستان وقطر والأردن، أصدرت بياناً مشتركاً يدعم مشروع إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بهدف تعزيز الأمن البحري وحماية الممرات البحرية الدولية.

وأوضحت الوزارة في بيان أنّ المملكة استضافت اجتماعاً بحضور "رؤساء هيئات الأركان، وممثلي الدول الشقيقة والصديقة، ومندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، لمناقشة مبادرة المملكة لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدّد الجنسيات، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية الممرات البحرية الدولية، والتصدي للتهديدات التي تستهدف الملاحة البحرية والتجارة العالمية".

العربي الجديد