2026-07-27 10:33 ص

اتساع يزيد من "ثمن" الحرب-من باب المندب إلى بحر قزوين... كيف اتسعت خريطة الحرب بين امريكا وايران؟

2026-07-27

تجاوزت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران جبهاتها الأولى، ووصلت ارتداداتها إلى مساحات تمتد من بحر قزوين شمالاً إلى باب المندب جنوباً. ويكشف استهداف سفينة إيرانية في قزوين، بالتزامن مع تصاعد المواجهة على الساحل السعودي للبحر الأحمر واستمرار التوتر في سوريا والأردن، ترابطاً متزايداً بين ساحات القتال وشبكات الإمداد والممرات البحرية.


وتكمن خطورة هذا الاتساع في انتقال تداعيات الحرب إلى شرايين التجارة والطاقة العالمية. فعبر بوابة باب المندب يمر نحو 12% من التجارة العالمية وربع تجارة الحاويات، فيما رفعت تهديدات الحوثيين أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في جنوب البحر الأحمر من نحو 0.3% إلى 0.75% من قيمة السفينة، ما يضيف مئات آلاف الدولارات إلى كلفة بعض الرحلات.

 

قزوين يدخل المواجهة
 

شكّل الهجوم على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين تطوراً يتجاوز حادثة بحرية منفردة. واتهمت طهران أوكرانيا بتنفيذ الضربة التي أسفرت عن مقتل بحار وإصابة آخر، واستدعت القائم بالأعمال الأوكراني للاحتجاج على الهجوم.

وجاءت الحادثة وسط تصاعد التوتر بين كييف وطهران على خلفية التعاون العسكري الإيراني - الروسي. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد اتهم روسيا بتزويد إيران بصور وبيانات التقطتها أقمار صناعية لمواقع أميركية وخليجية، بهدف مساعدتها في توجيه ضربات في المنطقة. وأكد كذلك تنفيذ أوكرانيا هجمات على سفن روسية قال إنها "تنقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران عبر بحر قزوين".

ويمنح الموقع الجغرافي لقزوين هذا التطور دلالة إضافية، إذ يشكل البحر ممراً مهماً للتعاون اللوجستي بين موسكو وطهران. وبذلك، دخلت خطوط الإمداد والتبادل العسكري بين الطرفين دائرة الاستهداف، وازداد التداخل بين الحرب الأوكرانية والمواجهة الدائرة في الشرق الأوسط.

 

باب المندب تحت الضغط
 

على الضفة الجنوبية من خريطة الحرب، شن الحوثيون هجمات على منشآت نفط سعودية في جيزان وينبع، بعد ضربات نفذها التحالف بقيادة السعودية على مواقع تابعة لهم في الحديدة. وتضم جيزان مصفاة تبلغ طاقتها نحو 400 ألف برميل يومياً، فيما تمثل ينبع الميناء النفطي الرئيسي للمملكة على البحر الأحمر، وتحولت إلى منفذ أساسي للصادرات السعودية مع تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وجاءت الهجمات بعد إعلان الحوثيين فرض حصار على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتوعد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي باستهداف المنشآت النفطية السعودية. كما تعرضت ناقلتان سعوديتان لهجمات، في مؤشر إلى انتقال التهديد من البيانات السياسية إلى الضغط المباشر على طرق تصدير الطاقة.

ويرفع فتح جبهة البحر الأحمر الكلفة الاقتصادية للحرب، لأن السعودية اعتمدت بصورة متزايدة على موانئها الغربية لتجاوز حصار مضيق هرمز. وقد تدفع المخاطر السفن إلى الالتفاف حول أفريقيا، مع زيادة زمن الرحلة بما يصل إلى أربعة أسابيع وارتفاع نفقات الوقود والشحن والتأمين.

وانعكست المخاوف سريعاً على أسواق الطاقة، إذ تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل مع تصاعد الهجمات على المنشآت والناقلات السعودية. كما وصلت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا إلى أعلى مستوى خلال أربعة أشهر، وسط خشية من امتداد الاضطرابات إلى مسارات بحرية إضافية.

سوريا والاردن في قلب المسار
 

يمتد أثر التصعيد أيضاً إلى الدول الواقعة بين إيران والقواعد الأميركية في المنطقة. فقد تحول المجال الجوي الأردني إلى مسار للصواريخ والطائرات المسيّرة وعمليات الاعتراض، بالتوازي مع هجمات استهدفت مواقع عسكرية أميركية داخل المملكة وأسفرت عن مقتل 3 جنود أميركيين.

وفي سوريا، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف ما وصفه بـ"مركز قيادة للعمليات الخاصة" تابع للجيش الأميركي في منطقة التنف جنوب شرق البلاد، بينما نفى مصدر عسكري سوري تعرض القاعدة للقصف.

ويكتسب الإعلان الإيراني أهمية خاصة بوصفه أول تبنّ رسمي لضربة داخل الأراضي السورية منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي. ويضع هذا التطور سوريا ضمن ساحات الضغط المباشر بين طهران وواشنطن، بعدما اقتصرت أهميتها في مراحل سابقة على موقعها كمسار للإمداد ووجود قواعد أميركية فوق أراضيها.

 

حرب بلا خلفية آمنة
 

يعتبر المحلل الجيوسياسي ميشال فياض أن أحداث بحر قزوين وباب المندب تكشف اتساعاً جغرافياً واضحاً للصراع، وترابطاً متزايداً بين الحربين الأوكرانية والشرق أوسطية.

ويقول لـ"النهار" إن "استهداف السفن في قزوين يضع شبكة الإمداد بين إيران وروسيا تحت النار، بالتزامن مع استخدام الحوثيين البحر الأحمر لفرض كلفة اقتصادية على السعودية وحركة الملاحة المرتبطة بها".

وبحسب فياض، بات كل طرف يتعامل مع جبهات خصومه كامتداد لحربه الخاصة. فالتعاون الإيراني - الروسي في مجالات المسيّرات والذخائر والنفط والتكنولوجيا يدفع أوكرانيا إلى استهداف التدفقات التي تدعم موسكو، فيما يوسع الحوثيون نطاق الضغط البحري على خصوم طهران.

ويخلص إلى أن النتيجة تتمثل في "حرب بلا خلفية آمنة"، بعدما أصبحت طرق النقل والبنى التحتية وموانئ العبور وسلاسل الإمداد جزءاً من بنك الأهداف، إلى جانب القواعد العسكرية ومواقع إطلاق الصواريخ.

 

اتساع يرفع ثمن الحرب
 

يفرض الانتقال من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وبحر قزوين كلفة أوسع من خسائر ساحات القتال. فالاضطراب في ممر بحري واحد يرفع أسعار التأمين والشحن والطاقة، أما تعرض مسارين حيويين للخطر في الوقت نفسه فيضع التجارة العالمية أمام طرق أطول وقدرات نقل محدودة وأسعار أعلى.

كذلك، يزيد تعدد الجبهات احتمال انخراط دول إضافية لحماية أجوائها وموانئها ومنشآتها الحيوية، ويوسع مساحة الاحتكاك بين قوى ترتبط أصلاً بصراعات مختلفة.

ويضع هذا المشهد الأطراف أمام معادلة أكثر تعقيداً. كل جبهة جديدة تمنحها أداة ضغط إضافية، وترفع في المقابل الثمن الاقتصادي والأمني لاستمرار الحرب. ومن هنا، قد يتحول اتساع المواجهة إلى عامل يدفع نحو احتوائها، أو إلى مسار يسرّع انتقالها إلى ساحات جديدة، وفق قدرة الأطراف على ضبط حلفائها وحماية خطوط الإمداد والملاحة.


النهار اللبنانية