2026-07-21 11:01 م

"الخطاب السياسيّ المبتور" لعزمي بشارة... قراءة راهنة للداخل الفلسطيني

د. عزمي بشارة

2026-07-20

مهند مصطفى | عرب ٤٨
رافقني كتاب عزمي بشارة "الخطاب السياسيّ المبتور ودراسات أخرى" منذ التسعينيات في طبعته الأولى، إذ كنت طالبًا في العلوم السياسية يبحث عن مقاربات اجتماعية ونظرية لفَهْم واقع الفلسطينيّين في الداخل. كانت مقدّمة الكتاب والفصلان الأول والثاني في الكتاب، على وجه التحديد، الأرضية النظرية والسوسيولوجية التي رافقتني طالبَ دراسات عليا في العلوم الاجتماعية، وباحثًا في قضايا الفلسطينيّين في الداخل، ومديرًا في سيمنار طلبة الدراسات العليا في مركز مدى الكرمل الذي كان يهدف إلى تدريبهم على إنتاج مقارَبات نظرية تحرّرية نابعة من سوسيولوجيا ذات طابع سياسي نقدي، وكانت مساهمات بشارة جزءًا من التعرُّف على تلك المقاربات النظرية كونها تضع لَبِنات هامّة لسوسيولوجيا فلسطينية يعترف بشارة في كتابه أنها غير موجودة.

وأظن أن هذا الكتاب في طبعته الجديدة (مدى الكرمل، حيفا، 2026)، وتوأمه الآخر "من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية" (دار الشروق، القاهرة، 2004) ويدرس فيه بشارة المجتمع الإسرائيلي وتناقضات الديمقراطية والهوية اليهودية في النظام السياسيّ)، يعرضان الفكرة نفسها في الجوهر، وهو التناقض الحاصل بين الديمقراطية الليبرالية والهُوية اليهودية والصهيونية، والتي انعكست أيضًا على مكانة الفلسطينيّين في إسرائيل. ولا أبالغ إن قلت إنه إذا كان كتاب "من يهوديّة الدولة حتى شارون" الكتاب الأول فلسطينيًا وعربيًا الذي تعمّق في دراسة إسرائيل، فإنّ الكتاب الآخَر هو الأوّل نظريًا من حيث التجديد في دراسة الفلسطينيّين في الداخل مُكملًا بذلك مساهَمات إيليا زريق وصبري جريس ومطوّرًا إيّاها.

عندما انتقلت من إدارة سيمنار طلبة الدراسات العليا، لإدارة ورشة الإنتاج المعرفي حول الفلسطينيّين في الداخل التي نظّمها مركز مدى الكرمل أربع سنوات، كان الفصلان الأوّل والثاني في كتاب "الخطاب السياسيّ المبتور" بالنسبة لي منعطفًا معرفيًا ونظريًا في دراسة الفلسطينيّين في إسرائيل، ومقاربةً جديدة تتحدّى الإنتاج المعرفي الإسرائيلي في العلوم الاجتماعية بشأنهم من دون فصله عن الإنتاج المعرفي الفلسطيني الذي سبقه. وهنا تحديدًا أشير إلى مقارَبات سوسيولوجية حول المدينة الفلسطينيّة الضائعة، وغياب المدينة، والحداثة المشوهة، والأسْرلة، والطائفية، والهوية وغيرها، ما زالت مقاربات سوسيولوجية لا غنى عنها في فهم تطوّر الفلسطينيّين التاريخي في جميع المجالات، حتى تلك التي لم يتطرّق إليها الكتابُ تطرُّقًا مباشرًا لأنّها لم تكن موجودة (كالجريمة المنظَّمة والعنف -على سبيل المثال). ففضلًا عن المقارَبات النظرية الهامّة في الكتاب، المقولات في الكتاب في سائر أجزائه لا غنى عنها؛ فقد طرح الكتاب مقاربات لقضايا كانت حاضرة ولكنّها كانت غائبة في المقارَبة الأكاديميّة، مثل الحيّز العام، والحيّز الخاص، ودور المثقفين والأكاديميّين، واليسار، وعلم الاجتماع الفلسطينيّ، والمدينة والقرية المشوَّهة، كلّها لا تزال ذات صلة بواقع الفلسطينيّين في جميع مناحي حياتهم. يحمل الكتاب محورَيْن في الجوهر هما: نقدُ الإنتاج المعرفي الإسرائيلي حول الفلسطينيّين، وطرحُ مقارباتٍ فلسطينية جديدة حولهم، مقارباتٍ فلسطينية لا تنطلق من موقعية الباحث فحسب، بل من معرفة نظرية وفلسفية أيضًا لا تنفي البُعد السياسي للمشروع الفكري في الكتاب.

يقدّم بشارة في الكتاب قراءة تاريخيّة ذات طابع سوسيولوجي في تطور الفلسطينيّين في الداخل، فهي ليست سردًا تاريخيًا، وليست مقاربة سوسيولوجية غير مشفوعة بمعرفة تاريخية، فتتحوّل التفاصيل التاريخية إلى أُطُر سوسيولوجية تساعد على فَهْم مسار الفلسطينيّين في الداخل، منذ النكبة حتى الآن، مقرونة بنقد عميق للإنتاج المعرفيّ الإسرائيلي حول الفلسطينيّين، وهو ما يضيف إلى الكتاب بُعدًا سياسيًا مهمًا، في التعامل مع تناقضات "الديمقراطية الإسرائيلية"، والهُوية الإسرائيلية، ومفهوم المساواة، وواقع الفلسطينيّين السياسي في طبقاته المختلفة من الفرد، إلى المجتمع، إلى النخبة السياسية والثقافية. ليس من الشائع أن يقرأ المرء كتابًا أكثر من مرّة، ويكتشف في كلّ مرّة راهنيّته للواقع السياسي - الاجتماعي المتغيّر، إلّا إذا كانت مقارَبته نابعة من قراءة معمَّقة ذات طابع سوسيولوجي نظري للحظة كتابة الكتاب أو صياغة المقولات، متجاوزًا واقع اللحظة إلى فَهْم السياق والإطار والتحوّلات المؤسسة التي أنتجت اللحظة وما بعدها.

يُقدِّم الكتاب مقولات كثيرة لا تزال حاضرة بمعناها السياسيّ والأكاديميّ، ولن يسعفني المقام هنا لعرضها جميعًا تحتاج تأليف كتاب لتحليل هذا الكتاب في سياق الواقع الراهن). ولكن سأعرض بعضًا من هذه المقولات التي لا تزال (في تصوُّري) هامّة في فهمنا للواقع السياسيّ لدى الفلسطينيّين عمومًا، ولدى الفلسطينيّين في الداخل على وجه الخصوص.

يقول بشارة: "ولا تشكّل الأَسْرَلَة التامّة خيارًا فعليًّا أمام العرب في إسرائيل [....] فإنّ أَسْرَلَة العرب في إسرائيل معناها نبذهم الأبديّ إلى هامش الدولة اليهوديّة، الأمر الذي يعني تشويهَهم حضاريًّا وقوميًّا، ومن ثَمّ خُلقيًّا". تُعتبَر هذه المقولة أصيلة في واقع الفلسطينيّين الحالي، على الرغم من أنّها كُتِبت عام 1992؛ فالتشوُّه الخُلقي بارز في الانحدار الاجتماعيّ نحو العنف والجريمة، وكلّ مقارَبة للجريمة بدون هذه المقولة لا يمكن فَهْم كُنْهِها جيّدًا؛ فالأَسْرَلَة ليست الخلاص للعرب في الداخل سياسيًا واجتماعيًا، والتنظير للأَسْرَلَة والتبشير بها بوصفها حلًّا لأزمات الفلسطينيّين، سيقودهم نحو الهامش وتعميق أزماتهم.

ويضيف بشارة في الكتاب: "ونقيضًا للادّعاء السائد في علم الاجتماع الإسرائيليّ، في شأن الهُويّة المزدوجة للعرب في إسرائيل فإنّني لا أعتقد أنّ مصطلح الازدواجيّة يكفي في هذه الحالة، والأصحّ هو الحديث عن تناقض. إنّ البُعدَيْن الفلسطينيّ والإسرائيليّ هما طرفان في صراع، ولا يعيش كلّ منهما بجانب الآخر، في سلام. وما لم يكن ثمّة تطوُّر في اتّجاه التسوية التاريخيّة، فسيمضيان في التطوُّر، كلٌّ على حساب الآخَر، بدلًا من أن يتطوّرا وهُما متجاوران"... تَحْمل هذه المقولة التحليليّة تنبُّؤًا للحالة الإسرائيليّة الحاليّة، والتي تعمل فيها الهُويّة الإسرائيليّة - اليهوديّة على طمس الهُويّة الفلسطينيّة، أو أيّ تعبير لها وإن كان فلكلوريًّا. وهذا يقودنا إلى مقولة هامّة في كتاب بشارة الذي يقدّم خلاصة هذا التطوُّر المتناقض بين البُعدَيْن الإسرائيليّ والفلسطينيّ، حيث يقول: "لا تُشكِّل القضايا المدنيّة، في حالة العرب في إسرائيل، قِطاعًا مستقلًّا في حدّ ذاته، لكنّها جزء من القضيّة القوميّة، شئنا أَم أبَيْنا. فهي بدون هذا البُعد لا تُسيَّس ولا تُجنَّد للنشاط السياسيّ".

ويقودنا هذا ثانيةً إلى مقولة أخرى لبشارة تصبّ في الخطّ الراهن نفسه لواقع الفلسطينيّين في إسرائيل، عندما يشير قائلًا: "إنّ لاتَسَيُّس الموقف من الواقع الاجتماعيّ السياسيّ، وأزمةَ النشاط السياسيّ بين العرب في إسرائيل، يؤدّيان إلى هُويّة مقترنة بالتفتُّت المعنويّ والتسيُّب الخُلقي". ولن أكون مُبالِغًا إذا قلت إنّ هذا هو التوصيف الدقيق للواقع الاجتماعيّ والسياسيّ بين الفلسطينيّين في إسرائيل؛ فغيابُ تسييس القضايا الاجتماعيّة والمَطالبُ المدنيّة سوف يؤدّيان إلى انهيار اجتماعيّ، وتفتُّت داخليّ، وهو ما نراه اليوم من تَشَظٍّ في الحقل السياسيّ، وانهيار القيَم الاجتماعيّة، حتّى تلك التي ميّزت القرية العربيّة التي يشير بشارة إلى أنّنا فقدنا سِماتها الإيجابيّة، ولم نكسب سِمات المدينة العريقة. يقول بشارة بوصفٍ سوسيولوجيٍّ رائع: "والقريةُ التي فقدت القريةَ هي الأصالة الوحيدة التي يعيشها أو يحاول أن يستعيدها "كفلكلور". والفلكلور في الغالب يتمّ إحياؤه في المدينة عن الريف. أمّا أن يُعاد إحياؤه في الريف، فهذا يدلّ على أنّ القرية أصبحت تمثّل دَوْر ذاتها".

يربط بشارة في واقع الفلسطينيّين الراهن على نحوٍ مباشر بين المشروعِ السياسيّ الجماعيّ والتنظيم السياسيّ، وتجاوُزِ الانهيار الاجتماعيّ الحاصل في المجتمع الفلسطينيّ، في ظلّ دولة طوّرت وسائل الرقابة والأمن والسيطرة (حدّدها بشارة عام 1992)، ولكنّها غير معنيّة بوقف الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطينيّ.

يعتقد بشارة أنّ الاندماج لا يكون إلّا من خلال دولة ثنائيّة القوميّة، لا من خلال "الاذدناب للدولة اليهوديّة"، وهذا لا يمنع النضال من أجل الحقوق الجماعيّة للفلسطينيّين، مع وعي لتناقض الدولة اليهوديّة، فالمساواة التامّة لا تكون إلّا من خلال دولة جميع مواطنيها، مساواة بين مختلفين لا بين متساوين. وهذا يَحْدونا إلى نقد خطاب التأثير العربيّ في السياسة الإسرائيليّة، وهو موضوع سياسيّ راهن، تطرّق إليه بشارة في كتابه قبل عقود.

في هذا الصدد يقول بشارة إنّ نهج دعم الحكومات الإسرائيليّة بحجّة دعم النهج السلميّ للحكومات الإسرائيليّة يؤدّي إلى عمليّة أعمق هي "الأَسْرَلَة السياسيّة والانضمام التدريجيّ إلى الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة، إمّا كأحزاب أو من ضمن الأحزاب الصهيونيّة".

في هذا الشأن، يشير بشارة على نحوٍ لافت إلى ما يلي: "يعني ازديادُ تأثير العرب في إسرائيل على السياسة الإسرائيليّة -في ما يعنيه- ازديادَ تأثير السياسة الإسرائيليّة عليهم. فالتأثير هنا، مَثَلُه كمَثَل الهُويّة، لا يجري بالتحكُّم من الخارج، وإنّما يتناسب التأثير تناسبًا طرديًّا مع الانضمام إلى اللعبة السياسيّة الإسرائيليّة بقبول مسلَّماتها الأوّليّة". كم هي هامّة هذه المقولة في سياق الراهن السياسيّ للفلسطينيّين في إسرائيل!

ما زال هذا الكتاب يشكّل لحظة معرفيّة فارقة في دراسة الفلسطينيّين في الداخل، حتّى في ظلّ واقع الإبادة الجماعيّة في قِطاع غزّة وتَبِعاتها على الداخل الفلسطينيّ، أوّلًا لأنّه يَقرأ الصراع مع الصهيونيّة بوضوح ولا يضيّعه مَهْما بدا الواقع فاقدًا للاحتمالات، وثانيًا لقناعته بالدَّوْر الذي من الممكن أن تقوم به الفاعليّة السياسيّة في أكثر الظروف تعقيدًا.

"الخطاب السياسيّ المبتور" كتاب سياسيّ وأكاديميّ في الوقت نفسه، مقولاتُهُ الراهنة تعطيه من جديد أهمّيّة جديدة. وهو كتاب أرى أنّه على كلّ طالب وباحث ومنشغل بالشأن العامّ أن يقرأه؛ إذ سيجد كلّ منهم ما يعمّق لديه القلق المعرفيّ، أو القلق السياسيّ العامّ -فحسَنًا فعل مركز مدى الكرمل بنشره من جديد.