2026-06-19 11:50 م

33 عاما على نكبة اوسلو، وهذه هي النتيجة

2026-06-19

بقلم: د. أيوب عثمان
 فوجئت اليوم بمقال تحت عنوان: "19 عاما على انقلاب حركة حماس وهذه هي النتيجة" نشره قبل البارحة،  "عالم السياسة" وأستاذ علومها، الأستاذ الدكتور/إبراهيم أبراش، يتحدث فيه وكأن  تاريخ الكوارث والنكبات والفواجع الفلسطيني قد بدأ في صيف عام 2007 على أيدي حركة حماس، فيما وصفه أو أسماه بأنه "انقلاب", جاهلا أو متجاهلا ما سبق ذلك العام  (2007) من نكبات أو فواجع مهدت له، بل ربما كانت السبب المباشر فيه، لا سيما "نكبة اتفاق أوسلو" الكارثي وما اتصل به من مواقف وقرارات كانت دوافع ومقدمات وأسبابا لتفجر الأحداث في صيف عام 2007 التي يصفها صاحبنا عالم السياسة بأنها "انقلاب" على السلطة الشرعية في قطاع غزة.


أرى-قبل الولوج إلى ما نحن إليه-أن أشير إلى أنني لست حزبيا أو محزبا: لست فتحاويا أو حمساويا، كما أنني لست جهاديا ولا جبهاويا ولا...ولا....، ذلك أن "فلسطينيتي" هي انتمائي وهي وجهي ومنطلقي...هي ألفي وبائي وحتى يائي.

لعلنا في البداية نعالج الفعل الذي أتت عليه حركة حماس منذ تسعة عشر عاما، فيما وصفه الدكتور/أبراش بأنه "انقلاب" على الشرعية لنرى عما إذا كان ذلك الفعل انقلابا على الشرعية أم غير ذلك، وكيف يمكن لوصفه هذا أن يجاز أو يكون خلافا للحديث عن النتيجة بأنها  "الحصاد المر والكارثي والمرير" على الشعب الفلسطيني وقضيته.
لماذا أتت حركة حماس قبل تسعة عشر عاما على ذلك الفعل الانقلابي كما يصفه عالم السياسة، فيما تصفه حماس بأنه "حسم عسكري", فيما يصفه البعض الٱخر بأنه "انقسام"؟!
لكي نستجلي هذه الأمر على نحو واقعي موضوعي مرتبط بالأحداث، بغية تفكيك ما فيه من غموض او التباس، فإنه يحسن بنا أن نعود إلى الوراء فنراجع الأحداث من حيث الفعل ورد الفعل لنتساءل:
(١) ما أسباب التوتر وتصعيد حدته في صيف عام 2007 بين حركتي فتح وحماس؟
(٢) لماذا رفضت أطراف نافذة في حركة فتح نتائج الانتخابات التي فازت فيها حركة حماس؟
(٣) لماذا بذلت حركة فتح التي تقود السلطة محاولات مستميتة لإعاقة عمل الحكومة الفلسطينية العاشرة التي وصفت بأنها "حكومة التوافق الوطني الفلسطيني"؟
(٤) لماذا رفض قادة الأجهزة الأمنية الانصياع لقرارات سعيد صيام، وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية؟
(٥) لماذا منع وزير داخلية حكومة التوافق الوطني، سعيد صيام بالقوة من دخول مقر رئاسة الأمن الوقائي؟
(٦) لماذا شنت هجمات استهدفت اسماعيل هنية، رئيس حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني؟

بالنظر إلى التساؤلات أعلاه، فإن التساؤل الاستنكاري الأبرز الذي يفرض نفسه كحقيقة راسخة لا مكنة ولا مجال لإنكارها، إنما هو ذلك التساؤل الذي يؤكد أن تلك الأفعال إنما هي "انقلاب واضح وصارخ وفاضح على حكومة توافق وطني أفرزتها انتخابات شهد العالم بأسره على شفافيتها ونزاهتها، وفضلا عن ذلك فقد تم التوافق الوطني الفلسطيني عليها، وهنا نتساءل من جديد:

إذا كان ذلك الفعل الانقلابي شديد الضرر والشراسة على  الشعب الفلسطيني وعلى حكومته التوافقية برئاسة إسماعيل هنية مجازا عند صاحبنا أستاذ علم السياسة، فلماذا لا يكون الفعل الذي قامت به حماس في صيف عام 2006 ضد حركة فتح والسلطة مجازا عنده أيضا؟! إن لم يكن هذا الذي يراه عالم السياسة هو الكيل بمكيالين مختلفين، بل متعاكسين، فماذا يكون، إذن؟!
ما يهمني إيصاله إلى أستاذ علم السياسة  هو حقيقة واضحة وفاضحة مؤدادها أنه "إذا سلم عالم السياسة هذا-وليس له من خيار إلا أن يسلم-بأن ما قامت به حركة فتح والسلطة ضد الحكومة التوافقية المنتخبة برئاسة اسماعيل هنية إنما هو انقلاب على هذه الحكومة الشرعية، فإن في مكنته ٱنئذ وصف ما فعلته حركة حماس بأنه "انقلاب", ولكن مع فارق ذي أهمية لا يمكن إنكارها تتمثل في أن انقلاب  فتح والسلطة على الحكومة التوافقية لم يكن له-ألبتة-ما يبرره، فيما كان لانقلاب حماس (إن أجزنا أنه كان انقلابا) ما يبرره تماما، وهو عدم جواز الانقلاب على شرعية  كانت تمثلها حكومة منتخبة ومؤيدة عالميا وشعبيا، لكن الذي أتت عليه حماس لم يكن انقلابا على الشرعية بقدر ما كان رد فعل قام به من كان يملك الحق والشرعية ضد انقلاب عليها ممن لا حق له ولا شرعية.
غير أنني قد أتوافق-ولو تجاوزا-مع عالم السياسة وأستاذ علومها على أن ما كان من حماس في صيف عام 2007 هو انقلاب -تجاوزا- شريطة أن يعترف هو ويسلم بأن ما كان من حماس في صيف عام 2007 إنما كان "انقلابا على انقلاب", وهو ما كان قد حفزني في حينه على نشر  مقال تحت عنوان "انقلاب على انقلاب" أتشرف بدعوة القارئ الكريم أن يعود إليه.
لقد لفت انتباهي ما كتبه عالم السياسة في ديباجة مقاله من كلام لا لزوم ولا أهمية له ولا شأن لنا فيه: من بين ذلك، استيزاره وزيرا للثقافة في حكومة سلام فياض التي لم يقم فيها طويلا حتى غادرها مستقيلا، ثم عودته إلى غزة، حيث أبلغه الدكتور/غازي حمد أنه رتب له لقاء مع رئيس حكومة الوفاق المقالة إسماعيل هنية، وأنه قبل تلك الدعوة, انطلاقا مما يتمتع به من كياسة وأدب وحسن خلق ولياقة تصرف، وإلا لما كان قد قبلها "لأنه"، كما قال: "لم يكن من اللائق رفضها", وأن اللقاء حدث بحضور مدير مكتبه محمد عوض، وأنه وصف أحداث 2007 بأنها "انقلاب" فيما رفض اسماعيل هنية هذا الوصف لصالح وصف ٱخر هو "الحسم العسكري" الذي رفضه أستاذ علم السياسة، مستندا في رفضه على أمرين من وجهة نظره: أولهما، "أستاذيته" التي عبر عنها بقوله: "أنا كبروفيسور في العلوم السياسية لم يمر بي مصطلح "الحسم العسكري", الأمر الذي يحفزنا على رفض قوله وما استند إليه بصفته "بروفيسورا في العلوم السياسية", كما وصف نفسه. أما ثانيهما، فهو ما يتمتع به من يقين معلوماتي نراه (مشوها) وثقة معلوماتية (لا أساس ولا صحة لها) من أن مصطلح "الحسم العسكري" لا وجود له في العلوم السياسية، وهو أمر يتناقض كليا مع طبيعة العلوم السياسية التي تزخر أبحاثها   ودراساتها وكتبها ومقالاتها  ومجلداتها بهذا المصطلح، ودليلا على صحة ما نقول، فإننا إذ نؤكد على وجود هذا المصطلح، خلافا لما ذهب إليه عالم السياسة وأستاذها، فإننا نشير إلى الإصدارات الٱتية، تأكيدا وتوثيقا لما نقول، لا سيما وإن هذا المصطلح إنما هو مصطلح معروف ويقصد به "حسم الموقف على نحو تتم بموجبه السيطرة عليه باستخدام القوة العسكرية". وتدليلا على وجود هذا المصطلح، خلافا لفهم وقول "بروفيسور العلوم السياسية" الذي نفى وجوده, فإنني أورد الإصدارات الٱتية، مثالا لا حصرا:
(١) "صراع الإرادات: السلوك الأمني لفتح وحماس والأطراف المعنية".
إصدار: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
المحتوى: دراسة موثقة تغطي التطورات الأمنية وفترة "الحسم العسكري في الساحة الفلسطينية
(٢) التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية 2006-2007
إصدار: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
المحتوى: فصول مفصلية لتحليل أسباب وتداعيات الحسم الأمني والعسكري في قطاع غزة
(٣) صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة
إصدار: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
(٤) تغير المخاطر وأبحاث استراتيجية (الحروب الاسرائيلية وتغير المفاهيم)
إصدار: جامعة القدس المفتوحة
المحتوى: حالة غياب الحسم العسكري في حروب اسرائيل الجديدة ضد التنظيمات
(٥) عن النصر والحسم وتحدي تحقيق أهداف الحرب
إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية
المحتوى: تقارير تناقش محدودية تحقيق الحسم العسكري الكامل في الحروب المعاصرة والتوسعة في استراتيجيات الاستنزاف
(٦) الاستراتيجية العسكرية بين التقليدية والحداثة
إصدار: مجلة ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية
المحتوى: دراسة استشرافية تقارن بين أساليب الحسم العسكري المباشر والردع في الحروب الحديثة
(٧) تقرير اسرائيلي عن النصر والحسم وتحدي تحقيق أهداف الحرب على حماس
إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية-مدار
(٨) الحرب على لبنان من منظور اسرائيل
إصدار: معهد الدراسات الفلسطينية
المحتوى: الحسم العسكري
(٩) تقدير موقف: السيناريوهات الاسرائيلية المحتملة تجاه قطاع غزة
الدكتور/عدنان أبو عامر
إصدار: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
فرضية الحسم العسكري أو الاجتياح الشامل لقطاع غزة.
أما قول عالم السياسة بأن الانقسام تتحمل حماس وحلفاؤها المسؤولية الأكبر عنه،  فقول يستند إلى فكر يعاني من عوار كبير وخطير، ذلك أن المسؤولية  من ألفها إلى يائها إنما هي مسؤولية منظمة التحرير التي باتت ملحقة بالسلطة التي تقودها، ومسؤولية حركة فتح التي تقود السلطة.

وأما كتاب صاحبنا عالم السياسة بعنوان "الانقسام: النكبة الفلسطينية الثانية", فقد جانب صاحبه الصواب في وصفه الانقسام بأنه "نكبة ثانية", جاهلا او متجاهلا كارثة أوسلو التي يجمع المراقبون على وصفها بأنها "النكبة الكبرى" لا لشيء إلا لأن اتفاق أوسلو كان الحدث الأكبر والكارثة الأخطر  على القضية الفلسطينية، حيث إنه أرسى دعائم من شأنها أن تصنع تغييرات جوهرية في بنية وطبيعة المشروع الوطني، بينما الانقسام الذي تفجرت أحداثه في صيف 2007 إنما ينظر إليه موضوعيا على أنه حصاد مر ومرير ونتاج ضار وخطير  لاتفاق هو في أصله وحقيقته وطبيعته مذل وقاهر ومهين، فضلا عن أنه خلق شروخا وانقسامات داخلية عمقت أزمات الشعب الفلسطيني  السياسية والجغرافية والوطنية والاجتماعية والنفسية، الأمر الذي دفع المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى المطالبة بمحاكمة ومعاقبة أصحاب أوسلو، إذ قال: "إن الذين وقعوا أوسلو يستحقون المحاكمة من الشعب الفلسطيني".
            
أما قول أستاذ علم السياسة، البروفيسور/ أبراش، بأن ما فعلته حماس في صيف 2007 هو انقلاب دموي ترتبت عليه كل الانهيارات في الضفة وغزة بالإضافة إلى ما أصاب قطاع غزة لاحقا من أحداث كارثية مدمرة كان ٱخرها حتى اليوم حرب الإبادة والتطهير العرقي التي ما زلنا نعيشها، فضلا عن أنه (أي الانقسام) هو النكبة الثانية، متجاهلا في ذلك "النكبة الكبرى" التي يمثلها "اتفاق أوسلو" الذي يجمع المراقبون على وصفه بانه (نكبة كبرى), فهو قول يجانب  الصواب والحق والحقيقة مجانبة كبرى سنحاول استجلاء  أبعادها من خلال ما أنتجته من خبائث ومحن وكوارث وأزمات وفواجع وخيبات ونكبات نوردها فيما يأتي:
(١) لقد جردت اتفاقية أوسلو شعبنا من أهم حقوقه في مقاومة الاحتلال الجاثم على صدره وأرضه منذ أن هجر منها بالقوة المسلحة عام ١٩٤٨، إذ تم-بموحب اوسلو- إلغاء "الكفاح المسلح" من قاموسه الثوري، وهو "الميثاق القومي/الوطني الفلسطيني"، فصارت ملاحقة كل أشكال المقاومة من أهم وألزم لزوميات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، فكان أن تعهدت بتفكيكها ومطاردتها وإيداع عناصرها في السجون بذريعة تسببهم في تعطيل وتأخير إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وبناء عليه، فقد صنع اتفاق أوسلو وأبدع كل ما لزم من أسس كان هدفها "مقاومة المقاومة" بدلا من مقاومة الاحتلال، تذرعا بالمحافظة على أولويات وهمية بغية فتح مجالات ومسارات اكثر وأرحب وأوسع ليسيطر فيها جمال الوهم فيتفوق على قبح الواقع.
(٢) بموجب أوسلو، تعهدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأن تبقى أجهزتها الأمنية معلقة بركاب دولة الاحتلال ودواليبها، حيث تدور في فلكها، طوعا لأوامر جيشها في مراقبة وملاحقة المقاومة واعتقال عناصرها من خلال شرعة أعطيت اسم "التنسيق الأمني (المقدس!!!)", متحملة بذلك- نيابة عن الاحتلال-مسؤولية ملاحقة المقاومة واعتقال رموزها وعناصرها أو حتى قتلهم، بالإضافة إلى عبء تصريف شؤون الحياة اليومية.
(٣) لقد منح اتفاق أوسلو دولة الاحتلال شرعية ذات وجود وقوة تعددت وجوهها وأشكالها وصيغها بعد أن لم يكن لها من قبل اي نوع من أي شرعية تثبت أن لها حقا ولو في سنتيمتر واحد من أرض فلسطين، حتى أن قرار التقسيم -الذي منح الشعب الفلسطيني بموجبه ٤٥% من أرض فلسطين-لم يكن مؤيدا بأي سند رسمي معتمد، فضلا عن أن العرب والمسلمين قد رفضوه استنادا منهم على حقيقة راسخة لديهم بأن  الأمم المتحدة التي أصدرت ذلك القرار لم تكن هي المالك الطبيعي ولا صاحب الأرض الأصلي والشرعي.
وفوق ذلك، فإن الاعتراف الأممي متبوعا باعتراف كثير من الدول بدولة الاحتلال لم يمنحاها شرعية سياسية ولا شرعية للسيطرة على الأرض ولا للاستيلاء عليها، وذلك لسبب مهم-بل وأساسي وجوهري- وفقا لاعتبارهم الذي ذهب إلى أن إنفاذ القرار الأممي يظل معلقا على ضرورة إجابة وتحقيق شرطين أساسيين متلازمين لا مجال لقيام أحدهما دون الٱخر: أولهما عودة اللاجئين إلى الأماكن التي هجروا بالقوة منها، وثاتيهما قيام الدولة الفلسطينية التي لم تتحقق حتى تاريخه.
(٤) على الرغم من أنه لا شرعية للاحتلال، بمقتضى القانون الدولي، إلا أن منظمة التحرير الفلسطينية قد منحت الاحتلال تلك الشرعية، وذلك باعترافها في الجزائر عام ١٩٨٢ بالقرارين ٢٤٢و ٣٣٨، لا سيما وإن هذين القرارين قد أصبحا مكونا رئيسيا من وثائق وملفات قد تم البناء عليها في أوسلو عام ١٩٩٣، الأمر الذي منح-بل ثبت-شرعية الاحتلال من خلال هذا التنازل المجاني من القيادة الفلسطينية عن حق شعبنا في ٧٨% من أرضه، والذي تم بمقتضاه تحويل أوضاع الحقوق الفلسطينية وأوصافها من حقوق "ثابتة ومؤكدة" إلى حقوق "يمكن التحدث فيها والتفاوض عليها"، وكأن الموقعين على اتفاقية أوسلو هم أصحاب هذه الأرض والحقوق, على الرغم من عدم موافقة أصحابها الأصليين والشرعيين، وهم الشعب الفلسطيني الذي لم يفوض عنه أحدا ولم ينبه عنه.
(٥) زيادة عدد المستوطنين-بموجب أوسلو وبعده-أضعافا مضاعفة إلى أن بلغ اليوم عددا يكاد يقترب من المليون مستوطن، ما يعني زيادة التجمعات والكتل الاستيطانية والمستوطنين وحجم الاستيطان الذي يستقطع كل يوم بل كل ساعة ودقيقة من الأرض الفلسطينية ليواكب الزيادة المضطردة في أعداد المستوطنين التي لم تكن قد بلغت مائة ألف مستوطن، قبل توقيع اتفاق أوسلو.
(٦) من أكبر خيبات أوسلو ومن أخطر خبائثها، إلغاء الأمم المتحدة لقرارها رقم ٣٣٧٩ الصادر في ١٠ نوفمبر ١٩٧٥ القاضي "بمساواة "الصهيونية" مع "العنصرية" واعتبارها شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري", حيث صدر في ١٦ ديسمبر ١٩٩١ القرار الأممي رقم ٨٦/٤٦ القاضي بإلغاء القرار السابق الذي قضى بمساواة "الصهيونية"مع "العنصرية"، وذلك استجابة لشرط إسرائيل كي توافق على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، وذلك توطئة لإنجاز اتفاق أوسلو، لاحقا.
(٧) ومن أخبث خبائث أوسلو وأخيب خيباته، أيضا،  أنه مهد للتنازل والتطبيع، فكان اتفاق وادي عربة  بين الأردن ودولة الاحتلال الصهيوني في ٢٦ أكتوبر ١٩٩٤، أي قبل أقل من عام واحد على اتفاق أوسلو.
(٨) في اتفاق أوسلو، تم التأسيس إلى أكبر وأخطر انقسام في الساحة الفلسطينية، حيث انفرد فصيل واحد (حركة فتح) باتخاذ قرار مصيري نيابة عن الشعب الذي لم ينبه عنه ولم ينب غيره، فقدم (هذا الفصيل لوحده وبمفرده ودون تفويض له!!) من عندياته تنازلا تاريخيا عن ٧٨٪ من أرض فلسطين، مدخلا بذلك الوضع الفلسطيني في انقسام كبير وخطير كان هو الأكبر والأخطر على الإطلاق، نظرا لما سببه من اختلاف على ثابت ظل ثابتا بين مجموع الثوابت التي ظلت طوال السنين محفورة في الذاكرة الفلسطينية الجمعية، والتي مفادها  أن "فلسطين من البحر إلى النهر". وعليه، فإن فلسطين التي كانت على الدوام "من بحرها إلى نهرها" ها هي تتحول-بمقتضى أوسلو-إلى متضائلة ومنحسرة ومختصرة في "دولة" من حيث المسمى هي جزءان متباعدان ليسا متصلين هما الضفة الغربية وقطاع غزة المرتهنان بدولة الاحتلال ارتهانا كاملا.
لقد أنتج اتفاق أوسلو-بما كان يلفه من عدم الرضا-أكبر وأخطر معارضة عبرت عنها عشرة فصائل فلسطينية بكل قوة، الأمر الذي خلق أكبر وأخطر انقسام في الساحة الفلسطينية على المستوى الشعبي والفصائلي.
وفضلا عما سبق في سياق الانقسام الفلسطيني الذي صنعه أوسلو، فإن أخطر ما في الأمر أن أوسلو قسم شعبنا إلى قسمين من درجتين أو فئتين: الأولى لمن يوقع على وثيقة "نبذ الإرهاب والالتزام بالسلام" التي تخص الأسرى الذي يتوجب عليهم التوقيع عليها عند الإفراج عنهم. فمن يوقع على هذه الوثيقة يوصف بأنه "مواطن من الدرجة الأولى"، لما يتمتع به من صلاح ومثالية، طبقا لمسطرة الاحتلال الصهيوني في التقييم والتصنيف. اما أصحاب الدرجة الثانية فهم من يرفضون التوقيع على هذه الوثيقة فيوصفون بأنهم خارج فئة "الصلاح والمثالية" فيتم تصنيفهم في "دائرة الإرهاب"، الأمر الموجب إلى التنكيل بهم، انتقاما منهم. وهكذا، فإننا نرى كيف قسم أوسلو شعبنا قسمين بعد أن كان على مدى التاريخ شعبا واحدا موحدا.
(٩) اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة الاحتلال وبحقها في الوجود مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير، ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، دون إلاعتراف بحق هذا الشعب في الوجود وبحقه في تقرير مصيره وفي إقامة دولته المستقلة على أرض وطنه.
(١٠) رضوخ القيادة الفلسطينية في أوسلو إلى الاملاءات الصهيوأمريكية في شأن تغيير الميثاق عبر إلغاء أو تعديل أي مادة أو كلمة أو مصطلح أو مضمون يعبر عن "الكفاح المسلح- المقاومة-التحرير-العودة",  فاجتثت كل تلك المفردات والتعبيرات من الميثاق الفلسطيني اجتثاثا، وهي الحالة التي لم تبق الميثاق ميثاقا فصار شيئا جديدا لا يشبه أصله.
(١١) ومن أبشع خبائث أوسلو وما أنتجه من خيبات هو عدم احترام القيادة الفلسطينية لشعبها إذ فرضت عليه إرادتها التي لم تستند على رأي شعبها، وإنما استندت على الإرادة الصهيو/أمريكية فامتثلت لها دون التفكير حتى في مجرد الاستئناس برأي شعبها الذي لم تستفته لدرجة انها بلغت مبلغ الاستهتار به، حتى أنها لم تفكر ولو مجرد التفكير في استطلاع رأيه، وبالتالي، فإن القيادة الفلسطينية تكون-بموجب أوسلو- قد تم تدجينها وتفريغها من مضمونها الثوري كقيادة كانت ثورية إلى قيادة خانعة تسير كما يرى الاحتلال وتنفذ إرادته فتقوم على تدقيق وترتيب وتهذيب عمليات الإلغاء والضبط اللغوي لتحقيق الالتزام الكامل والدقيق بمسطرة إلحاق من يرغب إلى منظمة التحرير، وهي مسطرة اعتماد الميثاق الأوسلوي الجديد والتسليم به والسير بمقتضاه، لا سيما بعد أن قضى على حق العودة في سياق ما قضى عليه من أسس وأهداف وركائز ومعطيات أخرى أشد التصاقا بشعبنا وقضيته.
(١٢) بموجب أوسلو، أرسيت أسس لإعلاء وتضخيم وتعظيم السلطة ودورها على حساب تهميش وتقزيم دور منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مجرد عربة صغيرة فارغة تجرها السلطة في ذيل قاطرتها. وبناء على ذلك، فقد دق في أوسلو كل ما كان يلزم من أسس تضمن استدراج وسحب قيادة منظمة التحرير التي كانت تتحرك في الخارج وفق إرادتها الثورية والمصلحة الوطنية إلى الداخل حيث لا مكنة لها أن تتحرك إلا وفق إرادة السلطة وطبقا لما يسمح به الاحتلال، لا سيما من حيث السماح بالسفر أو منعه-سواء عند الدخول أو الخروج-أو عند عقد اجتماع ما أو رفضه أو إلغائه أو الاطلاع على نظامه وطريقة عمله ومحتواه ومواده ومبتغاه وجدواه، بغية منح التصريح له أو حجبه عنه.
(١٣) بموجب أوسلو، جرى تجاوز قرار التقسيم الأممي ١٨١ الذي منح الدولة اليهودية ٥٥،٪ من فلسطين، فيما تنازلت القيادة الفلسطينية في أوسلو عن ٧٨٪ من أرض فلسطين، الأمر الذي أدى إلى التسليم بتقسيم القدس إلى شرقية وأخرى غربية، وذلك ضمن سياق مجاني من التنازل غير الوطني وغير المسؤول وغير الإنساني.
(١٤) بتوقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق اوسلو، فتحت على مصاريعها أبواب التطبيع والتنازلات على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي، مع الإشارة إلى  أن اتفاق السلام المصري-الاسرائيلي  لم يمنح دولة الاحتلال الصهيوني أي حق أو شرعية على مستوى القضية الفلسطينية. وفوق ذلك، فقد بقي هذا الاتفاق بمنٱى عن الشعب العربي المصري الذي أراد-بأحزابه وتجمعاته ونخبه من الأكاديميين والمثقفين-أن يبقيه محصورا ومحددا في مستواه الرسمي الحكومي بعيدا عن الشعبي، معتبرا إياه-على المستوى السياسي- وكأنه من الممنوعات والمحظورات والمحرمات.
هذا، وتجدر الإشارة فيما نحن، الٱن، في سياقه إلى أن أي دولة عربية لم تكن لتجرؤ، قبل اوسلو، أن تعترف بدولة الاحتلال، حتى أن الدول التي كانت تعترف بمنظمة التحرير قبل أوسلو كان عددها يفوق عدد الدول التي كانت تعترف بدولة الاحتلال، غير أنه بعد توقيع اتفاق أوسلو الفلسطيني-الأسراىيلي، فقد بدأ العقد الفلسطيني العربي الإسلامي يأخذ في الانفراط إذ فتح كل ما كان مغلقا حيث حطمت كل المغاليق وأبيح كل ما كان محرما وممنوعا، وصار درب السير سالكا-ركضا ثم عدوا- نحو دولة الاحتلال، دون كابح أو معيق أو معطل، حيث لا يستطيع  الفلسطيني- والحالة كذلك-أن يجيز لنفسه أن يطالب أخاه العربي أو المسلم بمواصلة مقاطعته لدولة الاحتلال وعدم اعترافه بها، فيما يرى الفلسطيني الرسمي وهو يهرول نحوها متصالحا معها، خاطبا ودها وحسن العلاقة بها والتواصل معها، مقرا لها بكيانيتها ومكانتها وضرورة وأحقية وجودها، ذلك أنه لا يطلب من امرئ أن "يكون ملكيا أكثر من الملك"، كما يقول ذوو الأفهام من العقلاء والحكماء!!!
(١٥) وارتباطا بالبند السابق، فإن اتفاق أوسلو قد عبد للاحتلال مجمل دروبه، حيث كان شعبنا، قبل اوسلو، يخوض معارك مقاومته على أعظم وأشرس مستوى في غمار انتفاضة شعبية شاملة كانت هي الأشرس والأوسع والأعنف والأقوى. لقد كانت الانتفاضة فعلا شعبيا هائلا حطم كل نظريات ومفاهيم الاحتلال وحلفائه، كما أفشل حساباتهم وقلب موازينهم  واعتباراتهم. أما اليوم، وبعد أوسلو، فقد بات شعبنا يعاني من الانقسام ويكابد قسوته ومرارته، ليس بين الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، وإنما في الضفة الغربية ذاتها حيث يعيش شعبنا إما في قرى منفصلة معزولة أو في أماكن محاطة بمعازل ومستوطنات ومحطات احتلالية وبؤر استيطانية وهجوم متكرر على الأقصى والمصلين فيه، وعلى شعبنا في الضفة الغربية، لا سيما طولكرم وجنين فضلا عن حرق الأطغال وإشعال النيران في المنازل والمتاجر.

وبعد: فلعل أحدا لا يجهل أو يتجاهل أن اتفاق أوسلو بكل ما فيه من خبائث وخيبات، إنما هو في أصله ومن أساسه مصلحة صهيوامريكية استعمارية خالصة ما كانت لتكون إلا على حساب شعبنا وقضيته.

أما ٱخر الكلام،
فإلى عالم السياسة وأستاذها الذي يرى أن أحداث صيف عام 2007 التي يصفها بأنها "انقلاب" وأنها كانت"النكبة الثانية" لشعبنا وقضيته، متجاهلا في ذلك اتفاق أوسلو الذي يجمع المراقبون على وصفه بانه "النكبة الثانية" بعد نكبة التهجير الأولى عام 1948, أقول:

كم يستغرب كل ذي فهم من أولئك كيف يرون الأشياء في ظاهرها على غير حقيقتها ومحتواها، فالسلبيات يرونها إيجابيات، والسيئات حسنات، والمكاره بركات، والخبائث طيبات، والخيبات نجاحات وإنجازات!!!