2026-06-12 11:10 م

النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني: بين واقع التحرر ووهم الدولة

2026-06-12

بقلم: جمعة الريماوي
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب لا تكون القوانين مجرد نصوص إجرائية تنظم الحياة السياسية، بل تتحول إلى مرآة تعكس طبيعة المشروع الوطني وأولوياته ورؤيته للمستقبل، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية النقاش الدائر حول النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني الفلسطيني، ليس باعتباره نقاشاً قانونياً أو تنظيمياً فحسب، وإنما باعتباره نقاشاً يتعلق بهوية المؤسسة الوطنية الجامعة وطبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

فالمشكلة الأساسية في النظام المطروح لا تكمن في تفاصيله الفنية أو الإجرائية، بل في الفلسفة السياسية التي يستند إليها، إذ يبدو وكأنه صيغ وفق منطق الدولة المستقرة ذات السيادة الكاملة، لا وفق منطق حركة تحرر وطني ما زالت تخوض معركة مفتوحة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والاقتلاع والتشتيت.
منظمة التحرير الفلسطينية لم تولد كدولة ولم تكتسب شرعيتها على هذا الأساس، بل نشأت بوصفها حركة تحرر وطني وإطاراً وطنياً جامعاً للشعب الفلسطيني أينما وجد، وحملت على عاتقها مهمة تمثيل الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم الوطنية في مواجهة مشروع استعماري استهدف الأرض والإنسان والهوية، أما المجلس الوطني الفلسطيني فكان منذ تأسيسه برلمان الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، وليس برلمان سكان منطقة جغرافية محددة أو حزب سياسي معين او سلطة سياسية قائمة ضمن حدود معترف بها.
لهذا السبب فإن أي نظام انتخابي للمجلس الوطني يجب أن ينطلق من حقيقة أن الفلسطينيين ما زالوا شعباً تحت الاحتلال وفي المنافي والشتات، وأن المهمة الأساسية لهذه المؤسسة هي الحفاظ على وحدة التمثيل الوطني ككل، لا مجرد إدارة عملية انتخابية وفق نماذج مستوردة من تجارب دول مستقرة.
ويظهر هذا الخلل بوضوح في اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة دائرة انتخابية واحدة، فعلى المستوى النظري قد يبدو هذا الطرح منسجماً مع فكرة وحدة الأرض الفلسطينية، لكنه يصطدم مباشرة بالواقع السياسي القائم، فمنذ سنوات طويلة يعيش الفلسطينيون حالة انقسام سياسي ومؤسساتي عميق، بينما يفرض الاحتلال الإسرائيلي سيطرته الكاملة على حركة الأفراد والبضائع والتنقل بين الضفة وغزة، كما أن الضفة الغربية نفسها تخضع لتقسيمات سياسية وأمنية معقدة من حواجز و بوابات عسكرية تجعل أجزاء واسعة منها تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
أما قطاع غزة، فقد خرج من حرب إبادة وتدمير غير مسبوقة، تركت آثاراً كارثية على البنية التحتية والمؤسسات والخدمات والحياة اليومية للسكان، وبينما يعيش الفلسطيني في غزة تحت وطأة الدمار والحصار، يواجه الفلسطيني في الضفة واقعاً مختلفاً من الاجتياحات والاستيطان والحواجز والاعتقالات، لذلك فإن التعامل مع هاتين المنطقتين وكأنهما فضاء سياسي وإداري موحد يعكس رغبة سياسية أكثر مما يعكس حقيقة قائمة على الأرض.
وتتعمق الإشكالية أكثر عندما نصل إلى القدس، فالمدينة التي تعتبر عاصمة الدولة المنشودة تخضع فعلياً لسيطرة إسرائيلية كاملة، وقد أثبتت التجارب السابقة أن الاحتلال يرفض أي نشاط سياسي فلسطيني مستقل داخل المدينة، ويعمل بشكل منهجي على منع كل ما يمكن أن يبرز الهوية الوطنية الفلسطينية فيها، ورغم ذلك لا يقدم النظام الانتخابي إجابات واضحة حول كيفية ضمان مشاركة المقدسيين بصورة فعلية وآمنة بعيداً عن إرادة الاحتلال وتحكمه.
لكن التحدي الأكبر يكمن في قضية الشتات الفلسطيني، فالفلسطينيون المنتشرون في مخيمات اللجوء ودول العالم ليسوا مجرد امتداد سكاني للقضية الفلسطينية، بل هم جوهرها السياسي والتاريخي والإنساني، فقضية اللاجئين وحق العودة ليست قضية فرعية في المشروع الوطني الفلسطيني، وإنما تمثل أحد أعمدته الأساسية.
ومع ذلك فإن النظام الانتخابي يبدو وكأنه يتعامل مع فلسطينيي الشتات بمنطق يشبه تعامل الدول مع مواطنيها المقيمين في الخارج، لا بمنطق حركة تحرر تسعى إلى إشراك شعبها المشتت في صناعة القرار الوطني، فالفلسطينيون في الخارج يعيشون في بيئات سياسية وقانونية مختلفة، وبعض الدول قد تمنع إجراء أي نشاط انتخابي فلسطيني على أراضيها، فيما تفرض دول أخرى قيوداً مشددة عليه، وهذه الحقائق لا يمكن تجاوزها بمجرد نص قانوني أو إعلان سياسي.
إن جوهر الأزمة يكمن في محاولة القفز من واقع التحرر الوطني إلى منطق الدولة قبل استكمال شروط قيامها، فالدولة ليست مجرد مؤسسات وقوانين وانتخابات، بل هي سيادة على الأرض والحدود والموارد والقرار السياسي، وهذه الشروط ما زالت غائبة في الحالة الفلسطينية بفعل الاحتلال والاستيطان والانقسام والتشتيت.
لقد أثبتت تجارب حركات التحرر الوطني في العالم أن الشرعية التمثيلية لا تُبنى دائماً وفق النماذج الانتخابية التقليدية، بل وفق القدرة على استيعاب مختلف مكونات الشعب وتوفير أوسع إطار ممكن للمشاركة الوطنية، ولهذا فإن نجاح أي عملية لإعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يقاس بمدى قدرتها على تعزيز الوحدة الوطنية وتجديد الشرعية التمثيلية، لا بمدى تطابقها مع النماذج القانونية المعمول بها في الدول المستقرة.
إن الحاجة الفلسطينية اليوم ليست إلى استنساخ مؤسسات دولة لم تكتمل شروط وجودها بعد، بل إلى إعادة بناء مؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس تتلاءم مع طبيعة الصراع القائم، فالقضية الفلسطينية ما زالت قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعودة والاستقلال، ومنظمة التحرير ما زالت مطالبة بأن تكون إطاراً جامعاً لكل الفلسطينيين لا مؤسسة محصورة ضمن حدود الجغرافيا الخاضعة للاحتلال.
ومن هنا فإن النقاش حول النظام الانتخابي للمجلس الوطني يتجاوز حدود القانون والإجراءات، ليطرح سؤالاً أكثر أهمية وخطورة: هل نسعى إلى بناء مؤسسة تمثل شعباً في حالة تحرر وطني، أم نحاول محاكاة مؤسسات دولة لم تملك بعد مقومات السيادة والوجود الكامل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المجلس الوطني، وربما مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره.
في المحصلة القضية ليست في رفض الانتخابات أو الاعتراض على تجديد المجلس الوطني، بل في ضمان أن تكون عملية التجديد منسجمة مع الواقع الفلسطيني وتعقيداته، فإعادة بناء المؤسسات الوطنية تتطلب أولاً حواراً شاملاً يحدد طبيعة التمثيل الفلسطيني وحدوده، ويجيب عن الأسئلة المرتبطة بدور منظمة التحرير ومكانة الفلسطينيين في الداخل والشتات، فالمشكلة أعمق من مجرد آليات انتخابية أو صناديق اقتراع؛ إنها تتعلق بهوية المجلس الوطني ودور المنظمة ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، ومن دون حسم هذه القضايا الجوهرية، ستبقى أي انتخابات مجرد إجراء شكلي يعالج النتائج ويترك جذور الأزمة السياسية والوطنية قائمة.
فالمعركة اليوم ليست حول كيفية انتخاب المجلس الوطني فحسب، بل حول هوية من يمثل الفلسطينيين، وكيف يُمثلهم، وإلى أي مشروع يقودهم في المستقبل.