2026-06-08 05:12 م

حاضر الاردن بمواجهة مع مستقبله.. وترشيد الفساد

2026-06-08

بقلم: فؤاد البطاينة

الفساد وأهله شر لا يزول ً، كما الصلاح وأهله خير لا يزول، وهما في صراع أبدي . ولا وسيلة لهدم دولة من الداخل إلا بالفساد. ليس من دولة تخلو منه لكن العبرة بمنسوبه وعندما يصبح ظاهرة. أنواعه كلها خلطة واحدة، تنفذ على بعضها. على أن الفساد السياسي يُفرخ و يُطوع الكثير من قرارات الدولة وسياستها الداخلية لمقتضيات نهج سياسي غير وطني. وتضطلع به الأنظمة في إطار وجهة نظر على أنه لصالح الدولة كأهون الشرور.
رغم أن الفساد من سمات الدول النامية لافتقادها لآليات الديمقراطية. إلا أن من خصائصها أن حباها الله بمورد طبيعي مجزي  ومن تمتلك منها هذا المورد المالي تستطيع أن تتعايش مع الفساد وتبقى الدولة قائمة ومواطنوها بخير، لأنها تغرف كلف الفساد من فائضه وتغذي موازناتها السنوية. ولكنها تبقى دولة استهلاكية هشة ومتخلفة مهما علت أبراجها.
وهنا كمواطن أردني أقول، إذا كان الفساد محرماً على دولة واحده فهي الأردن لخصوصيتين هما:
ـ الأولى: شاءت الظروف السياسية أو الطبيعية أن يفتقد الأردن المورد الأساسي الطبيعي المجزي كي يكون للفساد فائض يُغرف منه لرفد موازنة الدولة السنوية لتتمكن من البقاء . ولطبيعة النهج السياسي وقصورات أخرى تتجه الدولة للديون الخارجية المشروطة ثم لبيع أصولها ويتبعها تغليظ الضرائب على مواطنيها بلا حساب لظروفهم . وفي المحصلة ترهن الدولة قراراتها السيادية ومصيرها، ويدخل مواطنوها في حالة ارتباك اجتماعي ومعيشي وتنشط الجريمة ويهتز الأمن المجتمعي بينما يدخل الناشطون في صراع مع السلطة يأخذ شكل ملهاة “توم وجيري ” مع فساد الطبقة. ويصبح المواجهون لها متهمين بالقانون وبالنفوذ.
ـ الثانية: الأردن دولة مستهدفة وليست راسخة في أذهان وسياسات من أخرجوها من سياقها التاريخي والجغرافي وأقاموها لدور وظيفي تنتهي بانتهائه في سياق المشروع الصهيوني. ولكي يجري تنفيذ الدور بسلاسة ويكون استردادها كوديعة بسلاسة، خططوا لتبقى الدولة في غرفة الإنعاش هشة ومعتمدة عليهم في بقائها اقتصادياً وأمنياً، وبجبهة داخلية غير متصالحة مع نفسها ولا مع الدولة ونظامها، وبوطن مرتهن ومواطنين فاقدين لاعتباراتهم القانونية والسياسية والنفسية. والفساد في هذا هو من استراتيجياتهم لا سيما من خلال ما يفرض على الدولة من سياسات إفقارية وتدميرية واتفاقيات اقتصادية إخضاعية. وفي ذهني أرشيف ما جرى من حوارات بين بريطانيا وأمريكا والكيان في أحداث عام 1970.
المنطلق والهدف
وضع كهذا يفرض على الدولة نظاما وشعباً، أن تكون قضيتها الكبرى والمستمرة هي في تعزيز وجودها على الخارطة كدولة راسخة ومتماسكة من الداخل لتستطيع الصمود والمواجهة إن احتاجت لذلك . أما ونحن اليوم نشهد “إسرائيل” في مواجهة مع تغييرات في المزاج الدولي الرسمي والشعبي وانعكاسات سلبية عميقة تجعلها مع مشروعها التوسعي في أزمة وجودية، ونتابع عجزها في لبنان والمنطقة عن تحقيق مشاريعها، فهذا كله مؤشرات على زوال التهديد الصهيوني الوجودي والهيمنة الأمريكية على الدولة، ويفرض على النظام التفكير الاستشرافي للتخطيط مبكراً لتلك اللحظة لكي تكون الدولة بمؤسساتها وبجبهتها الداخلية متماسكة وبحالة صالحة للنهوض من جديد لا للدخول في حالة فوضى عامة.
ترشيد الفساد
وحيث أن الفساد الذي عم في مؤسسات وقطاعات الدولة ويفتك بها وانعكس على الأمن المجتمعي هو فساد أكثره غير مرتبط بمتطلبات النهج السياسي ليصمت عنه النظام، وإنما هو مرتبط بدولة لا تدار بحكومات وطنية ولا راشدة، بل برويبضة من تزكيات غير أمينة أو خارجية جعلت من المواطن خصما لها وأوقعت الدولة بسوء الإدارة وجعلت من فشل حكوماتها وعجزها سببا لتولي أجهزة الأمن مسؤولياتها بعقلية أمنية أكثر سوءا، وهذا يقودنا إلى جدوى ترشيد الفساد.
وما أعنيه قطع دابر كل فساد غير مرتبط بالسياسة الخارجية والنهج، كضرورة للحفاظ على تماسك الدولة وأمن مواطنيها المجتمعي وصون عقدها من الإنفراط، لكي يكون لها فرصة الإنطلاق من جديد إذا ما لاحت الفرصة وهذا الترشيد هو بالتأكيد يقع في حدود مقدرة قيادة النظام ويحتاج لحكومة مرحلة بتوجيهات صارمة لتنفيذ أجندة لترجمة وتقنين التغيير على الارض عنوانه لا لتهزيئ المنصب العام من الفراش الى رئيس الحكومة ولا لمراكز قوة ولا لتحويل الوظيفة العامة الى سلطة أو نفوذ أو تكسب بأي مظهر فساد في كل مؤسسات الدولة وخاصة الخدماتية والاستثمارية ولا لتحميل المواطن المنهك مسؤولية كلف الفساد.
ولهذه الغاية أبدي الملاحظات الأساسية التالية:
1- مكافحة الفساد لا يقوم على مجرد الإعتماد على شرفاء، بل يقوم على استراتيجية الوقاية بدلا من لعبة الملاحقة. وعلى استبدال دائرة مكافحة الفساد بهيئة تقوم بمراجعة شاملة للقوانين والأنظمة على صعيد كافة مؤسسات الدولة بالإلغاء والتعديل والإستحداث لسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الفساد.
2 – الدولة المستقرة لا يوجد فيها حاجة لمعارضين وناشطين سياسيين ولا فيها فوضى الخطاب في وسائل التواصل، ولا حاجة لها لقوانين تكميم الأفواه العرفية، ولا فيها سجون لسياسيين وناشطين . فالسبب لوجود كل هذا في الأردن هو حرب الدولة على الأحزاب المعارضة التي من شأنها أن تستوعب كل ناشط أو صاحب رأي وتضبط وتنظم الآراء الشعبية والتعبير عنها من خلال الحزب طبقا للقانون . كما أن مثل هذه المعارضة الممأسسة هي السند الدولي للأردن ولرسوخه. والمفتاح لوحدة الشعب وتصالحه مع الدولة، وتحييد المنافقين وعلى رأسهم الملكيين أكثر من الملك، والأردنيين أكثر من الأردني.
3 – دأب العدو على تسويق الأردن على أنه مجموعة عشائر ليس لها ارتباط بالمكان، لتحقيق مشروعه . فلا بد من ترسيخ الأردن كدولة شعب لا دولة عشائر، وعلى المستوى المحلي اصبح استخدام العشائر عبئاً على الدولة والوطن حيث تحولت قيمتها الاجتماعية ودورها الوطني الى الضد، وإلى أداة استعمارية عندما اصبح شيوخها يصنعون ويدجنون.
كاتب عربي اردني
رأي اليوم