2026-09-10 08:27 ص

زيارة بنصف الحرب

2015-10-27
بقلم: سمير الفزاع
بلا مقدمات سأحاول إبراز بعض من رسائل هذه الزيارة، والقمة التاريخية التي توجتها. * من حيث الشكل: سأكتفي بذكر أربعة نقاط فقط: 1- بعد ساعات قليلة من توقيع التفاهم الروسي-الامريكي على آليات التعرف ومنع وقوع الحوادث بين الطائرات الروسية والامريكية، يقوم الرئيس بشار حافظ الاسد بزيارة خاطفة ومفاجئة إلى موسكو... ما يظهر التنسيق العميق والحرفية العالية، والإحكام التام لأدق تفاصيل مخطط الزيارة التاريخية من جهة، والأهمية الإستراتيجية للزيارة من جهة ثانية. 2- سلكت الطائرة الروسية –التابعة لسرب الرحلات الخاصة المكلف بنقل كبار الشخصيات- التي أقلت الرئيس الأسد مساراً يشبه إلى حدّ بعيد مسار صواريخ "كليبر" الـ26 التي أطلقت من بحر قزوين، ومسار الطائرات التي حملت المساعدات للشعب العربي السوري، وتلك التي أخفت الطائرات الحربية الروسية خلف "بصمتها" الرادارية... من مطار حميميم في اللاذقية إلى الأجواء العراقية فالإيرانية ثم بحر قزوين وصولا الى موسكو. 3- إستقبل الرئيس الأسد على أرفع مستوى يمكن لزائر أن يحظى به، حيث حضر كبار قادة الفدرالية الروسية، رئيس الدولة، رئيس الوزراء، وزير الخارجية، وزير الدفاع، مسؤول مكتب الامن القومي... وعقد خلال ساعات زيارته سلسلة من الإجتماعات الثنائية المغلقة، والمختصة، والموسعة... ما أجبر قناة صهيونية أن تقول حرفيّاً: "الرئيس الروسي استقبل الأسد استقبال الملوك بكل احترام وترحاب". 4- أعلن عن الزيارة بشكل متزامن في قصر الشعب والكرملين بعد إنتهائها، وكان ممكناً جداً أن تبقى هذه الزيارة طيّ الكتمان لو أراد ذلك الطرفان. * بعض الآثار السياسية-العسكرية: 1- واحدة من أقسى رسائل القمة التاريخية لكل من يعنيه الأمر: هذا حليفنا في سورية، فمن هم حلفائكم فيها؟ لو بحثوا بالمجهر لما وجدوا غير البغدادي والمحيسني وأبو سياف والشيشاني والأفغاني والتركي والسعودي... حتى عندما سألهم لافروف عن "الجيش الحر" القوة "المعتدلة" التي جعلوا منها شماعة لغزو سورية، بلعوا ألسنتهم، كيف يأتون بهم وقد ذابوا في داعش والنصرة؟ كيف يستعرضوهم -إن وجدوا- وفيهم من تلذذ بأكل القلوب متفوقاً على داعش ذاتها؟ كيف يدلّوا عليهم وقد وسم أوباما وجودهم بـ"الفانتازيا"؟. 2- بكل وضوح وقوة، قالت موسكو: هناك شخصاً واحداً تجتمع فيه شرعية تمثيل الشعب العربي السوري، ورئاسة الجمهورية العربية السورية، وقيادة الجيش والقوات المسلحة، والعنوان الوحيد لمكافحة مشاريع الغرب في الغزو و"الهندسة الإجتماعية" بإستخدام الأدوات الإرهابيّة... إسمه بشار حافظ الأسد... فكان منطقيّاً إستقباله في الكرملين تحديداً، وأن تُظهر الصور "أركان" الفيدرالية الروسية مجتمعين وهم يستقبلون هذا الرجل، وأن يكون "الأسد" منفرداً الطرف الثاني والأبرز في صور القمة ممثلاً لكل سورية. 3- مثلت هذه الزيارة –في ظروفها وتوقيتها وآليات تنفيذها...- ضربة سياسية صاعقة من المستحيل "بلعها" أو إنكار وقعها الكارثي على معسكر أعداء سورية... قالت القناة الصهيونية الثانية: ان نتائج زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لموسكو، ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعد سببا كي يبتسم الاسد في موسكو، بعد ان عاد الى دمشق مسرورا بالنتائج ومتشجعا جداً منها... الرئيس الفرنسي هولاند نرفض أي عمل يعزز موقع الأسد... رئيس الوزراء التركي داوود أوغلو: أتمنى أن يبقى هناك... نائب السكرتير الصحفي للبيت الأبيض إريك شولتز: كان حرياً بروسيا ألّا تمد السجاد الأحمر أمام الأسد... إن تحركات موسكو في الشرق الاوسط تأتي بنتائج عكسية وتقوض عملية الانتقال السياسي. 4- عندما نحاول قراءة المعاني الإستراتيجية للتشابه بين مسار رحلة الرئيس "الأسد" من جهة، والجسر الجوي الروسي وصواريخ بحر قزوين من جهة ثانية، نكون أمام رسالة ومعادلة روسية عميقة وقاطعة: موقفنا العسكري والسياسي يتقاطعان في نقطة واحدة؛ ممنوع إسقاط الأسد. 5- صار واضحاً بأن هناك معادلة كبرى مكونة من دائرتين متكاملتين تضبطان الحركة العسكرية-السياسية للقيادتين السورية والروسية وحلفائهما: الدائرة الاولى، لا إستفراد بسورية؛ يترجم بعمل عسكري جماعي منسق ومتصاعد يدفع الأدوات الإرهابية من قلب سورية إلى أطرفاها، تمهيداً لوصل المدن الكبرى وتخليصها من أي تهديد محتمل، وتوفير الأرضية لعودة المهجرين وإعادة الإعمار وإطلاق العملية السياسية، وتحطيم كل أدوات الغزو الإرهابي في هذا المجال الحيوي... الدائرة الثانية: إسترجاع البعد السياسي للحرب على سورية من أعداء سورية الإقليميين والدوليين، وإيداعه إلى الشعب العربي السوري بعد تحويله إلى إداة بناء ونهوض تستخدام آليات سلمية، كالإنتخابات التشريعية والرئاسية... . 6- عاش إعلام الغزو الغربي و"العربي" حالة "أزمة" للمرة الأولى منذ سنوات طوال، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب على سورية، حيث إضطر مرغماً أن يستقي المعلومات حول هذه الزيارة من الإعلام الروسي. ما تم نشره من صور ومقاطع فيديو للرئيسين الأسد وبوتين، وكلام السكرتير الإعلامي للرئيس الروسي ديميتري بيسكوف كان الثابت في معظم المقالات والتقارير التلفزيونية. لقد أجبروا على "إظهار" الوجه الآخر من الحرب... فهناك رئيس لسورية تعترف بقيادته دول عظمى، وقادر على القيام بزيارات خارجية، يحارب الإرهاب الذي يغزو وطنه ويحاول تدميره، وأن هناك محاولات غير شرعية لقلب نظام حكمه بالقوة وبدعم خارجي يأتي من الغرب وأدواته المحلية. كلمة أخيرة: فهم من يستطيع ومن لا يستطيع الفهم أن روسيا ماضية في حربها إلى جانب سورية، وأن هذا الخيار لا رجعة عنه، وعلى اللذين راهنوا على إحداث تغيير في الموقف الروسي أن يقرأوا هذه الزيارة جيداً وبكل تفاصيلها، وخصوصاً الوجه الباسم والمنشرح لوزير الدفاع الروسي الذي وضع بصمات لن تنسى في تاريخ الفدرالية الروسية. سورية ستنتصر في معركتها، ونوعية الحشد الروسي في سورية تظهر تحسباً حقيقياً لمعركة قد تنزلق إليها المواجهة الحالية مع مشغلي الإرهاب والمستثمرون فيه، لكن "مأمولهم" أكبر بكثير من المتاح لهم... فإما أن يأتوا "للمشاركة" في تصفية أدواتهم الإرهابية، وإما أن يحاربونا ليمنعونا من النصر، أو ننتصر بدونهم... وبين "حمم النار" المتساقطة منذ ثلاثة أسابيع والنار القادمة، مبادرة سياسية يطرحها المنتصر قبل أن يثب إلى عنق عدوه بهجوم كاسح ليكسره... وإلا كيف يمكن نفهم كلمات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عندما قالت: "إن المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد تعني قبول منطق الإرهابيين... والبيانات التي تنتقد جهودنا في سورية تشبه البيانات التي تصدرها داعش والقاعدة"... وكيف يمكن قراءة إهداء الوفد الروسي نسخة من "العلم الأحمر" الذي رفعه الجيش السوفيتي فوق مقر الحكومة الألمانية في برلين سنة 1945 بعد سحق النازية للرئيس بشار حافظ الأسد؟... معاً سنسقط نازية القرن الواحد والعشرين، وهذا العلم عهدنا، وتلك القمة دليلنا، وحضورنا العسكري مرآة قرارنا.

الملفات