2026-09-10 05:52 م

بوتين يُفصّل .. أوباما يلبس

2015-09-21
بقلم: الدكتور محمد بكر*
أكثر من سنة مرت على عمليات تحالف واشنطن الدولي في إطار الاستراتيجية والجهود التي تصوغها الولايات المتحدة الأميركية وتقول أنها مكرسة لمحاربة الإرهاب , لم تفلح على الإطلاق إلا تغذية ً وتنمية ً وتغلغلاً لهذا الإرهاب الذي بات غولاً يتمدد في جغرافيا خارج الخارطة الغربية , وبعيداً عن الحسابات الأميركية, أدركت روسيا جيداً حجم المناورات والمراوغات والكذب الأميركي , وماهية استراتيجية واشنطن في التعاطي مع ورقة الإرهاب واستثمارها المستمر فيها , هذه الورقة التي خبرها السوفييت جيداً وخبروا مدى تأثيرها في ساحات الكباش الدولي منذ ثمانينيات القرن الماضي وتحديداً في أفغانستان وكيف كانت العامل الرئيس في انتصار الامبريالية الأميركية من بوابة القاعدة , وانهيار وتفكك الخصم اللدود الاتحاد السوفييتي , كان لابد للتحرك الروسي هذه المرة أن يأخد أبعاداً مختلفة , وأن يصدّر جملة من الرسائل شديدة اللهجة والعبارات الحاسمة والحضور النوعي يمضي خلاله الجانب الروسي قدماً في تقديم معروضه السياسي والعسكري الفريد لجهة ما صاغه من تفاهمات مع الجانب السوري بما يبلور المبادرات السياسية المطروحة, على قاعدة دعم الشرعية السورية بموازاة الأسلحة النوعية التي أعلن الجيش السوري عن استلامها ودخولها حيز الاستخدام في يوميات الميدان , حتى بات الحسم والقطع الروسي أمراً باتاً وناجزاً لانقاش ولاجدال فيه في شخص الرئيس الأسد نفسه , إذ أكد لافروف أن روسيا مستمرة بالدعم للدولة السورية وإن فكرة إسقاط الأسد هي وهم , بدوها امتعضت خصوم موسكو ووجدت في السلوك الروسي تقويضاً لمكافحة الإرهاب وتكريساً لمزيد من العنف هاجت معه المشاعر الإسرائيلية والتركية ليهرول نتنياهو إلى الكرملين لفهم " الملابسات " وكذلك يفعل أردوغان لمعاينة " التطورات ", امتعاضٌ سرعان ما تسارع واشنطن نفسها لتجميله وزركشته للإبقاء على عوامل ومقومات التواصل مع الروسي الموغل في الجدية والحراك غير المسبوق والتصميم فوق العادة لصياغة منظومة دولية حقيقية للإطاحة بالأوراق والمشاريع الأميركية , إذ أعلن البيت الأبيض أن لا حل عسكري في سورية كذلك رحب بما سماه مناقشات وحوارات تكتيكية , وكذلك ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي عن استمرار الاتصالات العسكرية والتعاون الجزئي مع روسيا , سرعان ما يأتي الجواب وعلى لسان بوتين لجهة أن الحوارات السياسية والعسكرية يجب أن تأخذ المناحي الاستراتيجية , إضافة لما كانت قد أعلنته المتحدثة باسم الخارجية الروسية زخاروفا لجهة استعداد بلادها التعاون مع واشنطن لتبديد مخاوف الأخيرة من حصول صدام محتمل بين الجانبين عند الشروع في العمليات العسكرية ضد الإرهاب , لتسد كل الذرائع الأمريكية والهواجس المصطنعة , وماهي إلا ساعات حتى سارعت واشنطن التي تبدو متلقية فوق العادة لطبيعة وفحوى الرسائل التي يبعثها الروسي , سارعت لرسم صورة فريدة تشي عن حالة مترهلة أقل ما يمكن أن توصف بالهزيمة السياسية بدت معالمها ومؤشراتها واضحة على سلوك كيري وما همست به لغة جسده عندما أعلن من بريطانيا وقد طفح وجهه بسيل من الشحوب والارتباك متسائلاً بحُرقة : نحن مستعدون للتفاوض فهل الأسد مستعد لذلك ؟؟ عليه أن يرحل لكن ليس بالضرورة فوراً وليس عليه الرحيل بعد أسبوع أو بعد شهر ,المهم أن تجلس الأطراف مع بعضها , وعلى روسيا وإيران أن تقنع الأسد للذهاب إلى طاولة المفاوضات وهناك حاجة ملحة لتجديد الجهود لتسوية سياسية في سورية . فهل تخلت واشنطن عن غطرستها ومماطلتها وازدواجية معاييرها في الملف السوري ؟ وهل ستشرع للانخراط وارتداء ما يمضي الروسي في تفصيله وصياغته ؟؟ يقول ليونيد ايساييف مستشار مجلس الدوما الروسي : ( يوجد جيران غير جيدين لسورية وإن انضمام أميركا لتحالف مع موسكو يجب أن يقترن بتحول في سياسة الجيران ولا يوجد أي خيار آخر لقتال الشر وعلى الأمريكيين أن يفهموا ذلك عاجلاً أم آجلاً ونحن لا نتناقش مع أميركا فيما يتعلق بداعش بل يجب القضاء على داعش) , وهذا ما يشكل المؤشر الاستراتيجي الذي يتحدد بموجبه إن كان هناك تحول استراتيجي أميركي أم لا , وعليه فإن الشروع الأميركي في الضغط على الحلفاء المشتبكين والمنخرطين في المشهد السوري وفي حالة الإرهاب المتنامية فيه هو ما يدلل فعلاً على صدق الطروحات الأميركية , وهذا ما سيشتغل عليه الأميركي في اعتقادنا خلال المرحلة القادمة وإن كان بخطوات بطيئة يراوغ فيها الأميركي لتحصيل مقاسات أفضل وأقل ضيقا ً في عملية التفصيل السياسية التي يحيكها الروسي ويتصدر مشاهدها ومقاساتها وتوافقاتها , إذ يتلمس الأميركي يقيناً مقدار التشظي الحاصل في صفوف المعارضة السورية ومدى السوداوية المخيمة على سلوكها وأدائها التي باتت في خبر كان ولاسيما بعد أن " تدعدش " المشهد برمته لدرجة لم تعد تزن فيها هذه المعارضة أكثر من خمسة أشخاص في ميزان وحسبة قائد القيادة المركزية الأميركية , كذلك تدرك الولايات المتحدة المطارح النوعية التي تنوي الاستراتيجية الروسية الذهاب إليها في محاربة الإرهاب والتأسيس الفاعل للحل السياسي في سورية على قاعدة شاء من شاء وأبى من أبى ومن هنا نقرأ ونفهم توقيت ومدلولات التفاهم الروسي السوري حول ماهية المرحلة السورية المقبلة بمعزل عن الإرادات الأميركية , وهذا ماعاد وأكده مستشار مجلس الدوما الروسي لجهة المضي في مكافحة جدية للإرهاب تؤسس لتصفيته وإنهائه بالكامل , وتالياً خلخلة معادلة رابح رابح لصالح الروسي. لدى سؤاله عن مواقف كيري الأخيرة وفيما إذا كانت الولايات المتحدة ستنجح في الضغط على حلفائها ولاسيما السعودية لتغيير مواقفها السياسية قال مايكل لين رئيس المعهد الأميركي للسياسات الاستراتيجية : ( إن تصريحات كيري هي اعتراف أميركي بالفشل فيما كانت تفعله الولايات المتحدة خلال الأربع سنوات وإن أميركا ستنجح في دفع حلفائها للجلوس على طاولة المفاوضات كما سينجح بوتين في إقناع الأسد بالحل الدبلوماسي الذي سيتم الاتفاق عليه بين موسكو وواشنطن) , هذا الحل الذي يمضي الروسي باقتدار في صياغته ورسم خطوطه الحمراء وقد حسم فيه بقاء الأسد وأيقن أن دعمه لدمشق هو الذي حال دون تحول سورية إلى ليبيا ثانية ,إذ اعتبرت صحيفة الغارديان أن الملف السوري بات بالكامل بيد الروسي, في حين يبقى السؤال ولاسيما في ظل المتناقضات المتأصلة في السلوك السياسي الأميركي, وثبات السلوك الروسي والمفاعيل شديدة الأثر لحراكه المتنامي , هل سيلبس الأميركي ما فصّله الروسي ؟ ربما لن يجد أوباما الذي أفشل حزبه المحاولة الأخيرة للجمهوريين في الكونغرس لجهة عرقلةالاتفاق النووي , لن يجد بداًً إلا في ارتداء الثوب الروسي مكرهاًً, لكنه سيعمل جاهداًً على أن تكون الخيوط المحاكة خيوطاً أميركية .
 * كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية 
 mbkr83@hotmail.com