2026-09-10 10:33 م

خيارات القسام في مواجهة .. العدو من الخلف وداعش من الأمام

2015-07-22
بقلم: الدكتور محمد بكر
بعد إقامة طويلة في فنادق الدوحة حملت معها كل عناوين الطيب والاستجمام بعيداً عن التشويش وسوء المآلات التي سقطت معها الأحلام الحمساوية بسقوط الإخوان المسلمين في مصر , وفي ظل الابتعاد عن المحور السوري الإيراني , واستمرار التموضع في الخانة الخليجية , زار رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل الملك السعودي لتدارس ما أعلن عنه في وسائل الإعلام أنه في سياق الحديث عن المصالحة الفلسطينية , والوضع السياسي , لكن المرجح أن أموراً أخرى كانت موضع البحث لاسيما فيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية التي تواجهها الحركة في داخل القطاع وتحديداً ملف إعادة الإعمار , وأيضاً ما يتعلق بالهدنة طويلة الأمد التي تسعى الحركة لصياغتها مع الاحتلال الإسرائيلي للتفرغ لتحدياتها, وما بات يحكى عن خطر تستشعر به الحركة لجهة تدفق المجموعات المتطرفة من سيناء باتجاه القطاع ومواجهة الحركة في عقر دارها , ولعل التفجير الأخير الذي استهدف خمس سيارات لقيادات فلسطينية يشكل أولى بوادر ذلك الخطر . وهنا نقول : إن الحراك السياسي الحمساوي باتجاه الميادين الخليجية , وإن كانت مهمة فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي, إلا أنها لن تكون ذات مفاعيل مؤثرة فيما يتعلق بالبعد العسكري والمواجهة مع الاحتلال , ولاسيما أن اسماعيل هنية وخلال كلمته في عيد الفطر السعيد عاد ليؤكد على الثوابت لجهة تمسك الحركة بخيار المقاومة لإعادة كل شبر فلسطيني مغتصب , وأنها لن تعترف بإسرائيل , هذه اللهجة التي يجب التعامل معها بخطوات فاعلة واستراتيجية ترقى لسقفها المرتفع الذي يحتاج إلى التحرك في ميادين أخرى تحقق ما لا تستطيع تحقيقه الدول الخليجية التي تنسق وبوضح النهار مع الاحتلال لناحية صياغة التحالفات والرؤى المشتركة , وهو ما أعلنه لبيرمان غير مرة , وما أعلنه كيري مسبقاً عن تحالف أمريكي يضم دولا ً عربية و"إسرائيل" لمواجهة داعش وحماس , هذه الميادين الأخرى إنما تشكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية محطتها الرئيسة والوحيدة التي يجب على الحركة إعادة النظر في سياستها معها . في الميزان السياسي يجب أن تدرك حماس الحضور الوازن والثقل السياسي الذي تتمتع به طهران في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي , وقد دللت مفرزات الميدان في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة بما لايدع للشك مطرحاً مدى الدعم اللوجستي الذي قدمته الجمهورية الإسلامية للمقاومة الفلسطينية في غزة فكانت صواريخ فجر الإيرانية حاضرة بقوة في تلافيف ويوميات المعركة , والسلاح النوعي الذي دك تل الربيع " تل أبيب " بالتسمية الإسرائيلية غيرمرة , إضافة إلى ذلك فإنه وبالرغم من " الأخطاء والعثرات" والأداء السلبي الذي طفح به الدور الحمساوي في مسلسل الحرب على سورية , وما عولت عليه الحركة من لعب دورٍ بطولي عندما استجلب ماسمي بالربيع العربي الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر والذي سرعان ما خذلت مآلات سقوط الإخوان الرغبات والأمنيات الحمساوية لتغدو الحركة بين ليلة ٍ وضحاها خارج اللعبة السياسية وذات دور هامشي على الساحة الإقليمية , برغم كل ذلك, استمرت إيران في تمسكها بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية ومساندتها لحركات المقاومة فيها , لطالما كانت وجهة البندقية الفلسطينية نحو الكيان الصهيوني, إذ أكد المسؤولون الإيرانيون وفي مقدمتهم مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي وفي خطبة العيد أيضاً أن سياسة بلاده لن تتغير بعد توقيع الاتفاق النووي وستبقى داعمة للشعب الفلسطيني , وهو الذي أكد منذ فترة أن طهرن مستمرة في دعمها لحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله على حد ٍ سواء لا بل ذهب لأبعد من ذلك بكثير في رسمه لاستراتيجيات جديدة في المواجهة مع الكيان الصهيوني وما تؤمنه من تأثير فاعل وإيلام مزدوج قادر على توجيه صفعات عظيمة الأثر للعدو الإسرائيلي, إذ دعا إلى ضرورة تسليح الضفة الغربية في حين أكد قياديون في الحرس الثوري أنهم يعملون في الليل والنهار لتطبيق تعليمات المرشد لجهة إنجاح ذلك, هذا البند الذي يجب على حماس وغير حماس إخراجه على الأرض في أسرع وقت , وهو وحده ما يشكل ردعاً حقيقياً لمشغلي داعش في فلسطين , وليس الهدنة . في اعتقادنا أن التعويل الحمساوي على قطر والسعودية لتحقيق إنجازات فلسطينية تخدم القضية إنما يندرج في إطار الحسابات الخاطئة, وإن الاعتقاد ولو للحظة واحدة بأن طريق القدس من الدوحة أو الرياض إنما سيزيد المسارات السياسية الخاطئة ويؤجج المأزق السياسي للحركة التي باتت في وضع " مترهل " لاتحسد عليه على الإطلاق , فاستمرارها بذات الأسلوب والعقلية السياسية البعيدة في منهجها عن الحكمة واستثمار الفرص الحقيقية وتلقف العروض الفاعلة سيحشرها في زوايا أكثر ضيقاً , على قاعدة " داعش من أمامكم والعدو من خلفكم " . كذلك الحال فيما يتعلق بعقد أية آمال على الجانب التركي , وكل الكلام المعسول الذي يتكاثر مراراً على اللسان التركي لجهة المناصرة لقضية فلسطين إنما هو كلامٌ لن يغادر الأفواه , وبمنزلة " كلام الليل يمحوه النهار" , ولعل الوقائع تثبت ذلك , فقط انظر إلى حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل , فقط تذكر الزيارة التي قام بها أوباما للمنطقة العام الماضي وتحديداً للكيان الصهيوني وما استولدته من مصالحة تركية - إسرائيلية قالت عنها صحيفة هآرتس يومها أنها مصالحة لمواجهة إيران وسورية , إضافة لما أعلنه حينها عميدرور رئيس هيئة الأمن القومي الإسرائيلي بأنه لايستبعد إقامة قوات إسرائيلية – تركية مشتركة لمواجهة ماسماه الخطر الكيميائي السوري , مايدلل على مدى التنسيق والتحالف الحاصل بين تركيا والكيان الصهيوني. ماطرحه كيري مؤخراً وما جاهر به لجهة ماهية تحالفه الجديد بضم الكيان الصهيوني إلى صفوفه بغية مواجهة حماس وداعش يحتم على الحركة ولاسيما جناحها العسكري إعادة الحسابات والتدخل السريع " لتقويم " المسار السياسي للحركة , وتصويب توجهات قادتها السياسيين , وعدم فصل العمل العسكري المقاوم عن العمل السياسي , فما يحدث من أخطاء سياسية ومقاربات خاطئة في قراءة المشهد السياسي التي تطفح به سلوكيات القيادة السياسية سيؤثر سلباً على القدرة العسكرية لحماس ومخزونها من السلاح النوعي لمواجهة ما يحاك أمريكياً وإسرائيلياً ضد الحركة . إن المصلحة التي يجب أن تتصدر أولويات عمل القيادة السياسية والعسكرية لحماس هي مصلحة الوطن الفلسطيني يتنامى فيها الولاء فقط للتراب الوطني , هذه المصلحة التي يجب أن يترجم فيها على أرض الواقع المشروع الذي طرحه القائد العام لكتائب القسام خلال برقية التعزية التي أبرقها لقيادة حزب الله بعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من كوادره في القنيطرة , لجهة تشكيل جبهة مواجهة موحدة , وعليه فإن ترميم العلاقة مع الجمهورية الإسلامية يعتبر جوهر هذا المشروع , الذي سيشكل بلا أدنى شك قيمة مضافة لقوة ردع الحركة , وهو وحده مايعيد الألق والحضور لحركة باتت في عين العاصفة الداعشية , ترتمي عبثاً في احضان من لا يريدون بها خيراً.
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com