2026-09-11 01:57 ص

احفظوا سوريا تحفظوا أنفسكم !

2015-07-17
بقلم : حماد صبح "
إذا ذهبت سوريا ذهبت فلسطين ... " ، هكذا بإيجازية بلاغية محكمة لا زيادة فيها ولا نقصان جسد سماحة الشيخ حسن نصر الله في خطابه في يوم القدس ؛ جوهرية الارتباط بين مصير سوريا ومصير فلسطين . وطبعا واجه كلامه على منطقيته وقوميته الصحيحة انتقادات وتفنيدات منطلقة من متباين العلل والاعتبارات وفق نوعية المنتقدين والمفندين . وسماحة الشيخ في الحقيقة لم يفعل أكثر من التعبير عن مسلمة عاش عليها العرب كل تاريخهم قديما وحديثا ، وما الحال إذا أخذنا المسلمة الإسلامية في الاعتبار ؟ وهي مأخوذة فيه على كل حال ؛ فما من فصل بين العروبة والإسلام إلا في مخيلة قاصرة ضحلة النظر للأمور في أبسط مستوياتها . أنا عروبي النزعة ومسلم صادق الإيمان ، ما التناقض في هذا ؟ العروبة والإسلام ليسا وجهين لنفس العملة ، إنهما ذات واحدة . وشيخ المقاومة بما قاله أعاد التوكيد على ما عاشه العرب واقتنعوا به كل تاريخهم ، لكن المخططات الغربية الممزوجة بالمخططات الصهيونية نجحت في تهشيم وتفتيت قناعات العرب التي لا حفاظ على وجودهم بدونها . وتدرج نجاحها متصاعدا ليتسنم في السنوات الأربع الأخيرة ذروته مستغلا الأحداث التي حسبت في البدء ربيعا عربيا وفجر تحولات ديمقراطية صحيحة على الأقل مثلما حدث في دول أوروبا الشرقية في آخر ثمانينات القرن الماضي حين انتقل أكثرها سلميا باستثناء صربيا ورومانيا من النظام الشيوعي وهيمنة الدولة على كل شيء إلى نظام ديمقراطي بما له من سمات سياسية واقتصادية واجتماعية . الشيخ نصر الله تحدث في المسلمات والقناعات المألوفة عربيا ، لكن دنيا العرب تغيرت ، فتغيرت القناعات والمسلمات لدى كثيرين منهم ، وتجرأت مسلمات وقناعات مكتومة على الظهور . ولو أخذنا كلام سماحة الشيخ في أضيق دائرة لظل صحيحا منطقيا وقوميا . فلسطين جزء من سوريا ، جزء من الشام ؛ فكيف لا ترتبط بها مصلحة ومصيرا ؟ لو كانت سوريا وفلسطين بلدين أجنبيين لا تجمعهما إلا الجغرافيا المكانية لكان بين مصلحتهما ومصيرهما ترابط وثيق وفق مقتضيات الجغرافيا الأمنية . هذه مسلمة لا يتنافر فيها رأيان عاقلان . إسرائيل تتصرف هكذا . هي كيان استنبت بالقوة في المنطقة ، ولكنها تدرك في خط مضاد عمق تأثرها بكل ما يحدث فيها . ومن عجيب ذلك ما قاله مرة مسئول إسرائيلي : " بناء مدرسة في السودان يؤثر علينا " . ولدينا من يرى أنه لا اتصال بين ما يحدث في سوريا من تدمير وقتل وراءهما أعداء سوريا والعرب ، وبين مصير فلسطين . قلب كل شيء في الثوابت والمسلمات العربية . صارت الحروب عربية _ عربية ، وصار العربي عدوا للعربي ، وصارت إسرائيل حليفا علنيا لعدد من الدول والجماعات العربية . هي تدافع عن مصر ، وتدعو لإنقاذ السعودية في اليمن من فيتنام مشابهة لفيتنام أميركا . وفي مصر تتسع ثقافة العداء لغزة واعتبارها مصدرا لكل ، أجل هكذا ، لكل مشاكلها ، وهي ثقافة ونهجية لا مثيل لها في الشهادة والتوكيد لما بلغته مصر من تهتك وانهيار ، وأزعم أنني أدقق في كل ما أقوله . لوكان كل أهل غزة معادين لمصر ، لا سمح الله ، لما آذوها في شيء لو كانت هي في ذاتها قوية معافاة ، لكنها ضعيفة متهتكة في كل شيء ،ويبلغ ضعفها وتهتكها أن تنسب كثيرا من مشاكلها إلى إقليم صغير شبه معزول عن العالم تسهم هي ذاتها في 90% من عزله وخنقه . كل إعلامي مصري متخلف معتوه موفور الجهل وجد في غزة جدارا سهل التسلق ليعوي من فوقه بتجليات الكره والحقد والغباء والعاهات النفسية المتغورة في شخصيته . ونعود إلى كلام سماحة الشيخ الذي قدم حزبه الشهداء البررة في الحرب الكونية الآثمة على سوريا أرضا وإنسانا ودولة . صحيح القول إن في ذهاب سوريا ، لا سمح الله ، ذهابا لفلسطين ، والصحيح الممتد أيضا ، أن في ذهاب سوريا ذهابا لكل العرب ، وليس هذا بخاف على سماحة الشيخ ، بل هو قصده حين ربط مصير فلسطين بمصير سوريا ، وهو بتخصيص فلسطين بالذكر قصد التركيز على جزء من الأمة حسبنا طويلا أنه لا خلاف بين العرب على استعادة بعض حقهم فيه ، وهو أيضا بثقوب نظره وعمقه قصد التنبيه على أن في ذهاب سوريا انتصارا نهائيا للعدو ولو في المدى التاريخي القريب . القائمون على المؤامرة الكبرى على العرب يظنون الآن أنهم حققوا الكثير من النجاح لمخططاتهم في سوريا والعراق ، وقوي الحديث في الغرب وإسرائيل عن اختفاء دولتي سوريا والعراق واقعيا ، وأن الوقت نضج للانتقال إلى مصر والسعودية ، وتبدو مظاهر هذا الانتقال في كل حال من أحوال مصر ، ومنها ما يجري في سيناء ، وفي السعودية يبدو مظهره أوضح ما يبدو في انخراطها في حرب طائشة في اليمن لا تستبين للخروج منها سبيلٌ . لو ظلت جبهة سوريا والعراق سليمة ما انتقلت المؤامرة إلى مصر والسعودية اللتين إذا مزقتا ستكون المؤامرة قد حققت آخر مراميها ، وقد يكون نجاحها فيهما ، مثلما تدل بعض الظواهر ، أسرع من نجاحها في العراق وسوريا . هل مازال لدينا وقت للقول : احفظوا سوريا ، ومعها العراق ، تحفظوا أنفسكم !

الملفات