2026-09-11 01:39 ص

الاتفاق النووي .. هل ينهي سنوات ٍ من الكباش الغربي الإيراني ؟؟

2015-07-15
بقلم: الدكتور محمد بكر*
تم التوصل إلى الاتفاق النووي , انتصرت الدبلوماسية الإيرانية بجدارة , وأنتج اللين البطولي كما يسميه قائد الثورة ليس بطولة وحسب إنما فخراً وعزة  للشعب الإيراني , لم تستطع خصومه أن تزحزح أو تقوض ما رُسم من خطوط حمراء في هذه المفاوضات , حتى تفاؤل كيري بالتوقيع كان تفاؤلاً أعرجاً , لم تتبدى معه مطلقاً ملامح النجاح والانتصار , وكما خرج على عكازه أمام الإعلاميين , خرجت بلاده وسياستها على عكاز أيضاً على المسرح الدولي , نالت منها العزيمة الإيرانية والثبات على المواقف , إذ لطالما (أخذ الإيرانيون ما يريدون وقطف القائد خامنئي الثمار) , هذا ما قاله مراقبون ومحللون إسرائيليون قبيل الإعلان عن الاتفاق , وحده الامتعاض والقلق الإسرائيلي لم تحده أي حدود , وعلى لسان موشيه يعالون تنامى القلق من تداعيات ما عده اتفاقاً سيئاً وأنه سيغير من وضع " إسرائيل " السياسي والأمني , في حين جاوز آخرون الحدود بعيداً, ليتحدثوا عن معركة يعد لها الكيان الصهيوني من اليوم الذي يلي التوقيع على الاتفاق , فهل يلوح في الأفق بالفعل تحضير إسرائيلي لمعركة في قادمات الأيام ؟؟ أم إن الاتفاق سيؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الغربية الإيرانية يصم خلالها الغرب عن رغبات وأمنيات إسرائيل ؟؟ يأتي الجواب سريعاً على لسان قائد الثورة الذي خاطب آلاف الطلبة الجامعيين : إن مقارعة الاستكبار تعد ضمن مبادئ الثورة وثوابتها الأساسية  لذا جهزوا أنفسکم لمواصلة مقارعة الاستكبار وأمريكا تعتبر اليوم أكبر تجسيدٍ للاستكبار, مردفاً أن السبب الأساس لعداء قوى الغطرسة العالمية للشعب الإيراني هو امتناع الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن القبول بالنظام المبني على أساس المهيمِن والمُهيمَن عليه, مضيفاً: ونحن کما قال الشهيد بهشتي نقول للأعداء موتوا بغيظکم وغضبکم. فكيف تمكن لنا قراءة مرحلة ما بعد الاتفاق؟ , وكيف يمكن فك متناقضة الاتفاق في مجال البرنامج النووي والرؤية الإيرانية الثابتة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني على أنهم تجسيد للاستكبار؟ وهل ثمة ما يربط بين حديث قائد الثورة عن الجهوزرية لمقارعة الاستكبار وبين الحاصل في المنطقة على العين الأمريكية ؟؟ في تصريح له لصحيفة " نيووركر" الأمريكية ومع بدايات الحريق الذي لفحت نيرانه المنطقة تساءل هنري كيسنجر قائلاً: "هل تعتقدون أننا أقمنا الثورات العربية من أجل عيون العرب؟ لقد أقمناها من أجل إيران وسورية " . بالطبع لم يأت حديث كيسنجر حينها من فراغ على الإطلاق، إنما كان في اعتقادنا الناظم والموجه بدقة لكل ما جرى تصنيعه خلال السنوات الماضية تمهيداً للمبتغى الأمريكي الذي تبقى عيونه مسمرة على إيران . بالرغم من الإعلان عن التوصل إلى اتفاق نووي , وبالرغم مما بدأ يتنامى من خوف وقلق غربي لجهة نشاط وتغلغل التنظيمات المتطرفة إضافة إلى إعلان ذلك الغرب غير مرة عن ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة في سورية وغيرها من الأزمات , إلا أنه ثمة العديد من التساؤلات التي تفرض نفسها لجهة توصيف المرحلة الحالية من النزاع السيزيفي الذي استجلبه ما سمي "الربيع العربي" انظر إلى الكيان الصهيوني وتصريحاته شبه اليومية، انظر إلى ذلك المستوى من الامتعاض والغضب الذي يعتريه، انظر إلى حراكه المكوكي الذي لا يهدأ لجهة استيلاد التحالفات وتعزيز القدرات وتحديداً مع الأنظمة الخليجية الرجعية والهدف بكل وضوح وعلى لسان "إسرائيل" نفسها هو مواجهة إيران، انظر إلى كل ذلك تدرك جيداً تلافيف الأمور وتستطيع أن تحل كافة التشابكات والتعقيدات، هل يشكل نشاط وتغلغل "داعش" في هذه المرحلة وتكثيفه لعملياته الإرهابية في الوقت الذي تنحو فيه الولايات المتحدة والقوى الغربية الكبرى باتجاه ما تسميه الحلول السياسية والدبلوماسية، حالة عفوية؟ وهل يشكل الاستهداف اليومي إن لم نقل "اللحظي" للمؤسسات العسكرية المصرية والسورية والعراقية، حالة بريئة؟ وإن كانت الإدارة الأمريكية جادة في تبنيها للحل السياسي في سورية فلماذا لم تصدر الأوامر بعد لأدواتها لوقف التمويل والتسليح لجهة تطبيق القرارات الدولية والانخراط بشكل فوري في العملية السياسية؟ بل على العكس تماماً تسعى باتجاه المزيد من العسكرة في الساحة السورية. في المنتدى السنوي عن السياسة في الشرق الأوسط قال نتنياهو حرفياً: "إن الحل الدبلوماسي أفضل من الخيار العسكري لكن الخيار العسكري ضروري لنجاح الدبلوماسية لأنه تهديد قوي" ولا ننسى تصريحات عميدرور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي المتكررة بأن "إسرائيل قادرة على ضرب إيران بمفردها من دون الحاجة لمساعدة أمريكا" ومن هنا نفهم عودة الحديث الإسرائيلي عن معركة مقبلة. . في اعتقادنا أن الأمريكي ليس ساذجاً إلى هذا المستوى كي لا يدرك أن النجاح في التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران بشكل كامل وحتى ما كان أنجزه لجهة التخلص من السلاح الكيميائي السوري وتدميره بالكامل لن يغير شيئاً في القدرات العسكرية الإيرانية والسورية، والأهم أنه لن يحدث أي جديد في الاستراتيجيا، ولن يكسر ذلك الثبات في المواقف لجهة دعم المقاومة وتهديد الكيان الصهيوني، ومن هذه الزاوية بالتحديد نفهم ما كان يطلبه الأمريكي في فيينا لتوسيع دائرة المفاوضات لتشمل سورية وحتى اليمن, الأمر الذي عدته إيران خطاً أحمر وغير مقبول، بينما أكدت القيادة السورية عندما وافقت على تدمير أسلحتها الكيميائية أن لديها ما يعمي "إسرائيل"، في حين استمرت ذات اللهجة النارية على لسان حزب الله لجهة الجهوزية التامة للمعركة مع العدو وأنه سيهجر الملايين في أي عدوان على لبنان , إضافة لما قد أعلنه سماحة الأمين العام حسن نصر الله بأن قيادة المقاومة ستطلب من مقاتلي المقاومة السيطرة على الجليل، بمعنى آخر إن كل المحاولات الأمريكية التي جرت وإن تم توقيع الاتفاق لم ولن تغير قيد أنملة في سياسة جبهة المقاومة لا فكراً ولا ردعاً إذاً.. ما الذي سيعمل الأمريكي على صياغته ونسجه وتصنيعه؟ وهل سينتهي مسلسل "الأبلسة" لمجرد الخسارة السياسية لجولة المفاوضات النووية إضافة لعدم تحقق المأمول ولاسيما في سورية وإن كان حجم الاشتغال عليه كبيراً؟ مع وصول الرئيس حسن روحاني (الحيادي) إلى سدة الرئاسة في إيران كونه ليس محسوباً على المحافظين ولا على الإصلاحيين، فإن الفرصة التي كان الأمريكي يشتغل عليها لجهة استنساخ حالة من "الربيع" في الداخل الإيراني قد ذهبت أدراج الرياح، إضافة إلى أن سياسة الاغتيالات بحق العلماء الإيرانيين لم يكن لها عظيم الأثر لثني العزيمة الإيرانية عن مواصلة تقدمها العلمي والتقني، كل ذلك جعل الأمريكي يدرك، في اعتقادنا، أن استحداث أي "انقلاب" في السياسة الإيرانية لن يكون إلا بمعناه العسكري، الذي يحتاج بالطبع من المنظور الأمريكي إلى جملة من الإجراءات التي تحقق غايته , لذا يلجأ للعزف على وترين الأول يعمل فيه على تظهير الوجه الحسن والروح الطيبة إذ قبل الأمريكي توقيع الاتفاق ، وفي الوقت نفسه يشتغل كثيراً على الوتر الثاني وهو تكثيف "فوضاه" المصنوعة على عينه من خلال انتهاج استراتيجية التفجيرات والسيارات المفخخة عبر أدواته الإسلاموية في كل من الداخل السوري والعراقي واللبناني بما يؤمن الاستنزاف المثالي للقدرات العسكرية لتلك الدول، وبما يضمن الحدود الدنيا لأي مساهمات فاعلة لها في المواجهة مع حليفتهم إيران، وكذلك الحال بالنسبة للساحة المصرية بهدف تقويض أي دور قومي محتمل لمصر، تلك المواجهة التي تكتمل فيها افتراضياً مقومات النجاح ( أمريكياً ) , إذ يحضر فيها الممولون "الدول الخليجية" وتتنامى فيها إرادة الحالمين "الأتراك" بهدف استعادة الدور القيادي والتخلص من المنافس الأوحد على مستوى المنطقة، وبالتأكيد إن هذه المواجهة لن ترى النور إلا مع وصول محتمل للجمهوريين "خريجي المدرسة العسكرية" لسدة الحكم في العام 2017 بعد انتهاء الولاية الثانية لأوباما ولعل التوصيف الذي كان قد جاء على لسان دبلوماسي أوروبي رفيع العام الماضي لجهة تحليل وتوقع الرغبات الأمريكية خلال الفترة المقبلة يشكل تناغماً واضحاً حيال ما أسلفناه إذ أكد أن أمريكا لن تنجر إلى أي حروب أو أي مغامرات عسكرية في الفترة المتبقية من ولاية الرئيس أوباما، وأن واشنطن ستواصل مساعيها من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي حول برنامج إيران النووي، لكنها (وهنا بيت القصيد) " لن تبذل جهوداً كبيرة في هذا المجال" . 
*كاتب فلسطيني مقيم في سورية. 
mbkr83@hotmail.com