لا شك بأن المشهد الذي طافت به الحشود الجماهيرية عدداً من ساحات المدن العربية والإسلامية في يوم القدس العالمي , إنما يشكل مشهداً فريداً لجهة عودة الألق والزخم للقضية الفلسطينية , إذ لطالما أريد لها ذلك الكم من التهميش والتغييب والتقزيم , لا بل حتى التصفية الشاملة , لكن مع تغلغل الحروب الدامية التي تعصف في المنطقة , والمثارة بالطبع على العين الأمريكية ودخول شعوب الدول المستهدفة في صراع هدفه الرئيس تفتيت هذه المنطقة وتقسيمها إلى دويلات صغيرة أو تحويلها إلى دول هامشية ضعيفة , تغدو القضية الفلسطينية في ميزان الصراع مع الكيان الصهيوني أقل وزناً لا يغادر حضورها أطر الصيحات والهتافات المناصرة لها ولحقوق الشعب الفلسطيني , وعليه فإن تحول الأطراف المصطفة إلى جانب القضية الفلسطينية والداعمة لكفاح شعبها نحو استراتيجية تصوغ الإجراءات الاستراتيجية يعد أمراً ملحاً واستراتيجياً , لجهة ما من شأنه أن تحدثه هذه الإجراءات من زلزالٍ مدو ٍفي معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني , وتالياً ما ستحققه من تحريض واستيلاد حقيقي لتسوية سياسية شاملة لكافة ملفات المنطقة طال انتظارها كثيراً .
بقدر إيماننا المطلق بأن المعركة المستعرة اليوم في المنطقة هي معركة سياسية بامتياز وليست معركة طائفية , وأن الصراع الدائر هو صراع بين مشروعين، ومع دخول السنة الخامسة من عمر الربيع الأمريكي وبعد سنوات عجاف تنامت فيها كرة النار واشتد لهيبها وتطاولت ألسنتها وتغذت من أناسنا وحجارتنا وشيبنا وشبابنا وأطفالنا ونسائنا، أوغلت فيها البوصلة في الانحراف، وتكاثر في أرضنا وحدها القحط والجفاف، فإننا نؤمن ونعتقد جازمين أيضاً أنه لاراد ولا صاد ولا مانع لكل تلك الموبقات والتشوهات , إلا بإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح، هذه الإعادة التي جوهرها فلسطين تتوق خلالها الجماهير لأن تطلب قيادة حزب الله من رجال المقاومة أن يدخلوا الجليل , وهذا وحده فقط من يجلب الحلول، وهذا وحده فقط ما يشكل لب الخيارات الاستراتيجية التي يجب المضي نحوها اليوم قبل الغد تتوحد معها إرادات جبهة المقاومة من إيران إلى لبنان في بوتقة واحدة، فطريق القدس يبدأ من الجليل , لأنه الخيار الأقل كلفة , والحجر الأساس للانتصار في معركتنا الوجودية مع الكيان الصهيوني رأس الإرهاب, وأذنابه من التكفيريين , وإلا سيطول المسلسل السيزيفي في المواجهة واللاجدوى نستنزف فيه طاقاتنا وشبابنا في تقطيع الذيل في حين يبقى الرأس حراً معافى موغلاً في الراحة والطمأنينة لا تغادر الابتسامة محياه وهو يرقب حلقات مسلسلنا ( المكسيكي) الذي لا نهاية لأجزائه وحلقاته تماماً كمسلسل جنيف, وبهذا الخيار فقط تزول هذه الغمة التي طالت في المكوث.. و يزهر بحق ربيع هذه الأمة، وينجلي مانزل في النفوس، من تشوهات ٍ وأحقادٍ وفتنٍ ومؤامراتٍ ودماءٍ وتحريضٍ وتجييشٍ وكذبٍ وثورات ٍضقنا بها ذرعاً, وساءت بنا صنعاً, كنا لها وقوداً , فازددنا معها حمقاً وقبحاً.
في يوم القدس العالمي هي صرخة للمستضعفين كما سماها أهلنا في فلسطين لهذا العام، تصدح فيها الحناجر لا ربيع إلا ربيعك يا أقصى , ولا ثورة إلا في أرضك ورحابك , فهي المهراق الحق للدماء، يغيب عنك ثوار هذه الأيام وتموت عند أبوابك الضمائر، فاقرأ ياوطني على عربك السلام، وانعي فيهم كل ثائر.
لا تحزن يا وطني فقد تعلمت في مدارسك ومن طهر أرضك أنهم ماضون وأنت الباقي.. مهما طال العهر والفجور والكذب والتناحر, آتٍ ربيعك يا بلدي , آتٍ إليك ولدي, مقضيٌ يوم التلاقي...
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com
