2026-09-11 02:54 ص

بعد عام من العدوان على غزة: فلسطين كسورية ... لن تقهر

2015-07-11
بقلم: الدكتور خيام الزعبي*
أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، وحين كان الدم الفلسطيني يستباح على الملأ، وأشلاء الأطفال والنساء تتناثر في الشوارع، وقفت سيدة سورية عجوز على باب سفارة فلسطين، صرخت بأعلى صوتها مستغيثة أن تذهب لتقاتل في فلسطين، وحين كان من الصعب أن تحقق أمنيتها، انفجرت في بكاء شديد، كانت هذه السيدة تجسد واقع سورية بأكملها، كانت تبكي وأعين سورية كلها تبكي معها، هذا المشهد جسد ما بين سورية وفلسطين من تاريخ وحاضرمستمر، فعلاقة سورية بفلسطين علاقة دم طاهر وعلاقات مصاهرة، فمئات الآلاف من الفلسطينيين يحملون الجنسية السورية، وقد امتزج دمهم بالدم السوري، وهذا الدم السوري الوطني قد سال في معارك وطنية كثيرة على أرض فلسطين، وتصدى لكل الحروب والمعارك، إذاً هي علاقة عطاء وتضحية دائمة من قبل سورية تجاه فلسطين، ففلسطين قوية بقوة وصمود سورية، ومن هنا فإن إستهداف سورية في أمنها هو إستهداف للقضية الفلسطينية، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل بات الدم الفلسطيني رخيصاً على العرب والمسلمين إلى درجة أن تتجرأ إسرائيل على معاودة العدوان المتكرر من دون أن يجد مواجهاً سوى صواريخ المقاومة وبنادق رجالها؟. ما يجري في غزة لا يمكن عزله عن الأحداث التي تعيشها سورية، فالحرب واحدة وممتدّة ومتصلة، ومن أجل قضية فلسطين اندلعت حرب سورية لاستنزاف الجيش السوري وكسر يد المقاومة، واليوم يراد لها أيضاً أن تستنزف غزة، فالمخطط واحد يشمل المنطقة العربية كلها، ولهذا ليس من الغريب أن نلاحظ أن أمريكا وحلفاؤها يقفون اليوم بكل قوة بجانب العدو الصهيوني في حرب الإبادة التي يشنها على فلسطين ويدافعون عنه، هم يفعلون هذا لأنهم يدركون أن العدو الصهيوني بحرب إبادة غزة يقوم بأحد الأدوار المهمة في مخطط الإبادة الأكبر للمنطقة العربية، لكن الأمور جرت عكس ما خطط لها، فبعد المراهنة على سقوط محور المقاومة، أو حتى محاولة إضعافه، ثبت أن مكونات هذا المحور خرجت أقوى مما كانت عليه، وبامتحان فلسطين نجحوا في البرهنة – كالعادة – على أن فلسطين هي قلب وقبلة المقاومة. يأتي هذا العدوان في وقت تشهد فيه المنطقة سلسلة من المتغيرات الدولية والإقليمية، ومع ذلك فان الشعب الفلسطيني في غزه يثبت إنه شعب جبار بصموده وتصديه لهذا العدوان، من هنا فإن غزة هي الحصن المنيع بوجه إسرائيل، فقد أظهرت جدارتها في مقاومة عدو يدوس على الكرامة الإنسانية، ولذلك تستمر إسرائيل بحربها على أهل غزة وهي تريد تركيع الفلسطينيين، طبعاً إن هذا الأمر مستحيل، فكم مرة شن الجيش الإسرائيلي حرباً على غزة ولم يفلح في كسر عزيمة الفلسطينيين، لذلك لا قوة تستطيع تركيع هذا الشعب لإنه يواجه الموت بالصدر العاري فلم يكن ولن يكون الموت يوماً وسيلة لإخافتهم، ولم تنفع كل حملات القمع والإرهاب في عزيمة الفلسطينيين من المطالبة بحقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة. هناك من حاول حصر قضية فلسطين بالفلسطينيين، ثم حصروها بفلسطينيي الضفة والقطاع ثم مزقوها لتصبح قضية حماس وفتح ثم عباس وهنية، هؤلاء هم أعداء فلسطين، كذلك هناك من يريد عزل شعب سورية عن محيطه العربي كونهم لا يريدون له الخير والاستقرار، فهؤلاء المتأمرين على قتل أبناء فلسطين وسورية لن يمروا هذه المرة بسلام، ولن ينالوا إلا الحكم العادل عليهم من التاريخ لعمالتهم وتواطئهم على هذا الشعب، إنطلاقاً من ذلك فلسطين لن تستسلم وسيدفع العدو الصهيوني الثمن غالياً، وسورية لن تستسلم أيضاً مهما فعلوا بها، ولن يطفئوا نار الحماس في أبنائها بل هذا سيزيدهم عزماً وإصراراً وثباتاً من أجل طرد القوى المتطرفة والمليشات المسلحة الذين جاءوا من كل بقاع الأرض الى سورية، وأن مصيرهم هو الفشل، فسورية القوية هي مؤشر إلى أمة عربية قوية وناهضة وهي مؤشر إلى بداية تعديل في موازين القوى الإقليمية لصالح القضية الفلسطينية، وهي التي تستطيع التأثير في الإستراتيجيات الدولية إزاء المنطقة العربية، فالشعب السوري قد قرر منذ زمن أن يكون الخندق المتقدم لحماية آمال الأمة ببعدها القومي والإسلامي. في سياق متصل إن العدو على يقين تام أن القضية الفلسطينية هي التي ستوحد شعوب الأمة لما لها من أثر ديني وإنساني في وجدان كل عربي حر وشريف، وبالرغم من أنهم يعلمون أنهم لن يستطيعوا محو هذه القضية وسيأتي اليوم التي ستزول فيها إسرائيل إلا أنهم يريدون أن يكسبوا مزيدا من الوقت لإطالة عمر احتلالهم بإشعال الحروب والفوضى والفتن هنا وهناك، لذلك مهما حاول الأعداء ومهما استخدموا من وسائل فإن الشعب السوري لن يتخلى عن قضيته الأساسية، القضية التي خلق هذا الشعب من أجلها بل وتتجذر في عروقه هي تحرير فلسطين، فالعدوان لن يحجب عنا فلسطين وحتى لو حاول أن يشغل شعب سورية بعدوانه وفتنه، ستظل سورية تعد العدة لقضيتها الأساسية، لإستئصال الغدة السرطانية وإعادة العزة والمجد للأمة التي افتقدته منذ زمن بعيد. مجملاً....إن ما حدث من عدوان على فلسطين، وما رسمته المقاومة على تخومها من ملاحم بطولية خالدة جسد صورة البطولة الفلسطينية المتصاعدة، وعلى الرغم من المآسي والجرائم الإسرائيلية، إلا أن الشعب الفلسطيني صامد ومتمسك بحقوقه ولن تكسره آلة الإرهاب الإسرائيلي ولن تثنيه عن مواصلة نضاله، وإن ارادة الشعوب لا تقهر فالفيتناميون قهروا أمريكا أعتى قوة على الأرض وكذلك الأفغان، وهزم شعب مصر العدوان الثلاثي في بورسعيد، وهزمت سورية كل المشاريع الأمريكية والغربية التي استهدفت اسقاط سورية، واليوم يعيد محور المقاومة تنظيم صفوفه وسينطلق من جديد للتعامل مع الإحتلال، ومواجهة العملية الإستيطانية والتهويد المستمر للقدس، وأخيراً أتمنى أن تأتي الذكرى العام القادم، وقد تحققت أماني الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتعزيز الوحدة الوطنية والعيش الكريم ورفع الحصار والإفراج عن كافة الأسرى وإعادة بناء ما دمره الاحتلال لأن هذا الشعب يستحق آن يعيش مثل باقي شعوب العالم في ظل دولته المستقلة. 
* مدير مكتب صحيفة العالم الجديد بدمشق
khaym1979@yahoo.com