2026-09-10 08:21 م

مابين نارَيْن ... المفاوضات النووية إلى أين ؟؟

2015-06-25
بقلم: الدكتور محمد بكر
يعود مسلسل المفاوضات النووية بين إيران والخمسة زائداً واحد إلى دور العرض السياسي لتتوارد اللقاءات ومشاهد المباحثات , هذا المسلسل الذي طالت عدد حلقاته " على الطريقة المكسيكية " تعالت خلاله الأصوات لجهة أن الخاتمة بتوقيع اتفاق نهائي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التشكيل والصياغة بالشكل الذي يرضي المفاوضين ولاسيما الإيرانيين على قاعدة رفع العقوبات بشكل كامل ودفعة واحدة , وبالتزامن مع مشهد نوعي من " الانعطافة " الأمريكية المرسومة دائماً بريشة أوباما الذي لم يجد حرجاً في تصدير جملة من الرسائل عبر الإذاعة الإسرائيلية مؤخراً لجهة أنه لا بديل عن الاتفاق مع إيران , مؤكداً أن الخيار العسكري ضدها لن يجلب الحلول حتى لو شاركت به الولايات المتحدة , بدورها كانت الأصوات الإيرانية حاضرة بقوة ودائما ً على لسان مرشد الثورة الإسلامية لجهة التشكيك بالنيات الغربية وانتفاء الجدية الأمريكية في التعاطي مع إيران , وأن واشنطن تريد تدمير صناعة إيران النووية , لا بل حتى السعي للنيل من الجمهورية الإسلامية على قاعدة " العودة الأمريكية إلى المربع الأول في الهيمنة " و " حرب بالإنابة باتجاه حدودها " بحسب توصيف المرشد, بدوره أعلن وزير الخارجية الإيرانية أنه لاتزال هناك خلافات سياسية وأخرى تقنية . مابين الادعاءات والانعطافة الأمريكية فيما يتعلق بالمفاوضات النووية , وبين ما حذر منه مرشد الثورة نقف لنسأل ؟ هل فرمل الأمريكي توجهاته التصعيدية وقرر بالفعل صياغة حلول سياسية مع إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي ؟ وهل سيضع الاتفاق النووي في حال ولادته حداً لامتدادات المشروع الأمريكي في تقسيم المنطقة, ويؤسس لمرحلة جديدة في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية ؟ أم إن جل الحاصل هو بمنزلة " محطة تهدئة " في محاولة لاحتواء السياسة الإيرانية تمهيداً " للنار الكبرى" والمواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ إن أحدا ً لا يستطيع إلا أن يدرك ويقر بأن ما جرى تصنيعه وطبخه وإذكاؤه وتغذيته أمريكياً وما تم تأطيره في إطار " الثورة والربيع " قد أفرز ولايزال جملة من المشاهد الكارثية التي تسر العين الأمريكية والإسرائيلية لجهة التدمير الممنهج والاستنزاف المدروس لمقدرات وموارد ومؤسسات الدول المستهدفة , وإن جميع مراحل هذا الحريق العربي " النار الصغرى " إنما كانت محط اهتمام ومتابعة واشنطن لجهة الوقوف على نتائج كل مرحلة وتالياً المضي في كل مرة في وضع أسس جديدة لانطلاقة جديدة جوهرها تأجيج الحريق وليس إخماده , وكمثال واضح على هذه الجزئية , ما أوردته وثائق ويكيليكس نقلاً عن سعود الفيصل بأن الغرب أعطى الضوء الأخضر لوصول الإخوان إلى سدة الحكم , لكن مع تدهور المشهد السياسي في مصر وتونس ورفض الشارع هناك لممارسات الإخوان وما تمخض عنه من حيثيات ومشاهد لم تُلحظ في البرنامج الأمريكي المعد للمنطقة , كان التحول الأمريكي ونفض اليد عن الإخوان, والشروع بتحضير وتهيئة المرحلة الجديدة وبرمجة مشاهدها والتي عنوانها " داعش " , وربطاً مع ما كان قد رسم ملامحه هنري كسينجر منذ البدايات بأن كل الحاصل في المنطقة هو بهدف الوصول والنيل من إيران , وانطلاقاً من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تجيير سيل من الأدوات التي تعمل على تحقيق مصالحها في المنطقة , والتحكم ومصادرة قرار وأموال وموارد دول بعينها في المنطقة بما يشكله ذلك من شرايين الحياة وعوامل ديمومة مشروعها ومخططاتها , واستناداً إلى جزئية مهمة في هذا السياق عنوانها " الاستفادة الإسرائيلية " لا بل التنسيق المطلق مع تلك الأدوات والتقاطع الحاصل في الرؤى والأهداف , إضافة للتصريحات الصهيونية العلنية لجهة أن تلك التنظيمات المتطرفة لا يشكل وجودها أي خطر على الكيان الصهيوني وإن الخطر الأكبر يبقى متمثلاً في إيران , وبناء ً على أن كرة النار الصغرى المتدحرجة على العين الأمريكية لم تستطع النيل من مؤسسية الدولة السورية , ولم تضعف القدرات النوعية للمقاومة اللبنانية التي لازالت تتحدث بزخم وبلسان العارف للقدْر والقدرة عن جهوزيتها التامة للمعركة مع العدو الصهيوني, يمكن القول أن التحول الأمريكي فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي, حتى ولو وُقع الاتفاق , إنما يصب في إطار الاحتواء والمماطلة والسياسات الالتفافية التي تشكل " قصفاً تمهيدياً " للوصول إلى الجغرافية الإيرانية وتالياً تحقيق الهدف الرئيس في نقل الحريق إلى إيران الذي سيعتمد في جوهره ربما على " حقن " الجسد الإيراني بجرعات داعشية لاستيلاد ذات المشاهد المؤداة في كل من المسرحين السوري والعراقي التي ستكون بمنزلة " الوقود المساعد والداعم " للنار الكبرى ذات العنوان الأوحد " المواجهة المباشرة " مع الجمهورية الإسلامية , ومن هنا نفهم التحذير الإيراني من حرب الإنابة التي تحدث عنها المرشد , كل ذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك يقيناً أن إيران تفصل تماما ً بين مفاوضاتها مع الغرب للتمتع بحقوقها النووية , وبين سياستها الخارجية الداعمة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ووقوفها الصلب إلى جانب الدول الواقعة في قلب العاصفة الداعشية , وهذا ما يزعج الأمريكي ومن خلفه الإسرائيلي الذي لا يلمس أي تحول جذري في السياسة الإيرانية التي تعض على الثوابت بالنواجذ وإن جل " المرونة " السياسية أو " اللين البطولي " كما يحب أن يسميه المرشد الذي تبديه الجمهورية الإسلامية إنما يبحث ويناقش المصالح والحقوق الإيرانية فقط ,لا تغيير السياسات . مابين نار الربيع الأمريكي المتقن الأهداف والمسارات , وبين ما يعمل الأمريكي على تجميعه وتحضيره وتهيئته في اعتقادنا كوقود لنار المواجهة " الحتمية " ولاسيما في ظل انشغال حلفاء إيران في إطفاء الحرائق المتطاولة الألسن والمستعرة على أراضيهم , هل ينجح السيناريست الأمريكي في صياغة خاتمة لمسلسل حربه على المنطقة وفق المحدد والمرسوم من بوابة المفاوضات ؟؟ أم إن إيران وحلفائها قادرون على تفعيل الخطاب المستند إلى مستوى " التسوية بالأرض " و " عمي العيون " الذي طال تفعيله , وهو وحده فقط الكفيل بصياغة خاتمة حزينة للمسلسل الأمريكي .
 * كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com