من الوجوه الإعلامية التي سنذكرها ولن تنساها لوقت طويل ، تلك التي كانت ترسخ حضورها في ذاكرتنا عبر السنوات الماضية ، حيث كنا نتشبث أمام التلفاز متابعين النوعية الاحترافية للرسائل والتقارير والحوارات التي كانت تشغل بطريقة غير عادية تعكس الثقافة الواسعة وإلمام واضح بالمادة التي يقدمها للمشهد ، والصياغة المتماسكة لنص الرسالة في البداية والخاتمة والتي تعكس الجهد الحقيقي لمن يعمل في هذا المجال الذي لا يمكن أن ينجح فيه ويتألق إلا من أحب وعشق هذه المهنة وكانت تسري في شرايينه لحظة بلحظة .
مع الأيام ترسخت علاقتنا عبر الشاشة الصغيرة عبر الحوار المفتوح الذي كان نقلة جديدة في عمله وأكد من جديد أنه لا يشق له غبار وكان متميزاً في عمله الذي تنقل فيه عبر عدة عواصم ومدن عربية وعالمية ، وكان مذهلاً في طريقة إعداده وفي حواره وفي الإمساك بالكثير من الخيوط في حواراته والبرامج التي كانت تحظى بمتابعة منقطعة النظير، ولعلنا لا ننسى الحلقات النوعية التي أعدها عن المقاومة اللبنانية بعد انتصارها على العدو الإسرائيلي في حرب تموز عام 2006 وعرضه لبعض قصص الصمود التي سطرتها المقاومة أثناء حرب الثلاث وثلاثين يوما ، والأساليب التي اعتمدتها في حربها مع الصهاينة والنيل منهم ومن آلياتهم مما جعلهم يهربون من أرض المعركة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة ، وكذلك يمكن أن نذكر التغطية المتميزة لعدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة وطريقة دخوله القطاع المحاصر وإعداد أكثر من حلقة دون أن يكشف الطريقة التي دخل فيها وعرض فيها الكثير من الأمور عن أشقائنا الفلسطينيين في غزة الصامدين أبداً في وجه الاحتلال الذي لم يستطع النيل من صمودهم على الرغم من الحصار الذي يفرضه عليهم والقتل والتدمير والمجازر اليومية التي كان يرتكبها ...
غسان بن جدو ذلك الإعلامي الذي أثبت مع الأيام أنه ليس مهنياً من الدرجة الممتازة فقط بل هو محلل سياسي لا يقل عن المحللين السياسيين الكبار الذين كانوا يحلون ضيوفاً على المحطات الفضائية وربما هذا أحد أسرار نجاحه حيث كانت له قراءة وطنية للأحداث ربما كانت تتقاطع أو تختلف مع الكثير من السياسيين العرب أو الأجانب ، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد أثبت أنه إعلامي يتمتع بأخلاق عالية منعته من أن يتابع عمله في قناة الجزيرة بعد أن ثبت له وبالدليل القاطع أنها انحرفت عن المسار الذي يفترض بها أن تسير عليه وتخلت عن ميثاق الشرف الإعلامي الذي كانت تدرسّه للإعلاميين الجدد الذين يأتون لمركز الجزيرة التدريبي ليصبحوا إعلاميين ومهنيين تتخاطفهم وسائل الإعلام التي تريد النجاح في عملها حيث تقدم باستقالته متخلياً عن الاسم الكبير الذي حققه في محطة كانت تعد من كبرى المحطات الإخبارية في الوقت الذي باع العديد من الإعلاميين أنفسهم للشيطان واستمروا بالمؤامرة بعد أن تخلوا عن الشرف وميثاق الشرف الذي يحدد عملهم في هذا المجال الهام ، فلم يعد الخبر مهماً بقدر أهمية التجييش واستمرار المؤامرة على قطرنا الصامد .
غسان بن جدو لم تسمح له أخلاقه ولا تربيته أن ينغمس في مؤامرة تحاك ضد قطرنا وفضل أن ينسحب مسجلاً لموقف لاشك أن التاريخ سيذكره ، وسيذكر أن هناك بعض الإعلاميين الشرفاء أيضاً استقالوا من عملهم في محطات الفتنة والمؤامرة التي كانت تدعي الموضوعية والصدق والشفافية ، وقد تكشفت للرأي العام وأسقطت عنها ورقة التوت الأخيرة التي كانت تداري بها عوراتها المخفية ، ولا شك أنها هذا السقوط دليل إفلاسها المعنوي قبل المادي لارتهانها لقوى ومشاريع مرتبطة بأجندات الغرب .
ولأنه رجل وطني بامتياز هاهو يترجم ما يعتقده ويظهر إحساسه الوطني الشريف عبر محطة الميادين التلفزيونية التي وضع أسس انطلاقتها وهي تدخل الآن عامها الرابع بكل نجاح واثبات على صدقيتها وحرفيتها بأخذها بوصلة فلسطين المحتلة كهدغ لها ولكل مواطن عربي شريف في العالم يؤيد القضايا الإنسانية العادلة .
شكرا غسان بن جدو فأنت كنت رجلاً أخلاقياً وإنساناً صاحب مبدأ في وقت أصبحت تلك السمات عملة نادرة .
*كاتب وصحفي سوري
marzok.ab@gmail.com
