2026-09-11 02:15 ص

في عصور الفوضى.. يقفز الإعلام للصدارة!

2015-06-16
بقلم: السيد شبل
لم تكن ماسورة الدماء والفوضى هي وحدها التي انفجرت بعد سقوط العراق في براثن الاحتلال الأمريكي، ولكن هناك ماسورة أخرى شهدت انفجارًا أحدث ربما صخبًا أكثر وهي ماسورة الفضائيات. فبعد سقوط بغداد والإطاحة بالنظام العراقي، سالت أودية من الكلام الرنان الذي يبذر صاحبه ترهات ويحصد جماجم وأشلاء، عبر نوافذ إعلامية بطبيعة التكوين لا صلة تربطها بقواعد العمل المهني؛ فصار لكل "طائفة" ولكل "منطقة" ولكل "حزب" ولكل "جماعة" بل ولكل "شلة أصحاب".. محطة فضائية يبثون عبرها ما يخدم مصالحهم وإن أتت على حساب وحدة الوطن وتماسكه. كان الإعلام في هذا الوقت (ولا يزال وإن بنسبة أقل) تجسيدًا حقيقيًا لكل معنى يتصل بالفوضى والتفكك والانهيار والضياع. قفز الإعلام، الذي يرى منظروه أحقيته باحتلال الكرسي الرابع بين كراسي السلطة.. ذلك الكرسي الذي من خلاله يراقب وينذر ويحذر وينصح... فجأة إلى الصدارة، وتراجعت سائر السلطات بعد أن أصابها ما أصابها جراء عمليات ممنهجة رامت تقويضها وتكبيلها بل والحط من دورها من الأساس. الوضع المنهار والملتهب الذي كان قاصرًا على العراق دون غيرها، انسحب سريعًا على أغلب الأقطار العربية، عقب 2011، وصارت الأوضاع الداخلية بالعراق كالأصل الذي يتم النسخ عنه، ومن ثم تُعمم النسخ على سائر البلدان العربية. نعم، لكل قطر عربي خصائصه ومميزاته، لكن صانعو القرار بالعالم الجديد ومهندسو فوضاه لم تعجزهم تلك المسألة، وتباروا في إيجاد البدائل كلما أثبت واحد عدم نجاعته، فنجحوا في إيجاد (خلق) بؤر التوتر والصراع داخل كل بلد، حتى ولو كان ساكنو هذا البلد أكثر سكان الأرض انصهارًا وتوحدًا، فإن فُقد العامل الطائفي استعانوا بالعامل الإثني والعرقي، وإن فُقد الاثنان، فلا غرو أن يتم اللعب على عوامل التمايز السياسي، ليس على المستوى النخبوي فقط، وإنما على المستوى الشعبي أيضًا.. حالة الاستقطاب والتناحر الداخلي تلك، والتي أثرت بالسلب على شتى جوانب حياة المواطن العربي الذي ابتليت بلاده بهذا البلاء، كانت بمثابة الموسم المثالي لـ"زومبي" الإعلام، لكي يخرجوا من قبورهم، ويستعرضوا ترهاتهم على الشاشات التي خلت من أي محتوى ذا جدوى باستثناء نرجسيتهم المفرطة وادعاء كل واحد منهم امتلاكه الحقيقة الكاملة.. وكان ما كان من تراجع في هيبة الدولة وسلطاتها وحضورها، وكان الإعلام يكسب كل أرض تخسرها السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وصارت الأجواء معبأة عن آخرها بالكلمات الرنانة والشعارات الفارغة والخطب الديماجوجية، كل من جانبه وكل عبر فضائيته التي يملكها أو يشارك صاحبها في امتلاكها بنسبة ما. في مصر، مثلًا، صارت وظيفة كل مسئول في الدولة أن يمارس عمله نهارًا، وأن يجلس إلى جوار هاتفه المحمول ليلًا ليرد على أسئلة واستفسارات مقدمي البرامج المسائية. وحقيقة دور المسئولين في هذا الصنف من البرامج هو ملء النصف ساعة الأولى من البرنامج قبل استقبال الضيف، ولا أدل على ذلك من تعمّد المذيع إطالة المكالمة واستنزاف المسؤول في تفاصيل تكون شبه محسومة؛ والمسألة لها شق أبشع، عند وقوع حادثة ما، حيث يكون المسؤول مجبرًا على متابعة الحادث والعمل على التقليل من آثاره السلبية، وفي ذات الوقت الرد على اتصالات الفضائيات التي تكرر ذات الأسئلة وتستفسر عن نفس الأمور، والويل للمسؤول الذي يحجم عن الرد على اتصال أحد المذيعين، فهو ووزارته سيصبح لأيام كثيرة قادمة ساحة "النيشان" التي سيتبارى المذيع وسائر زملائه بالمحطة تصويب سهامهم إليها!. صحيح أن هذا الوضع المتأزم له شقين، ولا يقع بكليته على وسائل الإعلام، فهناك دور أجهزة العلاقات العامة بالوزارات والتي لا تقوم بدورها المطلوب في الرد على الاستفسارات وتقديم كافة المعلومات المطلوبة، والسبب في هذا راجع إلى عدم كفاءة العاملين بهذه المناصب، خاصة وأن أغلبهم لم يمارسوا عمل إعلامي احترافي في أي وقت مضى وبالتالي فهم غير ملمين على التمام بما يحتاجه الإعلاميون، لكن يظل الشق المتصل بالإعلاميين أخطر لسببين، الأول: أنه يرتبط بجانب نفسي قل من يتعرض إليه، وهي السطوة والجبروت وحب الصدارة وسائر المذمومات التي صار يتصف بها أغلب ممارسي العمل الإعلامي، والثاني: أن قفز الإعلام من موقعه كسلطة رابعة إلى موقع السلطة الأولى، يعكس خللًا وضعفًا في السلطات التي تسبقه، وهذا لا يكون مصدر بهجة سوى عند أتباع المذاهب الفوضوية العدمية، أما من يرمي إلى إصلاح الأوضاع لا هدمها فعليه أن يراجع نفسه إن كان يعتبر هذا الوضع دليلا بأي صورة من الصور على تعافي البلد. كذلك فإن سعي بعض أرباب المهن وأعضاء النقابات ومن بينهم الصحفيين لإضفاء نوع من القداسة على أنفسهم، ليس سعيًا نحو الحرية كما يتوهم البعض، وإنما هو تكريس لاستبداد فئة تتمتع وحدها بنوع من الحصانة القانونية، وإن كان كثيرون ينتقدون استبداد السلطة التنفيذية في أوقات مضت، فما يجري الآن هو استبدال فئة بأخرى مع بقاء صفة الاستبداد، وهذا لا يصح من أي وجه، إلا إن كان الانتقام هو الحكم. ختامًا نريد أن يؤخذ الكلام كدعوة نطالب فيها بأن يلتزم الإعلامي بدوره وألّا يتخطاه وأن يتعايش مع مجتمعه كفرد له وعليه، وأن يدرك أن الوضع الذي يقفز به إلى غير مكانه، هو وضع شاذ وفيه من الخلل ما يكفي لرفضه بل ومحاربته، لكن في الآن ذاته لا نريد للكلام أن ينسحب فيعطي مبررًا لتحجيم دور الإعلام وإزاحته عن سلطاته التي له بالأصالة، حيث يجب أن يكون مفهومًا أن المؤامرات التي أشرنا إليها والتي كانت سببًا في هذا الوضع المقلوب، ما كان لنبتها الشيطاني أن يُثمر لولا التربة الداخلية الهشة والمهيأة لذلك، وإن كان الفساد والاستبداد السياسي وعمالة الأنظمة للخارج سببًا في كون البيئة الداخلية ضعيفة وغير محصنة، فإن التسلط بشقيه الاجتماعي والسياسي سببًا أيضًا في ذلك، ومدعاة منطقية لحدوث الهبّات والانتفاضات الشعبية. إذن فالمطلوب هو الاتزان وأن تكون السلطات الأربعة مكملة ومدعمة لبعضها البعض، بهدف تحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين.

الملفات